من حملة إزالة تعديات على أراضٍ زراعية. - رئاسة مجلس الوزراء- فيسبوك

انقلاب على الإصلاح الزراعي: الشرطة لا تسدد ديونها

منشور الأربعاء 25 مايو 2022

لم يكن أودين نسيم جوهر سليل العائلة الإقطاعية بقرية دير البرشا التابعة لمركز ملوي في المنيا، يعلَم أن جزءًا من أراضيه الزراعية التي فُرضت الحراسة عليها عام 1956 لتوزيعها على صغار الفلاحين ضمن برنامج الإصلاح الزراعي، ستصبح نقطة شرطة تمتنع وزارة الداخلية عن سداد مقابل الانتفاع بها لأكثر 60 سنةً.

نقطة الشرطة التي أقيمت على أرض جوهر التي كان مفترضًا أن تؤول إلى صغار الفلاحين هي واحدة من عدة مقار شرطية أقيمت على أراضٍ نُزعت ملكيتها من أصحابها الإقطاعيين لكي ينتفع الفلاحون بها، ولكن ما حدث كان غير ذلك، إذ توالت القرارات الإدارية المنفردة بتخصيص أراضٍ لجهات ومصالح حكومية عدة، في مقدمتها وزارة الداخلية، حتى تراكمت ديون هذه الجهات لصالح هيئة الإصلاح الزراعي.

وبعد أن كان الهدف الرئيسي من خطة الإصلاح الزراعي نقل ملكية أرض أودين وغيره من الإقطاعيين لصغار الفلاحين لتمكينهم من الأرض بما يحقق منفعتهم، توالت القرارات الإدارية المنفردة بتخصيص أراضٍ لجهات ومصالح حكومية عدة، في مقدمتها وزارة الداخلية، حتى تراكمت ديون هذه الجهات لصالح هيئة الإصلاح الزراعي، لتأتي التعديلات الأخيرة على قانون الإصلاح الزراعي التي أقرها الرئيس عبد الفتاح السيسي في 20 مارس/ آذار الماضي، لتفرض واقعًا مغايرًا تمامًا في تعامل الدولة مع أراضي الإصلاح الزراعي.

القانون الجديد يمنح الأولوية لاستخدام تلك الأراضي في مشروعات المنفعة العامة بالمجان، على حساب الهدف الرئيسي الذي أقرَّ لأجله الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر هذا القانون، وهو منفعة صغار الفلاحين بتلك الأراضي.

ومن بين الأراضي التي كانت مفترضًا أن تصبح مملوكة للفلاحين ولكنها أصبحت مقار شرطية، وثقت المنصة سعي الحكومة لإسقاط مديونيات متراكمة على وزارة الداخلية لصالح هيئة الإصلاح الزراعي منذ عشرات السنين في كل من مركز شركة طامية في الفيوم، ونقطة شرطة محمد فهمي بمركز إطسا في الفيوم، ونقطة شرطة سنهور بمركز سنورس بالفيوم، ونقطة شرطة الحواصلية بمركز المنيا، ونقطة شرطة دير البرشا بمركز ملوي المنيا، ونقطة شرطة قرداحي بناحية سواد بمركز المنيا.

الانقلاب على "إصلاح عبد الناصر"

تمثل  أراضي الإصلاح الزراعي جملة ما تم الاستيلاء عليه من كبار ملاك الأراضي الزراعية في عهد عبد الناصر بموجب قانون الإصلاح الزراعي الذي صدر عام 1952 ليحظر على الأشخاص تملك أكثر من مائتي فدان من الأراضي الزراعية، وألزم الحكومة بأن تستولي على ما جاوز هذا القَدر لتوزيعه على صغار الفلاحين توزيعًا عادلًا، يرتفع بأكبر عدد ممكن منهم إلى مستوى صغار الملاك.

وبعد سنة من إصدار القانون جرى تعديله بما يسمح لمجلس إدارة الهيئة العامة للإصلاح الزراعي أن يقرر الاحتفاظ بجزء من أراضي الإصلاح الزراعي المستولى عليها، لتنفيذ مشروعات أو إقامة المنشآت ذات المنفعة العامة، وذلك بناء على طلب المصالح الحكومية أو غيرها من الهيئات العامة.

غير أن هذه المادة تسبَّبت في أزمة وقتها، وذلك بعدما استندت إليها بعض المصالح الحكومية في استصدار قرارات بتخصيص مساحات من أراضي الإصلاح الزراعي لـ "المنفعة العامة"، دون الرجوع في ذلك لهيئة الإصلاح الزراعي، وفضلًا عن ذلك امتنعت تلك المصالح عن أداء التعويض المستحَق عن هذه المساحات بدعوى أنها مملوكة للحكومة.

