الرابحون والخاسرون من رحيل تيلرسون وتعيين بومبيو

مواقف مصر المتباينة مع الولايات المتحدة في قضايا سوريا وكوريا الشمالية وكذلك التقارب المصري الروسي، يضيق من حجم اهتمام واشنطن بتقوية العلاقات مع القاهرة إلى إطار الرغبة في عدم وجود دولة منهارة أخرى في المنطقة.

ربما لم يكن رحيل وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون مفاجئا، لكنه بكل تأكيد سيعدل من شكل وطريقة عمل السياسة الخارجية الأميركية وعلى الأخص في الشرق الأوسط، الإقليم الأكثر حساسية للمتغيرات.

تيلرسون، القادم من عوالم البترول والغاز الطبيعي والبيزنس، كان أول المغادرين لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطوة كشفت، حسب بعض المراقبين، أن الرجل ذا الشعر الذهبي أدرك في وقت متأخر حجم صلاحياته الواسع وبدأ في التحرر من سلطة ناصحيه عليه.

وتحوم حاليا التوقعات حول مستشار الأمن القومي إتش آر مكماستر ليرحل بدوره عن إدارة ترامب، توقعات وصلت حد المراهنات الفعلية، ومن غير المستبعد أن ينضم إلى المغادرين أيضًا كبير الموظفين في البيت الأبيض جون كيلي أو حتى وزير الدفاع جيمس ماتيس.

لماذا أقيل تيلرسون؟

بعيدًا عما قيل بأن وزير الخارجية السابق نعت رئيسه بالأحمق، لم يكن تيلرسون شخصًا مستجيبًا لأفكار ترامب على طول الخط، وعلى الأخص في الملفين الإيراني والكوري الشمالي، وهو ما أوضحه الرئيس الأميركي بنفسه بعد إعلان رحيل تيلرسون وقدوم مايك بومبيو، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، بديلا مرتقبا له.

"تأقلمنا سويا بشكل جيد في الواقع لكن كانت لدينا خلافات، عندما تنظر مثلا إلى الاتفاق (النووي) الإيراني والذي أرى أنه سيئ للغاية وأعتقد أنه كان يراه صالحا. أردت أن أنهي الاتفاق أو أفعل شيئا حياله ورأيه كان مختلفا"

ترامب مجيبا الصحفيين حول سبب إقالته وزير الخارجية


بدوره تيلرسون لم يخفِ خلافه مع ترامب، ليصبح منطقيًا أن يجلب ترامب بديلًا تسبق ولاءه أيديولوجيته حسب من تابعوا مسيرته مذ كان عضوًا بمجلس النواب.

"نحن دوما على نفس الموجة وعلاقتنا جيدة وهذا ما أحتاجه في وزير الخارجية" كان هذا وصف ترامب لبومبيو بعد ساعات من إعلانه بديلًا لتيلرسون ف انتظار تصديق الكونجرس على هذا الترشيح حسبما تقتضي التشريعات الأميركية.

بومبيو قدم فروض الولاء لترامب في عدة مناسبات، ناهيك عن كونه مفضلًا للرئيس منذ تعيينه مديرا لوكالة الاستخبارات المركزية حيث يصر الرئيس الأميركي على أن يتلقى الإحاطة الاستخباراتية اليومية من بومبيو مباشرة حال تواجدهما سويا في واشنطن، وأبرز تلك المناسبات كان عندما تولى الإشراف بنفسه على الوحدة داخل وكالة الاستخبارات التي تبحث التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية التي جاءت برئيسه للبيت الأبيض.

المعلومات الأساسية عن بومبيو هي أنه خدم في الجيش الأميركي خمس سنوات أنهاها برتبة كابتن قبل أن يلتحق بجامعة هارفارد ليحصل على دكتوراة في القانون ثم يعمل محاميا قبل أن ينخرط في عالم السياسة.

