الرئيس عبد الفتاح السيسي

"25 يناير" في خطابات السيسي: مجد وإحباط ووعي زائف

خلال ما يزيد على ثلاث سنوات تلت إنهاء حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، وتصدر فيها الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي واجهة النظام السياسي في مصر؛ مر بالبلاد أربعة أعياد لثورة 25 يناير، كان السيسي هو الرئيس في ثلاثة منها.

وخلال تلك المناسبات تذبذبت مواقف الرئيس المعلنة من الثورة بشكل يربك متابعيه، فهو مع حرصه على ذكر الثورة في كل احتفالية، حتى تلك التي تقام وسط رجال الشرطة - الذين كان انخراطهم في التعذيب سببًا رئيسًا في انطلاق الثورة- إلا أن رؤية الرئيس للثورة تختلف من تصريحات لأخرى، وكان آخرها ما قاله عنها خلال مؤتمر الشباب بمحافظة الإسماعيلية، يوم 26 أبريل/ نيسان 2017، باعتبارها "تزييف للوعي".

"دايمًا كل اللي بيتعمل الهدف منه إنه يحصل انقسام ويحصل اختلاف، وأنا كنت لسه بتكلم قبل ما ندخل على القاعة هنا، بقولهم الإجراءات اللي اتعملت والجهود اللي اتعملت للإيقاع بين الشرطة والجيش في 2011، وبين الجيش وبين الشعب في 2011، وبين الشرطة والشعب في 2011. الهدف من ده دايمًا اللي عايز يقضي على دولة مش ممكن هيقدر يقضي عليها أبدًا، إلا إذا كان يقسّمها، ويخلي أهلها ومؤسساتها تصطدم مع بعضها البعض".

الرئيس عبد الفتاح السيسي، 24 يناير/ كانون ثان 2017، في خطاب بمناسبة الاحتفال بعيد الشرطة.


لم يشهد عام 2011، الذي تكرر ذكره على لسان الرئيس في الجملة السابقة أي حدث عام يتعلق بالدولة ومؤسساتها، أبرز وأضخم من ثورة 25 يناير. أما الثالوث المذكور "الجيش، والشرطة، والشعب"، فكان الرابط الأساسي بينهم في 2011 هو المواجهات والاشتباكات في الميادين، التي كانت محصلتها سقوط مئات الضحايا من المدنيين.

أما محاولات "الإيقاع"، التي اختار السيسي لذكرها عيد الشرطة، عشية الذكرى السادسة للثورة، فأنذرت بتغير- ولو طفيف- في الموقف المعلن من الرئيس تجاه الثورة.

لكن؛ لم تمضِ 24 ساعة على خطاب عيد الشرطة، حتى خرج السيسي بآخر تحدث فيه عن ثورة 25 يناير، باعتبارها "نقطة تحول في تاريخ مصر"، ما يُثير التساؤلات حول حقيقة موقفه منها. فمنذ تعيينه وزيرًا للدفاع في أغسطس/آب 2012 وحتى اليوم، تنقلت 25 يناير بين خانات متعددة في خطابات وأحاديث السيسي.

قرينة أمجاد الماضي

كان السيسي، القائد العام للقوات المسلحة، يشهد عرضًا تدريبيًا للجيش الثالث الميداني، في ذكرى انتصار حرب أكتوبر/ تشرين أول 1973، جرى تنظيمه بعد شهرين فقط من تعيينه وزيرًا للدفاع خلفًا للمشير محمد حسين طنطاوي.

حينها خاطب وزير الدفاع الجديد، جنوده بالثناء على مجهودات أفراد الجيش بقوله: "القوات المسلحة كلها، قامت بدور عظيم ومشرف جدًا تجاه بلدنا مصر، وتجاه الشعب المصري اللي احنا جزء منه"، وقتها لم يكن عمر الثورة قد ناهز العامين.