دفعت الأزمة هيئة الإصلاح الزراعي للرد على تصرفات تلك الجهات بقرار رسمي، قالت فيه إن رئاسة الجمهورية وإن كانت خرجت في هذا النص على الأصل المقرر في القانون بشأن توزيع الأراضي على صغار الفلاحين لاعتبارات تتعلق بالنفع العام، فإن هناك ضوابط لذلك من بينها أن تكون تلك الأجزاء لازمة لتنفيذ مشروعات أو لإقامة منشآت ذات نفع عام، وأن تتقدم هذه الجهات بطلبات إلى مجلس إدارة الهيئة العامة للإصلاح الزراعي لتسليمها الأراضي اللازمة، وأناط بالمجلس باعتباره السلطة القائمة على تنفيذ الاستيلاء والتوزيع أمر الفصل في هذه الطلبات.

واستمر واقع التعامل مع أراضي الإصلاح الزراعي التي يجري استخدامها في مشروعات المنفعة العامة على ذلك النحو الذي يفرض على الجهات الحكومية سداد مقابل الانتفاع بها، في حين استمرت بعض الجهات الحكومية ومنها وزارة الداخلية تماطل في سداد ما عليها من مستحقات.

نظام جديد

ثم جاءت تعديلات السيسي على قانون الإصلاح الزراعي، لتقر نظامًا جديدًا ومختلفا تمامًا عن ذلك الذي أقره عبد الناصر للتعامل مع تلك الأراضي، حيث أجازت تلك التعديلات للمرة الأولى، التصرف في أراضي الإصلاح الزراعي بـ"التخصيص" للوزارات والمصالح الحكومية، بالمجان أو بإيجار اسمى أو بأقل من أجر المثل بقصد تحقيق غرض ذي نفع عام، شأنها في ذلك شأن الأراضي أملاك الدولة، رغم طبيعتها المختلفة عن تلك الأخيرة فيما يخص نمط الملكية.

وتجيز التعديلات الجديدة أيضًا للمرة الأولى لرئيس مجلس الوزراء، بعد موافقة مجلس إدارة الهيئة العامة للإصلاح الزراعي إسقاط المديونيات المستحقة لهيئة الإصلاح الزراعي لدى الوزارات أو المصالح الحكومية أو الهيئات العامة، ووفقًا للقيمة المحددة بمعرفة اللجنة العليا لتثمين الأراضي، وذلك كله وفقًا للقواعد والضوابط والشروط التي  يصدر بها قرار من مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الزراعة واستصلاح الأراضي.

ديون الشرطة المنتظر إسقاطها

حصلت المنصة على مجموعة فتاوى قضائية غير منشورة، أصدرتها الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، في نزاعات قضائية كان طرفاها هيئة الإصلاح الزراعي من جهة ووزارة الداخلية من جهة أخرى، ألزمت فيها الجمعية بشكل نهائي وغير قابل للطعن وزارة الداخلية بسداد مقابل انتفاعها بأراضي إصلاح زراعي أقامت عليها الوزارة أقسامًا ونقاطًا للشرطة بعدة محافظات، وانتفعت بها لفترات تجاوزت 60 سنةً دون سداد ما عليها من مستحقات.

ففي 21 يناير/ كانون الثاني 2020 انتهت الجمعية إلى إلزام وزارة الداخلية بأن تؤدى إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي قيمة مقابل انتفاعها لمدة 32 سنةً، بقطعة الأرض المقام عليها مركز شرطة طامية بمحافظة الفيوم.

وقالت الفتوى إن الثابت من الأوراق أن قطعة الأرض محل النزاع ومساحتها 20 قيراطًا و14 سهمًا من الأراضي التي آلت ملكيتها إلى الدولة من/ جيوفاني أنيللي تطبيقًا للقانون رقم 15 لسنة 1963 بشأن حظر تملك الأجانب للأراضي الزراعية، وتسلمت الهيئة العامة للإصلاح الزراعي هذه الأرض طبقًا لحكم المادة 3 من هذا القانون، وخضعت إدارتها لأحكام القانون الإصلاح الزراعي، واستقرت ملكية تلك المساحة للهيئة المذكورة بالمشهر رقم 36 لسنة 1988.

 وتابعت الفتوى: وإذ وضعت وزارة الداخلية يدها على هذه المساحة، وانتفعت بها طوال الفترة من 1986 حتى 2018، وأقامت عليها مبنى مركز شرطة طامية، ومن ثم يستحق عليه مقابل الانتفاع عن المدة المشار إليها، وفقًا لتقدير اللجنة العليا لتثمين أراضي الدولة.

