منظفات داخل متجر. الصورة: رافي شاكر- بإذن للمنصة

ما فعلته الخصخصة بمسحوق الغسيل: رحلة البحث عن "الصودا آش" بعد بيعه

مع تزايد أزمة ضعف التدفقات الدولارية لمصر، اتجهت الحكومة مؤخرًا لوضع قائمة بالمنتجات التي تستهدف تعزيز إنتاجها محليًا بدلًا من الاستيراد، واحدة من الخامات المدرجة هي "الصودا آش"، والتي تدخل كمكوّن أساسي في طيف واسع من منتجات الزجاج والمنظفات.

المفارقة أنه قبل نحو 14 عامًا من وضع هذه القائمة، كان لدينا بالفعل مصنع حكومي ينتج هذه المادة، وهو شركة الإسكندرية لكربونات الصوديوم، ولكن اتجاه الدولة لخصخصة المصنع ساهم في توقف إنتاج هذا الخام، ولأنه كان المصنع الوحيد من نوعه في مصر، فقد تسببت أزمة العملة الصعبة في أن نعاني بشدة من أجل إنتاج "مسحوق الغسيل".

هنا نسرد قصة نهاية صناعة "الصودا آش" في مصر بسبب الخصخصة، وكيف ساهم ذلك في مفاقمة معاناة منتجي الزجاج والمنظفات في الوقت الراهن.

قصة خصخصة الشركة

قبل عام 2001، كانت الصودا آش ضمن قائمة المنتجات التي تصنعها شركة مصر لصناعة الكيماويات التابعة للشركة القابضة للصناعات الكيماوية، حيث يعود تاريخ تشغيل خط إنتاج الصودا آش إلى عام 1973، وأعيد تأهيله مرتين، الأولى عام 1995 والثانية في 2005.

وبموجب قرار وزارة قطاع الأعمال العام في 2001، فُصل مصنع كربونات الصوديوم عن شركة مصر لصناعة الكيماويات، ليصبح شركة مستقلة تابعة للقابضة للصناعات الكيماوية.

وفي سبتمبر/ أيلول من عام 2008، وافقت الشركة القابضة للصناعات الكيماوية على بيع شركة الإسكندرية لكربونات الصوديوم إلى شركة سولفاي البلجيكية، ضمن برنامج الخصخصة بقيمة 760 مليون جنيه، ليُعدّل الإسم لاحقًا إلى شركة سولفاي الإسكندرية لكربونات الصوديوم.

بيع شركة الإسكندربة لكربونات الصوديوم جاء رغم تحقيقها إيرادات في العام المالي السابق على دراسة عملية البيع 2006- 2007 بقيمة 133 مليون جنيه وتحقيق صافي ربح مبدئي 12.6 مليون جنيه.

تزامنت عملية خصخصة الشركة مع اتجاه فوائض البلاد من الغاز الطبيعي للتراجع، وهو ما قاد لاحقًا في 2014 إلى زيادة سعر الغاز للصناعات كثيفة الاستهلاك، ولأن الصودا آش واحدة من هذه الصناعات، رأى المستثمرون البلجيك أنها لم تعد مجدية ويجب التوقف عن إنتاجها في مصر.

الشركة البلجيكية قالت في بيان صادر عن إدارتها في بروكسل عام 2016 "باتت ربحية مصنع كربونات الصوديوم تتراجع منذ عام 2014، منذ أن زاد سعر الغاز بمقدار 2.5 مرة، بما تغلب على جهود سولفاي المستمرة لتحسين أداء الإنتاج من خلال خفض استهلاك الطاقة وزيادة الكفاءة التشغيلية".

بعد عامين عادت الشركة مجددًا إلى الدولة، حيث استحوذت شركات سيدى كرير للبتروكيماويات، والشركة القابضة للبتروكيماويات، والشركة المصرية للإيثيلين ومشتقاته، على 100% من أسهم شركة سولفاي الإسكندرية لكربونات الصوديوم، كما اتجهت أزمة الغاز للتحسن تدريجيًا مع اكتشاف شركة إيني الإيطالية لاحتياطات ضخمة في حقل ظهر، ما دفع الدولة مجددًا لخفض سعره للصناعات كثيفة الاستهلاك، لكن كل هذه التطورات لم تُعد صناعة "الصودا آش" للحياة مجددًا في شركة "الإسكندرية".