وحين أقصى السيسي الرئيس الأسبق محمد مرسي عن الحكم، ذهب الرجل العسكري في تمجيد الثورة إلى أبعد من ذلك، إذ قرن 25 يناير و30 يونيو بانتصار أكتوبر، خلال الاحتفال بذكراه عام 2013، بقوله إنهما "يعدّان العبور الثاني للحرية والديمقراطية"، وذلك في كلمة ألقاها نيابة عنه اللواء أركان حرب سعيد عباس، قائد المنطقة الشمالية العسكرية بالإسكندرية، في ندوة علمية عسكرية بمكتبة الإسكندرية.

لم يكتف السيسي، في تلك الآونة-بين عامي 2012 و2014- أي الفترة التي تدرج فيها من فريق إلى مشير إلى رئيس للجمهورية، بخلق علاقة بين 25 يناير ونصر أكتوبر العسكري، بل ذهب بها إلى تاريخ تعتز به القوات المسلحة وهو حركة 23 يوليو 1952، التي أطاحت بالنظام الملكي المصري، إذ قال في ذكراها الثانية والستين، عام 2014، إن لها امتدادًا، هو 25 يناير و30 يونيو.

توأمة 25/30

أخطأت يناير؛ فصوّبت يونيو.. بهذا المنطق خرجت أحاديث للرئيس عن ثورة 25 يناير، خاصة إذا ما ذُكرت في إطار واحد مع 30 يونيو، وهو ما تكرر في عدد غير قليل من خطاباته.

آخر خطابات التوأمة أدلى بها الرئيس أمس الأربعاء، بمناسبة الذكرى السادسة للثورة، وفيه وصف 25 يناير بأنها "عبرّت عن رغبة المصريين في التغيير، وكانت الآمال كبيرة في بدايتها"، إلا أنه تحدث عن "شعور بالإحباط غير مسبوق، عندما انحرفت الثورة عن مسارها، واستولت عليها المصالح الضيقة والأغراض غير الوطنية"، وهو ما أتبعه بحديث عما كان من "ثورة الشعب من جديد في يونيو 2013، لتصحح المسار".

دأب الرئيس عبد الفتاح السيسي، على تركيز حديثه عن يناير باعتبار أن هدفها هو "الرغبة في التغيير"، قالها نصًا في خطاب سبق الذكرى الثالثة للثورة في 2014- وقت كان وزيرًا للدفاع- خلال ندوة تثقيفية نظمتها الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة، بمناسبة المولد النبوي.

وتكرر حديث التغيير من جديد، حين أصبح السيسي رئيسًا، في خطابي ذكرى الثورة الرابعة والخامسة، ففي الأول الذي كان عام 2015، والذي لم يتحدث فيه الرئيس عن الثورة، إلا بعد تقديم التعازي في عاهل السعودية الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، وتهنئة خلفه سلمان، قال إن 25 يناير "ثورة للتغيير" تمامًا مثل 30 يونيو.


خطاب الذكرى الخامسة، استمر فيه إصرار الرئيس على الربط بين 25 يناير وتظاهرات 30 يونيو. فعلى الرغم من وصفه لما كان عام 2011، بأنه تضحية من الشباب "لأجل دفع دماء جديدة في شرايين مصر"، إلا أنه أشار إلى "انحراف" لمسار الثورة عن الذي أراده لها الشعب، برأ منه "أبنائها الأوفياء" واتهم بارتكابه "من حاولوا أن ينسبوها لأنفسهم عنوة"، في إشارة لجماعة الإخوان المسلمين، متبعًا ذلك بقوله إن الشعب "صوب المسار، وصحح المسيرة بثورة 30 يونيو".

منذ اعتلائه كرسي الرئاسة، تحدث الرئيس عن الثورة، بأوصاف وتعبيرات مختلفة، بدءًا من "ثورة مجيدة" التي تضمنها أول خطاب له بعد إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية، في 3 يونيو/ حزيران 2014، ثم الحديث عن "انحرافها" العام الماضي، انتهاءً بالحديث هذا العام عما خلقته من "إحباط"، ودائمًا كانت 30 يونيو حاضرة في ذهنه وحديثه "لتصويب الانحراف، والتعافي من الإحباط".


