عبد الغفور ونجله عبد الوهاب.

رسالة عبد الوهاب الأخيرة: الثورة لا تفيد

منذ عرضه الأول قبل 21 عامًا وحتى يومنا هذا، يحتل مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" مكانة خاصة لدى الجماهير.

رواية إحسان عبد القدوس التي صدرت عام 1982 وجدت من يحولها بنجاح لعمل درامي متكامل. كتب السيناريو والحوار مصطفى محرم. وأخرجه أحمد توفيق وظهر فيه نخبة من ممثلي تلك الفترة على رأسهم الراحل الكبير نور الشريف.

ومع انطلاق شهر رمضان الحالي، ووسط هذا العدد الكبير من المسلسلات وجدتني مجذوبًا نحو عبد الغفور البرعي وفاطمة كشري وإبراهيم سردينة وغيرهم من أبطال المسلسل؛ لكن هذه المرة بدت لي جوانب لم انتبه لها في المسلسل من قبل رغم مشاهدتي له أكثر من مرة.

رضخ عبد الوهاب لأبيه بعد حوار مطوّل تصارحا فيه. خمدت ثورة الشاب. ذهب إلى أبيه في الوكالة وسأله: "ألاقي شغل عندكم لواحد زيي يا حج؟

صراع أجيال

من الصفر بدأ عبد الغفور البرعي حياته في سوق الخردة بوكالة البلح. هكذا يخبرنا المسلسل عن قصة صعود هذا الرجل الفقير. اجتهاده دفع المعلم إبراهيم سردينة للثقة في قدراته ومنحه صلاحيات في العمل. تجاوز العديد من المحن والمكائد التي دبرها له أحد العاملين مع سردينة ويدعى مرسي.

انفصل عبد الغفور عن المعلم سردينة وباتت له تجارته الخاصة. توسعت أنشطته وأصبح أحد أهم تجار الخردة في مصر لكنّ حياته الاجتماعية لم تكن مستقرة. فبعدما رزق بأربع بنات وولد واحد، سبّب له هذا الأخير أزمات عديدة، فرفض العيش في كنف والده، وتمرد بصور مختلفة.

هذه القصة معروفة. رحلة نجاح درامية. وأزمة عائلية حادة تجاوزها في النهاية. هذا عبد الغفور البرعي الذي كنت أراه دائمًا.

لكنني الآن، أنظرُ إلى الطريقة التي تعامل بها مع عبد الوهاب ابنه المتمرد. وأقارن بينها وبين الطريقة التي تعامل بها كثير من آبائنا مع جيلنا خاصة في السنوات الأخيرة عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011.

"الواد عبد الوهاب ابنى مش عارف طالع خايب كده".. هكذا رأى عبد الغفور ابنه. وهكذا أيضًا كان ينظرون إلينا"شباب خايب بيدمر البلد" و"عيال تافهة بلا قيمة".

في هذه الجملة يمكن أن نتلمس جانبًا من الصراع بين جيلين. نتلمس كيف ينظر إلينا أبناء الجيل الأكبر كشباب خائبين دون أن يدركوا طبيعة المرحلة العمرية التي نعيشها. وبدلاً من الاحتواء والتوجيه والتقارب يحدث الصدام ويتكرر.

بين السطور يدفعنا المسلسل للارتباك. هل كان صدام عبد الغفور مع ابنه دافعه رغبة الأب في تقويم حياة نجله أم أنها تلك النزعة الاستبدادية الأبوية التي تسعى لفرض نمط حياة على جميع أفراد العائلة وفي مقدمتهم هذا الشاب المشاغب؟

الآن. تتضاءل عندي مساحة الإعجاب بعبد الغفور. لم تختفِ بالتأكيد. فالكفاح وبذل الجهد لسنوات طويلة يستحق التقدير لكن هل هذا مبرر للاستبداد الأسري؟ وهل كان عبد الغفور على صواب حين ظنّ أن الأموال التي جمعها ستجعل ابنه يعيش في جلبابه طوال الوقت دون أن يمنحه القدر الكافي من الحنان في سنوات طفولته الأولى، ودون أن يتفهم رغباته في مرحلة الشباب؟


محاولة فاشلة للتمرد

تخبّط عبد الوهاب كثيرًا. كان يفر من جلباب أبيه لكنّه لم يكن يعلم أنه لا يفر منه إلا إليه. فشل في دراسته. حاول أن يكون الدين بوابته لإثبات ذاته.

الأم فاطمة كشري كانت تلعب دورًا كبيرًا في إقناع عبد الوهاب بضرورة العيش في كنف والده. كلما دار بينها وبينه حوار شددت عليه قائلة "اسمع ياواد انت. إياك اسمع منك الكلام ده تانى طلعت ولا نزلت أنت ابن عبدالغفور البرعى. أنت فاهم ولا لا" يمكن أيضًا أن نذكر أمثلة كثيرة لمثل هذه النصائح وجهت للشباب في السنوات الماضية سواءً في محيطهم الاجتماعي الضيق أو من المسؤولين عن البلاد.

في محاولة التمرد تزوج عبد الوهاب من أجنبية ثم طلّقها. فقد مع الوقت ثقته في نفسه حتى قال لأبيه "أنا مش ممكن أقدر أعمل قد اللي انت عملته".

في النهاية نجح عبد الغفور في احتواء ثورة عبد الوهاب وتمرده. بثُ فيه الثقة ليجتذبه إلى عالمه. وقال له: "كنت فاكر أن اللي أنا عملته ده مش حيبقى حاجة جنب اللي أنت هتقدر تعمله". وقال أيضًا: "الدنيا متديش غير اللي بيقدر ياخد وعاوز ياخد. وأنا متأكد إنك تقدر بس ناقص تورّي الدنيا إنك عاوز. يلا أنوي. ابتدي وقول بسم الله".

ونجح أكثر في احتواء ثورته: "جرب تبقي معايا.. مش هتخسر حاجة، لو معحبكش الشغل سيبه". وواصل بحديث عاطفي: "أيه. سكت ليه. مش عايز تشتغل مع أبوك".

رضخ عبد الوهاب لأبيه بعد حوار مطوّل تصارحا فيه. خمدت ثورة الشاب. ذهب إلى أبيه في الوكالة وسأله: "ألاقي شغل عندكم لواحد زيي يا حج؟