الوضع الحالي للشركة

بعد أن استحوذت الشركات الثلاث على شركة سولفاي الإسكندرية لكربونات الصوديوم، تغيّر اسمها إلى شركة الخدمات اللوجستية للبتروكيماويات PLS، وكما يتضح من اسم الشركة فأصبح تركيزها في الوقت الراهن على تقديم الخدمات، حيث تعمل على تلبية احتياجات مصانع البتروكيماويات بالإسكندرية، عبر إقامة مجموعة مستودعات وربطها بحريًا بتسهيلات شحن وتفريغ السفن بالميناء، وبريًا بمجمع صناعة البتروكيماويات بمنطقة النهضة بالإسكندرية، هذا بجانب صناعة الجير الحي التي كانت موجودة بالشركة من قبل.

لقطة من الموقع الإلكتروني لشركة الخدمات اللوجستية للبتروكيماويات

ولم تصدر عن الدولة سوى تصريحات مقتضبة عن مصير صناعة الصودا آش في الوقت الحالي، حيث قال مسؤول في القابضة للبتروكيماويات إن خط كربونات الصوديوم (المسؤول عن إنتاج الصودا آش) لا يعمل لأن معداته متهالكة.

وهو ما أكده لنا موظف سابق في الشركة وقت أن كانت تحت ملكية المستثمرين الأجانب، حيث قال إن العمال المتخصصين في إنتاج الصودا آش سُرّحوا منذ 2016 "لم يتبق من عمال شركة سولفاي الإسكندرية لكربونات الصوديوم سوى نحو 48 عاملًا لتشغيل الوحدات الإنتاجية لإنتاج الجير الحي، وهي الصناعة الوحيدة الباقية في الشركة في الوقت الراهن".

الموظف السابق بالشركة، الذي تحدثت معه المنصة وطلب عدم ذكر اسمه، خرج على المعاش عام 2016 قبل إيقاف تصنيع الصودا آش، بعد أن قضى في الشركة ما يقرب من 36 سنة.

ولأن تاريخه المهني كله يرتبط بهذه الشركة فهو يشعر بفداحة التحولات التي جرت فيها منذ توقف إنتاج الصودا آش، حيث يقول إن "توقف الشركة عن إنتاج تلك المادة خسارة كبيرة لا تًعوّض.. خاصة في ظل كوْنها المُنتج الوحيد في المنطقة وتتوفّر المواد الخام بالقرب من مقر المصنع بمحافظة الإسكندرية".

وتعتمد صناعة الصودا آش على الملح كمادة خام، والذي يتوفر بشكل كبير في مصر خاصة في شركة المكس للملاحات بالقرب من مقر الإنتاج السابق للشركة الحكومية بالإسكندرية.

ورغم حديث المسؤولين في الوقت الراهن عن إمكانية عودة الحياة لهذه الصناعة، لكن لا توجد خطة زمنية معلنة بهذا الشأن، فقط تتم الإشارة للموضوع بشكل عابر، حيث تحدث طارق الملا، وزير البترول، عن دراسة لعدد من المشروعات الجديدة ضمن الخطة القومية المحدثة للبتروكيماويات 2020-2035، ومن ضمنها مشروع لإنتاج الصودا آش باستثمارات 420 مليون دولار.

الزجاج والمنظفات الأكثر تضررًا

أما عن أهمية هذه الصناعة المفقودة، تقول غادة فكري عبد الشافي، عضو مجلس إدارة شعبة المنظفات بغرفة الصناعات الكيماوية، ورئيس الشركة المصرية للمنظفات الصناعية، إن الصودا آش تمثل نحو 15 - 20% من تكلفة صناعة العديد من المنظفات مثل مساحيق الغسيل، وعلى الرغم من محدودية تكلفتها لكن الاعتماد على استيرادها أدى لزيادة تكاليفها بشكل متسارع خلال السنوات الماضية".