تسأل عن توجهاته السياسية؟ لبومبيو تصريح في 2013 يقول فيه "عندما يلكمك شخص في أنفك لا يمكن أن تبتعد فقط عن طريقه. قد يلكمونك مرة أخرى"، وإذا كنت تعتقد أن هذا حديث عابر لا يوضح رؤيته السياسية دعني أقول لك إن هذا كان تبريره كعضو في المجلس النواب لرغبته في الحفاظ على تواجد عسكري أميركي ملحوظ في الشرق الأوسط.

هذه الرؤية تتفق مع وصف ترامب لنفسه كرجل "الضربة المضادة"، أو الشخص الذي يرد الصاع مئة إذا استطاع، على حد قول الرئيس الأميركي.


جون فيفر، مدير مشروع السياسة الخارجية بمعهد دراسات السياسات وصف بومبيو بأنه "صقر بالنسبة للصقور"، مشيرًا إلى أنه يدعم تغيير النظام في كوريا الشمالية ويميل إلى إنهاء الاتفاق النووي مع إيران وله مواقف متشددة تجاه الصين غير أنه على عكس رئيسه "يفضل الأسلوب الهادئ على حساب الخطابات الزاعقة".

إذا رحل "الممانع" وجاء "الموالي"، فمن يستفيد ومن يتضرر على الأخص في الشرق الأوسط؟

مثلث الأزمة الخليجية

إذا لم تكن ممن يثقون بتقارير هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) وبالأخص ما نسبته إلى مقربين من الإمارات بشأن الضغط من أجل الإطاحة بتيلرسون، فيكفي النظر إلى تصريحات المقربين من البيتين المالكين في الرياض وأبو ظبي عبر تويتر لتدرك على الأقل ابتهاج المحور السعودي الإماراتي بالتغيير الذي حدث مؤخرا في الإدارة الأميركية.


مع بداية الأزمة الخليجية أعلن ترامب انحيازه لقاطعي العلاقات مع قطر، إلا أن ردود الفعل الأولى التي خرجت من وزارتي الخارجية والدفاع حاولت عدل الكفة والتزام الحياد.

تيلرسون جاب الخليج مرتين في زيارات مكوكية للتوسط لحل الأزمة غير أن ذلك لم يثمر مخرجًا منها. والأقرب الآن أن ترامب، الذي عرض التوسط شخصيًا من قبل، يريد أن يتولى أمر هذه الأزمة بنفسه بأن يحاول جمع أطرافها على طاولة التفاوض.

لكن تغيير وزير الخارجية لن يؤدي بالضرورة لانحياز أميركي قاطع لأحد الطرفين، فلا تزال قطر، بوجود قاعدة العديد العسكرية الأميركية على أراضيها والتي في طور التحول لـمنشأة عمليات دائمة، حليفا استراتيجيا للولايات المتحدة وكذا خصومها في هذا النزاع الإقليمي.

مثلث "الممانعة"

بموجب الاتفاق النووي الذي جمع في 2015 بين إيران وست قوى عظمى من بينها الولايات المتحدة، وهو ما كان فخر إنجازات السياسة الخارجية في عهد باراك أوباما، تعفي واشنطن طهران من حزمة من العقوبات الاقتصادية في مقابل التزام الأخيرة بتعهداتها فيما يخص برنامجها النووي.

ترامب الذي لسنوات أبدى رفضه للاتفاق ورغبته في التخلص منه، بل وسحب إقراره التزام إيران به، مدد إعفاء طهران من تلك العقوبات في ثلاث مناسبات بنصائح/ضغوط من الثلاثي تيلرسون ومكماستر وماتيس، لتبقى واشنطن طرفا في الاتفاق.

قدوم بومبيو المعروف بمعارضته الشديدة للاتفاق النووي ووصفه إيران سابقا بأنها "أكبر داعم للإرهاب في العالم"، سيمد ترامب بحليف داخل إدارته يقربه من التخلص من الاتفاق النووي.

كل السياسيين الأميركيين، بلا استثناء تقريبا، صرحوا بضرورة رحيل بشار الأسد في أي مستقبل ينظر فيه لسوريا، الاختلاف يأتي في تعليل هذه الضرورة. بومبيو وصف الأسد بأنه "دمية في يد الإيرانيين" وأن بقاءه في السلطة لا يخدم المصالح الأميركية.