وبدت هذه التوأمة كمحاولة لخطب ود فريقي يناير ويونيو على حد سواء والتقريب بينهما، وقد تكون مجرد محاولة لتوظيف يناير، بما لها من سمعة دولية كانتفاضة شعبية، في إضفاء شرعية على تحرك 30 يونيو، الذي لاقى رفضًا دوليًا في بدايته حد وصفه بـ"انقلاب عسكري".

الثورة المجيدة

خلال ترشحه للرئاسة، وفي حوار مع "سكاي نيوز عربية" أجاب السيسي بهدوء عن سؤال عما تمثله له ثورة 25 يناير، وقال إنها "انطلاقة لتغيير حقيقي قادم ستشهده مصر".

لكن ردّه لم يتسم بالهدوء نفسه، خلال لقائه مع الإعلاميين لميس الحديدي وإبراهيم عيسى، في مايو/ أيار 2014، إذ كان جوابه يحمل أسئلة استنكارية لمن يهاجمون يناير ورموزها، كما بدت صراحة رغبة المشير في التقريب بين يناير ويونيو، بالعلاقة نفسها "الانحراف وتصويب المسار".

وقتها قال السيسي ردًا على الإعلاميين الاثنين "إحنا بنعيش حالة شك في كل حاجة كويسة، وده مش كويس. يعني هي ماكنش ينفع أبدًا تبقى 25 وجنبها 30؟ مش دي كانت إرادة تغيير من المصريين، وصوبت في 30؟".


وفي لقاء مع شباب الإعلاميين، في ديسمبر/ كانون أول 2014، وصف السيسي يناير بأنها "ثورة بيضاء"، كاشفًا عن مشروع طرحته الرئاسة، لتجريم من يُسيء لـ25 يناير أو 30 يونيو.

وبعيدًا عن التصريحات المعلنة للرئيس عن موقفه من 25 يناير، انتشر قبل ثلاثة أعوام تسجيل مُسَرب نُسب للسيسي، بدا فيه موقفه من الثورة قريبًا مما قاله في خطابه أول أمس الثلاثاء في ذكرى الاحتفال بعيد الشرطة حين تحدث عن "محاولات الوقيعة".

وورد في التسريب المنسوب للسيسي حديثُا سلبيًا عن بعض تداعيات الثورة على البلاد: "الناس تقولك الدولة المصرية فين؟ الدولة المصرية لن تسقط، لن تسقط، لن تسقط. لكن كانت مؤسساتها راحت، مؤسسة الرئاسة نزعت نزعا، دستور راح، برلمان شوري وشعب راح، الداخلية تلقت ضربة شديدة كادت أن تروح، القضاء ابتدي يُشكك فيه. كان فاضل إيه، فاضل إيه تاني؟"

"تزييف الوعي"

وكان هذا الوصف هو أحدث ما أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي، على ثورة 25 يناير، خلال إحدى جلسات اللقاء الدوري الثالث لمؤتمر الشباب المنعقد في الاسماعيلية بتاريخ 26 أبريل/ نيسان 2017. وذلك خلال حديثه عن احتجاجات عام 2011 ضد حسني مبارك.

وقال الرئيس، في معرض حديثه عما اتخذه النظام من إجراءات اقتصادية: "الناس كانت بتتحسب من اللي انتوا فيه دلوقتي، وتخوفت منه على مدى أكتر من خمسين سنة، إنها تاخد إجراءات لبناء دولة حقيقية تقف على رجلها وتبص لمستقبلها. خافوا من رد الفعل اللي موجود عندنا دا، وعشان كدا ماعملوش الإصلاحات. وفضلت الأمور تتراكم، وتتراكم، ولما الناس اتحركت في 2011 كان جزء من التوصيف مش حقيقي... والتوصيف لمشكلة مصر خلال الـ30 سنة إللي فاتوا ماكانش حقيقي.. كان خداع.. كان وعي زايف ليكم".