خلال مؤتمر الحزب اليوم. الصورة: رحاب عليوة- المنصة

عودة مؤتمرات المعارضة: نفحة حوار قابل للإجهاض

على بعد أمتار من مقر الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي في شارع محمد محمود، وسط القاهرة، وقفت سيارة شرطة يستقلها ضابطان، على أحد جانبي الطريق في هدوء، دون أثر لاستعدادات خاصة، أو انتشار أكبر للأمن، الذي لا يبارح ميدان التحرير ضمن مشهد تقليدي. لا نعلم إذا ما كان الضابطان اللذان جلسا في سيارتهما قبيل الظهيرة على علمٍ بمؤتمر الحزب المعارِض الذي عقد بالتزامن مع تأمينهما للشارع، والذي يعد الأول بعد عامين ونصف العام من انقطاع أي صوت علني للمعارضة يُبث مباشرة لوسائل الإعلام، في هيئة مؤتمر.

وبحسب مصادر في الحزب، فإنهم لم يبلغوا وزارة الداخلية بعقدهم المؤتمر. تقول مسؤولة لجنة الإعلام منى الشماخ للمنصة "لم نفكر في ذلك أو نتداوله من الأساس، نحن نقوم بنشاط داخل مقر الحزب، كما أننا نلاحظ انفتاح في الأجواء السياسية شجعنا على إطلاق المؤتمر".

وذلك الانفتاح هو دعوة أطلقها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال إفطار الأسرة المصرية في26 أبريل/ نيسان الماضي، مشيرًا إلى أنهم أرجأوا الإصلاح السياسي بعد الإصلاح الاقتصادي. وبمجرد أن أطلق الرئيس دعوته، تلقفتها وسائل الإعلام، أو تلقت تعليمات حولها، المهم أن النتجة كانت إفساح مساحة أكبر لأصوات المعارضة، حدّ تكدُّس وسائل الإعلام المحسوبة على الدولة وغيرها، داخل قاعة مساحتها نحو 35 مترًا، لتغطية رؤية الحزب المعارِض للحوار الوطني.

المشهد في تلك القاعة يختلف تمامًا عن آخر مرة خرجت المعارضة في مؤتمر صحفي لإعلان موقفها. كان ذلك في ديسمبر/ كانون الأول العام 2019، والذي لم تنقل فاعلياته أو تورد خبر عنه سوى المواقع المستقلة والمعارضة، أما الإعلام المحلي، فتجاهله تمامًا، على الرغم من أن موضوعه لم يختلف كثيرًا عن الحوار الوطني أو الإصلاح السياسي، إذ أعلنت المعارضة خلاله عن 15 توصية للإصلاح السياسي والاقتصادي موجهة للنظام. وآنذاك لم يكن مطلوبًا من المعارضة ممارسة أي دور، لم يؤخذ بنصائحها، بل ولم نشهد مؤتمرًا مماثلًا من حينها.

وقبل ذلك المؤتمر، لم تكن الأوضاع السياسية في فسحة، إذ تشهد مصر منذ العام 2014 حالة من الانغلاق السياسي، والتضييق على المعارضين، وقتها كان القانون الخاص بتنظيم الحق في التظاهر والاجتماعات صدر في نوفمبر/ نشرين الثاني 2013، بانعكاساته التي فرغت حق الاعتراض من مضمونه، مرورًا بالتضييق على الممارسات، حتى أن الحركة الوطنية تعرضت للضرب من قبل بلطجية خلال حفل إفطارها في يونيو/ حزيران 2018، وحملت قيادات الحركة السلطة المسؤولية عنه، فضلًا عن توقيف المئات في قضايا رأي، من بينهم قيادات في الحركة نفسها، مثل خالد داود الذي قضى 19 شهرًا، ويحيى حسين عبد الهادي المتحدث باسم الحركة، والذي خرج بعفو رئاسي بعد إطلاق الدعوة للحوار.

تعجز الشمّاخ عن تذكر آخر مؤتمر خاص بالشأن العام أطلقه الحزب، في مؤشر على انغلاق الأجواء سابقًا، لكنها تشير إلى أنه كان ضمن الحركة المدنية الديمقراطية وليس للحزب منفردًا، فيما تفسر رغبتهم في إطلاق المؤتمر أمس تحت مظلتهم لا مظلة الحركة "من حق كل حزب أن يعبر عن نفسه، وتفاصيل رؤيته، وذلك لا يعني أن الرؤية ليست واحدة، بل نتفق مع الحركة في رؤيتها، ونوزع خلال المؤتمر بجانب رؤية الحزب المفصلة للحوار والإصلاح السياسي، بيان 8 مايو الذي أطلقته الحركة وحددت به آلية الحوار".

في المقابل تتذكر الشماخ آخر مؤتمر خاص بشأن داخلي أعلن عنه الحزب في رمضان الماضي، لإعلان شيء ما في نتائج الانتخابات الداخلية، لكن تم تجاهله من قبل الإعلام "كان الحضور متواضعًا للغاية مش زي العدد النهاردة" بحسب الشماخ.