تشدد بومبيو ضد إيران، يروى أنه بعث برسالة شخصية ذات مرة لقاسم سليماني يحذره من استهداف الأميركيين في العراق، قد يعني دورا أكبر للولايات المتحدة في النزاع السوري، أو بشكل أدق، إصرارًا أشد على ضمان قطعة أكبر من تلك الكعكة.

وما ينسحب على إيران والأسد ينسحب كذلك على حزب الله الذي سبق لبومبيو أن وضعه في سلة واحدة مع القاعدة وويكليكس في معرض الحديث عن "التهديدات الفعلية" للولايات المتحدة التي لا تحظى بكثير من الضوء.

مصر

العلاقات الثنائية بين مصر والولايات المتحدة تاريخها يطول وإن ظلت لعقود متينة بصيغة الدولة العظمى والحليف الإقليمي، فإن ذلك كان يعتمد على اتفاق الطرفين على المصالح المشتركة بينهما.

هل تساعد مصر واشنطن في حماية مصالحها الإستراتيجية في الشرق الأوسط؟ في وقت سابق، بصفة عامة قبل تحولات 2011، الإجابة كانت نعم إلى حد كبير وبالمقابل كانت واشنطن تدعم احتياجات الدولة المصرية أو النظام الحاكم وقتئذ. تلك العلاقة النفعية، وأنا هنا استعير بعض أفكار أندرو ميلر نائب مدير مركز "مشروع الديموقراطية في الشرق الأوسط" للأبحاث والتي طرحها في جلسة إحاطة عقدت مؤخرا بمقر الكونجرس، لا تبدو أنها تصلح للوقت الراهن.

مواقف مصر المتباينة مع الولايات المتحدة في قضايا سوريا وكوريا الشمالية وكذلك التقارب المصري الروسي، يضيق من حجم اهتمام واشنطن بتقوية العلاقات مع القاهرة إلى إطار الرغبة في عدم وجود دولة منهارة أخرى في المنطقة، أو، ألا تنسكب مشكلات مصر الداخلية؛ خاصة الجماعات المتشددة المسلحة في سيناء، إلى خارجها.

وفي هذا الصدد يجدر ذكر أن مشرعين من الحزبين الديموقراطي والجمهوري يعملون في حاليا على طرح مشروع قانون يدين الأجواء التي تصاحب إقامة الانتخابات الرئاسية في مصر والمناخ الحقوقي بصفة عامة، في أعقاب حملة حشد لذلك نفذها ناشطون وعاملون بمنظمات حقوقية في الولايات المتحدة.

ميشيل دن، الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط لدى الخارجية الأميركية بين عامي 1986 و2003، بالإضافة لعملها في السفارة الأميركية بالقاهرة، قالت في جلسة الإحاطة ذاتها بالكونجرس إن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة أصبحت تمثل إشكالية ازدادت حدة في السنوات الأخيرة "بعد أن أصبح الجيش، وهو الشريك لسنوات طويلة للحكومة الأميركية في مصر، متحكمًا في كل شيء، متحكمًا في السياسة وله دور هائل في الاقتصاد ويشرف على الانتهاكات البشعة التي سمعنا عنها منذ قليل" مشيرة إلى شهادات لسجناء سياسيين مصريين سابقين كمحمد سلطان وآية حجازي.

دن تابعت قائلة إن علاقة الشراكة بين البلدين "كانت أكثر اتزانا في الماضي وتضمنت الكثير من دعم التنمية الاقتصادية وكانت مبنية على فكرة رعاية السلام الإقليمي والتنمية الاقتصادية إلى جانب الجزء الأمني لكنها تحولت وخصوصا في السنوات الأخيرة إلى شراكة أمنية أكثر من أي شيء ومبنية على فقط الحيلولة دون حدوث عدم استقرار كارثي في مصر، فيما هناك بالفعل تمرد عسكري إرهابي جاد في سيناء وليس محدودا كذلك بشبه الجزيرة".