وفي 3 فبراير/ شباط 2020 انتهت إلى إلزام وزارة الداخلية بأداء مقابل انتفاعها لمدة 54 سنة، بقطعة الأرض المقام عليها نقطة شرطة الحواصلية بمركز المنيا، حسبما قدرته اللجنة العليا لتثمين أراضي الدولة إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي.

وتضمنت حيثيات الفتوى الإشارة إلى أن الثابت من الأوراق أن قطعة الأرض المشار إليها والبالغة مساحتها فدان و4 قراريط تدخل ضمن أملاك الهيئة العامة للإصلاح الزراعي، المستولى عليها إعمالًا بقانون الإصلاح الزراعي، وتم إشهارها برقم 1711 في 16 يونيو/ حزيران 1987 لصالح الهيئة المذكورة، وهو ما لم تنكره، أو تجادل فيه وزارة الداخلية التي انتفعت بهذه المساحة خلال الفترات المشار  إليها في الفترة من عام 1964 حتى عام 2018، فمن ثم تلتزم وزارة الداخلية بأداء مقابل الانتفاع بالمساحة المشار إليها.

وفي 25 فبراير 2020 انتهت الجمعية إلى إلزام وزارة الداخلية بأداء مقابل انتفاعها لمدة 64 سنة بقطعة الأرض المقامة عليها نقطة شرطة محمد فهمى بمركز إطسا، بمحافظة الفيوم عن المدة من عام 1954 حتى عام 2018، طبقًا لتقدير اللجنة العليا لتثمين أراضي الدولة إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي..

وقالت الفتوى إن الثابت من الأوراق أن قطعة الأرض محل النزاع البالغة مساحتها فدان ونصف استولت عليها الهيئة العامة للإصلاح الزراعي طبقًا لقوانين الإصلاح الزراعي، وتم شهرها لصالح الهيئة برقم 203 عام 1987، وأن وزارة الداخلية وضعت يدها عليها وقامت بالانتفاع بها واستغلالها دون مقابل، حيث أقامت عليها نقطة شرطة محمد فهمي.

وتابعت الفتوى: وإذ لم تقدم وزارة الداخلية ما يفيد خلاف ذلك وعجزت عن تقديم ما يؤيد زعمها بملكيتها للأرض محل النزاع الماثل، بل على العكس جاءت المستندات المقدمة منها متضاربة في مضمونها حول سند شغلها لهذه الأرض، وأفادت في مجملها بعدم صدور قرار تخصيص لوزارة الداخلية بشأن قطعة الأرض محل النزاع أو وجود سند ملكية للوزارة لها، فمن ثم يتعين إلزامها بأداء مقابل الانتفاع بالمساحة المشار إليها حسبما قدرته اللجنة العليا لتثمين أراضي الدولة للهيئة العامة للإصلاح الزراعي، اعتبارًا من تاريخ وضع يدها على الأرض الحاصل في عام 1954 حتى عام 2018.

 

صورة ضوئية من القرار الصادر في أحد الفتاوى

وفي 14 مارس/ أذار 2020 ألزمت الجمعية وزارة الداخلية بأداء مُقابل انتفاعها لمدة 60 سنة بقطعة الأرض المقام عليها نقطة شرطة دير البرشا بمركز ملوي المنيا، وذلك حسبما قدرته اللجنة العُليا لتثمين أراضي الدولة إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي.

وقالت الفتوى إن الثابت من الأوراق أن وزارة الداخلية تضع يدها على قطعة الأرض موضوع النزاع البالغة مساحتها ثلاثة قراريط وستة أسهم بما يُعادل 568 مترًا مربعًا، وذلك خلال الفترة محل النزاع من عام 1958 وحتى 2018، وتستغلها كنقطة شرطة دير البرشا. وإن هذه المساحة تدخل ضمن أملاك الهيئة العامة للإصلاح الزراعي التي آلت إليها من الحراسة قِبَل الخاضع أودين نسيم جوهر شحاتة، بموجب الأمرين العسكريين رقمي (5)، و(5ب) مكرر لسنة 1956 وتم تسجيلها بموجب المشهر رقم (1592) بتاريخ 17 مارس 1988. الأمر الذي يتعين معه إلزام وزارة الداخلية بأداء مُقابل الانتفاع بالمساحة المُشار إليها.

وفي 15 أبريل 2020 انتهت الجمعية  إلى إلزام وزارة الداخلية بأداء مُقابل انتفاعها لمد ة 38 سنةً بقطعة الأرض المقام عليها نقطة شرطة قرداحي بناحية سواد بمركز المنيا، حسبما قدرته اللجنة العُليا لتثمين أراضي الدولة، إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي.