ويبدو أن الحضور الإعلامي الكثيف فاجئ القائمين على الدعوة أنفسهم، فأثنت عليه النائبة البرلمانية عن الحزب مها عبد الناصر التي رأت في الحضور الإعلامي الكبير لتغطية المؤتمر مؤشر إيجابي على جدية الحوار الوطني، وكذلك "ظهورنا في التليفزيون على نحو أكبر الآن" بحسب تصريحها للمنصة قبل بدء المؤتمر.

فيما دعا المنظمون لتوجيه دعوة للإعلام، بعدم تجاهلهم مستقبلًا "ونرجع نقول البلد مفهاش معارضة أو معندكمش بدائل"، بحسب ما قاله رئيس الحزب فريد زهران، في معرض لومه على الإعلام.

ماذا لو اقتحم الأمن المؤتمر؟

بدأ مؤتمر الحزب وانتهى دون مضايقات، لكن ذلك لم يمنع أن يرد رئيس الحزب على سؤال أحد الصحفيين حول منطقية تحديد المعارضة لشروط قبل البدء في الحوار، في حين أن السلطة هي من دعت له بنفسها قائلًا "فلنفترض أننا، ونحن جالسون نتحدث الآن، اقتحمت قوى أمنية المؤتمر، وألقت القبض علينا جميعًا، أليس ذلك ممكنًا؟".

وبينما كانت أصوات الصحفيين الممتعضين من الطرح تتعالى بأنه غير ممكن، أكمل زهران فكرته "فلنفترض أنني وأنا جالس في الحوار الوطني، بينما زميلي في الحزب أحد الوكلاء المؤسسين زياد العليمي، في الزنزانة، قلت حديثًا لم يعجب البعض، فأُلقيَ بي معه، لذا نحن نطالب بضمانات لجدية الحوار، والخروج بمخرجات محددة، وإصلاح سياسي".

خلال مؤتمر الحزب- تصوير: رحاب عليوة. 

وتابع لابد أن تتوفر أجواء مواتية من الطرفين، غدًا إذا دعا حزبي إلى مظاهرة أمام مقره، وهتفنا "يسقط يسقط حكم السيسي" لن تخوض السلطة في الحوار، وهذا طبيعي، وبالتالي فمن غير الطبيعي أن نجلس في حوار دون أن تتوفر الأجواء لذلك من الطرفين، ولن نكون من يوافق على أي طرح على طول الخط.

ولم يقف الحوار حول منطقية اشتراط المعارضة تنفيذ أشياء بعينها بين زهران والصحفي، إذ رد أمين الحزب في بني سويف، "ما المشكلة أن تحدد المعارضة شروطًا للحوار". ووجه حديثه للصحفي إذا دعوتني على الغداء في الساعة الثانية وكان غير مناسب لي، من حقي أن أقول لك فلنجعلها الثالثة، فرد الصحفي ضاحكًا: لكن هل ستحدد لي ماذا أعدُّ لك على الغداء؟

فيما حاولت النائبة البرلمانية مها عبد الناصر، التخفيف من حدة الأجواء قائلة: ما نطرحه ليس شروطًا بالمعنى السلبي، ولكن رؤيتنا لتهيئة الأجواء للحوار حتى يصبح بناء، فممكن أن نجلس على الطاولة لآخر اليوم دون أن نخرج بشيء. وشددت: لكن نحن نرّحب بالحوار.

واقعية لا تفاؤل

على نفس وقع الصراحة والواقعية، جرت معظم فاعليات المؤتمر، غير أن قيادات الحزب وخصوصًا رئيسه، بدوا غير مفرطين في التفاؤل، بل على العكس تمامًا.

قال زهران خلال المؤتمر: لن أتحدث عن تفاؤل أو تشاؤم وإن كنت سأتحدث عن المتوقع من الحوار، كي يبدأ الحوار، ويستمر، وينتهي إلى مخرجات جيدة. تلقينا عدة رسائل إيجابية سبقت الإعلان عن الحوار رسميًا خلال إفطار الأسرة المصرية بالإفراج عن 40 معتقلًا، ثم الإفراج عن عدد آخر بعده، لكن ذلك لم يمنع ظهور رسائل سلبية قد تؤدي إلى "إجهاض الحوار قبل أن يبدأ".

ويقصد زهران بتلك المؤشرات السلبية إعلان اسمي المنسق العام ورئيس الأمانة الفنية، وهما ضياء رشوان ومحمود فوزي، فيما يتم تجاهل ما طرحته المعارضة من أسماء، أو آلية للحوار طالبت بها، وعلَّق "أرجو أن يتم تدارك تلك الرسائل السلبية وتغييرها".

وكان رئيس حزب الكرامة أحمد الطنطاوي قال في حوار مع المنصة، إن المعارضة حصلت على موافقة شفاهية من القائمين على السلطة على اسم الدكتور محمد غنيم كمنسق عام للحوار الوطني، وكذلك الآلية التي اقترحوها بأن يضم الحوار 5 ممثلين عن المعارضة، و5 عن النظام، قبل أن يتم إعلان اسم المنسق العام رشوان.