"الإدارة الأميركية لا يمكنها بضغطة زر أن تجبر الرئيس السيسي أو أيا كان في مصر على فعل هذا أو ذاك، هذا ليس واقعيا" تقول دن قبل أن تتساءل "لكن ماذا عن أفعالنا نحن؟ كيف يمكن للولايات المتحدة أن تتعامل مع هذه العلاقة التي تجمعها بمصر؟ فيم تستخد أموال دافعي الضرائب في مصر ؟".

الخبيرة في شؤون الشرق الأوسط أشارت إلى حجب جزء من المساعدات الأميركية لمصر، العسكرية والاقتصادية، بناء على اشتراطات يفرضها الكونجرس بشأن المساعدات الخارجية متعلقة بالديموقراطية وحقوق الإنسان، وإلى أن هذا يحدث للمرة الأولى وأن على الإدارة الأميركية "أن ترسم خطًا فاصلًا بألا يتم إساءة استخدام صداقة الولايات المتحدة ودعمها باستهداف العاملين في منظمات المجتمع المدني.. أو بالتعاون مع أعداء المجتمع الدولي وليس الولايات المتحدة فقط مثل كوريا الشمالية".

سياسة بومبيو تجاه كوريا الشمالية، والتي تتضمن تكثيف العقوبات والضغوط الدولية، ستعني أن الولايات المتحدة ستسعى لغلق ملف العلاقة التي لا يبدو أنها انقطعت بين مصر وكوريا الشمالية كنقطة اهتمام رئيسية لواشنطن.

بالمقابل، تكفل العلاقة الشخصية الجيدة، الظاهرة، بين ترامب والرئيس عبد الفتاح السيسي استقرارا للعلاقات في الإطار المعلن لها مع استمرار ضغوطات خارج إدارة ترامب، قادمة من الكونجرس ومنظمات حقوقية، لتحسين حالة حقوق الإنسان في البلاد، ما قد يعني استمرار تجميد واقتطاع ما جمد واقتطع من المساعدات الاقتصادية والعسكرية في وقت سابق من العام المنصرم.

وفي هذا الصدد يجدر ذكر أن مشرعين من الحزبين الديموقراطي والجمهوري يعملون في حاليا على طرح مشروع قانون يدين الأجواء التي تصاحب إقامة الانتخابات الرئاسية في مصر والمناخ الحقوقي بصفة عامة، في أعقاب حملة حشد لذلك نفذها ناشطون وعاملون بمنظمات حقوقية في الولايات المتحدة.

ما قد يكون نقطة إيجابية للحكومة المصرية فيما يتعلق بتكليف بومبيو وزارة الخارجية، هو موقفه المعلن من جماعة الإخوان المسلمين.

بومبيو شارك في رفع مشروع قانون أمام الكونجرس يهدف إلى إعلان الإخوان المسلمين منظمة إرهابية أجنبية، واستعان مشروع القانون، الذي لم يمر، بحظر الحكومة المصرية للجماعة كأحد دوافعه إضافة إلى اقتباسات عديدة لأقوال مؤسسها حسن البنا وشروح لفلسفتها.

بعيدًا عما يعنيه قدوم بومبيو بديلًا لتيلرسون للشرق الأوسط، يترقب المعنيون بشؤون السياسة الخارجية الأميركية، ما سيفعله بالفراغ الذي أصاب الوزارة في عهد سلفه والذي رحل فيه عشرات كبار الموظفين والدبلوماسيين إما احتجاجا على هدم سنوات من العمل الدبلوماسي من خلال السياسات الصدامية في ظل حكم ترامب أو بسبب تردي العلاقات بين تيلرسون نفسه ومرؤوسيه.

الولايات المتحدة في الوقت الراهن لا تملك سفراء في كوريا الجنوبية والسعودية وألمانيا وأستراليا، وقريبا الإمارات، ناهيك عن أن ثمانية من الوظائف العشرة الأهم في الوزارة تبقى شاغرة.