وتبريرًا لذلك قالت الفتوى إن الثابت من الأوراق أن وزارة الداخلية تضع يدها على قطعة أرض المشار إليها من عام 1980 عام 2018، وأن هذه الأرض تدخل ضمن مساحة أكبر تم الاستيلاء عليها من السيدة/ فيرا يوسف قرداحي طبقًا لأحكام القانون رقم (50) لسنة 1969 بتعيين حد أقصى لملكية الأسرة والفرد في الأراضي الزراعية وما في حكمها وصدر بشأنها قرار رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للإصلاح الزراعي رقم 2587 بتاريخ 10 يوليو/ تموز  1985، بالاستيلاء النهائي اعتبارًا من 23 يوليو 1969، الأمر الذي يتعين معه إلزام وزارة الداخلية بأداء مُقابل الانتفاع بقطعة الأرض وضع يدها المُشار إليها، حسبما قدَّرته اللجنة العُليا لتثمين أراضي الدولة وذلك عن المدة من عام 1980 حتى 2018.


اقرأ أيضًا|  الحكومة أم القطاع الخاص: من يتولى استصلاح الأراضي؟

 

الرئيس السيسي يتفقد أرضًا مستصلحة. الصورة: رئاسة مجلس الوزراء- فيسبوك

وفي 11 مارس 2021 أصدرت الجمعية، فتوى قضائية، ألزمت فيها وزارة الداخلية بأداء مقابل انتفاعها لمدة 40 سنة، بقطعة الأرض المقام عليها نقطة شرطة سنهور بمركز سنورس بالفيوم عن الفترة من عام 1978 حتى 2018؛ حسبما قدَّرته اللجنة العليا لتثمين أراضي الدولة إلى الهيئة العامة للإصلاح الزراعي.

وقالت الفتوى إن  الثابت من الأوراق أن قطعة الأرض المشار إليها والتي تبلغ مساحتها 22  قيراطًا و 20 سهمًا بما تعادل 3996 مترًا مربعًا تدخل ضمن أملاك الهيئة العامة للإصلاح الزراعي، المستولى عليها إعمالًا للمرسوم بقانون بشأن الإصلاح الزراعي، وتم إشهارها برقم 886 بتاريخ 18 يوليو  1964 لصالح الهيئة المذكورة، وهو ما لم تنكره، أو تجادل فيه وزارة الداخلية وتقوم بالانتفاع بهذه المساحة منذ عام 1978 بإقامة نقطة شرطة سنهور عليها، فمن ثم تلتزم تلك الوزارة بأداء مقابل انتفاعها بتلك المساحة لصالح الهيئة العامة للإصلاح الزراعي، وذلك حسبما قدرته اللجنة العليا لتثمين أراضي الدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن كافة الفتاوى السابقة، أجمعت على أنه لا يقلل من حق الهيئة العامة للإصلاح الزراعي، في تحصيل مقابل الانتفاع بتلك الأراضي من وزارة الداخلية، ما أبدته الوزارة بشأن أن الأصل المقرر قانونًا أن الانتفاع بالأموال المملوكة للدولة بين الهيئات العامة لا يستحق تحصيل مقابلًا، على اعتبار أن النقل في هذه الحالة يكون مجرد نقلًا للإشراف الإداري على هذه الأموال من جهة حكومية إلى جهة أخرى، ودون أن يُعدَّ ذلك تنازلًا عن أموال الدولة، أو تصرفًا فيها.

وبررت الفتاوى موقفها بأن القانون استثنى من هذا الأصل الأراضي المستولى عليها وفقًا لقانون الإصلاح الزراعي، والذي ألزم بمقتضاه الجهات الحكومية والهيئات العامة بأداء ثمن ما تتسلمه من هذه الأراضي لإقامة مشروعات ذات منفعة عامة عليها، أو مقابل الانتفاع بها بحسب الأحوال، نظرًا لأن الحكومة تكون في هذه الحالة ملتزمة بتعويض ملاك هذه الأراضي المستولى عليها.

وإزاء ما سبق ترجّح كل المقدمات أن تشهد الفترة المقبلة صدور قرارات من مجلس الوزراء مستندة لتعديلات قانون الإصلاح الزراعي الأخيرة، يسقط فيها ما تراكم من ديون على وزارة الداخلية وغيرها، جراء انتفاعها بأراضي أودين جوهر وغيرها من الأراضي القابعة بحوزة هيئة الإصلاح الزراعي.