سألنا زهران إذا كان حزبه متمسك بالشكل الذي أعلنت عنه الحركة شرطًا للمشاركة في الحوار، فأكد على أنهم متمسكون به، وأنهم لن يقبلوا بحوار يبدأ وينتهي بلا شيء. كما سألناه عن اسم الدكتور محمد غنيم، وتجاهله مؤخرًا من القائمين على الحوار فقال: ما قصدناه بطرح اسم الدكتور غنيم هو المبدأ، أن يمثل المعارضة شخص بقامته ومواقفه المعروفة، فهو لا خلاف عليه، ومن ثم فنقبل به أو غيره شريطة توافر نفس المقومات فيه، وننتظر من السلطة في المقابل أن تطرح اسم يمثلها لا غبار عليه.

احذروا الإجهاض

التخوف من إجهاض الحوار ورد أكثر من مرة على لسان زهران، في مؤشر على عدم تفاؤله، "السؤال الذي يجب الإجابة عنه، لماذا دعا النظام إلى الحوار الآن؟" موضحًا أن الدعوة تأتي من "الأزمة"، أي أننا في ظل أزمة سواء اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، وإن كانت الاقتصادية الأكثر وضوحًا، مشيرًا إلى أن إنكار وجود الأزمة، وهو توجه موجود، لا يمكن أن ينتهي بحلها.

وأضاف أن الأمر الثاني الذي يجب الاعتراف به هو وجود حالة من الاحتقان، تختلف حدتها أو طبيعتها أو أمكانية أن تنتهي بتحرك شعبي أو لا، لكن لابد من الاعتراف بوجود حالة من الاحتقان في الشارع، قائمة بالأساس على الأزمة الاقتصادية. وتابع أن عدم الاعتراف بوجود الأزمة والاحتقان يذكرني بما كان يحدث في العام 2010.

وأخيرًا حذر زهران من الحديث السائد بأنه لا يوجد "نحن" و"أنتم"، في إشارة إلى السلطة والمعارضة، قائلًا إن هذا غير صحيح: يوجد "أحنا" في إشارة إلى المعارضة، و"همّا" في إشارة إلى السلطة، مشيرًا إلى أن إدعاء أنه لا توجد خلافات أو تخوين أصحاب الرأي المخالف يضر بالدولة، وليس في صالحها.

وعلى ذكر "نحن" و"هم"، سألنا زهران عما سبق وانتقد به الرئيس المعارضة عن أنها تعارِض دون دراسة أو اعتراف بالمجهود الذي تم، أو تقديم بدائل. وردّ زهران قائلًا "سأذكر مفارقة واحدة أراها كافية، لقد كان الحزب وهيئته البرلمانية من أشد المعارضين لتمديد حالة الطوارئ، وكل مرة نُهاجم من الإعلام والموالين، على اعتبارنا غير وطنيين، ولا ندرك المرحلة الحساسة التي تمر بها الدولة وإلى آخره، حتى آخر مرة قبل إلغائها بأيام، وبمجرد أن أعلن الرئيس الموقف، وطبق ما كنا ندعو إليه، أنقلبت الآية، وأخذ الكل يمدح القرار، ويردد ما كنا نقوله من قبل".

وتابع زهران: أنا مع ذلك المبدأ الذي قاله الرئيس، من يعارض فليقدم بدائل، ولا يعارض معارضة غوغائية، ونحن لدينا بدائل في كافة الملفات، ومواقفنا معروفة. وتلقف رئيس الهيئة البرلمانية للحزب إيهاب منصور الكلمة مشددًا على أنهم لديهم بدائل في كافة الملفات الخاصة بالصحة والتعليم وغيرهم، وعادة ما يعارضون نهج الحكومة، ويقدمون طلبات الإحاطة ويستخدمون الوسائل المتاحة، لكن يتم تجاهلهم، ثم يعودون لتنفيذ ما سبق واقترحوه بعد سنوات وبتكلفة أكبر.

اقرأ أيضًا|مع أحمد الطنطاوي: عن الحوار الوطني وأثر يناير ووعود الرئيس

أحمد الطنطاوي. تصوير: إيناس مرزوق.

بعد نحو الساعة من عرض رؤية الحزب المعارض، والتأكيد على أنه لن يقبل سوى بحوار جاد أو لا، انتهى المؤتمر فيما ينتظر الحزب عمل آخر خاص بمناقشة قانون الأحوال الشخصية في المقر نفسه، لكن دون أن يلقى نفس الزخم والاهتمام المرتبط بدعوة الرئيس للحوار من حيث نقل فاعلياته أو تداول أخباره، فطالما أراد الرئيس الحوار، فهو محل تقدير ورعاية واهتمام، ونقل إعلامي ولو كان لمؤتمر معارض في شارع محمد محمود.