وكان نائب رئيس شعبة البقالة بغرفة القاهرة التجارية، أحمد فوزي، قال لصحيفة الشروق إن أسعار مساحيق الغسيل ارتفعت بنسب مختلفة تصل إلى 20% بحسب كل شركة، حيث تعد تلك المساحيق من أبرز منتجات المنظفات التي تدخل الصودا آش في تصنيعها.

"سعر الصودا آش تضاعف 4 مرات منذ عام 2016 حتى الآن، إذ ارتفع سعر هذا الخام عالميًا مثل معظم الخامات مؤخرًا بسبب جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وأزمة سلاسل الإمداد" بحسب فوزي.

وتزداد الأزمة في حالة صناعة الزجاج، حيث يقول عضو المجلس التصديري للصناعات الكيماوية، ورئيس شركة نيو سيتي جلاس للزجاج، حازم بشر، إن "الصودا آش تمثل نحو 70% من تكلفة تصنيع المنتجات" .

ويشير إلى أن جزءًا من إنتاج الزجاج المحلي يستخدم في التصدير، وغياب صناعة هذا الخام في مصر يحدّ من فرص هذه الصادرات "الاعتماد على مواد خام مستوردة من الخارج يرفع من تكلفة الإنتاج التي تؤثر في النهاية على السعر النهائي للمنتجات ومن ثم انخفاض تنافسية المنتجات على مستوى التصدير".

وتستخدم الصودا آش بشكل أساسي في صناعة الزجاج والمنظفات، فيما يعتمد عليها جزئيًا في صناعات أخرى مثل صباغة المنسوجات والسيراميك والأدوية وبطاريات السيارات الكهربائية.

ماذا لو كانت الشركة الحكومية لا تزال قائمة؟

الارتفاعات العالمية في أسعار "الصودا آش" تجعل العديد من مستخدمي هذا الخام في مصر يقارنون تكاليف استيرادها بأسعارها وقت أن كانت تُنتج محليًا، وهم في حالة من الحسرة على فقدان هذه الصناعة.

يقول عضو مجلس إدارة المجلس التصديري للصناعات الكيماوية، حازم بشر، إن سعر طن الصودا آش عالميًا يتراوح بين 400 - 420 دولارًا للطن، "وهو ما يزيد بفارق كبير عن سعرها خلال فترة تصنيع شركة سولفاي البلجيكية لها في مصنعها بالإسكندرية بين عامي 2008 و2016 ، السعر وقتها يقارب نحو 30% من السعر الحالي بسبب ظروف تكاليف الإنتاج حينئذٍ.. لو تُصنّع تلك المادة في مصر حاليًا كان سينخفض سعرها بشكل كبير".

وهناك من يرى أن ثمة عوامل محلية تساهم في زيادة تكاليف الصودا آش المستوردة "ارتفاع أسعار معظم خامات الصناعات الكيماوية محليًا وعلى رأسها الصودا آش يعود لتداول المنتج بين أكثر من تاجر وصولًا للمستهلك النهائي ومغالاة بعض التجار" كما قال للمنصة صاحب شركة لاستيراد الخامات الكيماوية، طلب عدم ذكر اسمه.

"استيراد الصودا آش يكون للمنتج الروسي فقط، وكلاء الصودا آش التي تستورد من بلغاريا يرفضون البيع للتجار ويشترطون البيع للمصانع مباشرةً، فيما يبيع وكلاء المنتج التركي للتجار ولكن بكميات قليلة لتفادي تحكمهم في الأسعار بالسوق".

وبحسب المصدر، فإن سعر الصودا آش التركي الخفيفة تبلغ نحو 22 ألف جنيه والثقيلة بين 15 و16 الف جنيه، فيما يبلغ سعر الصودا آش البلغاري 19.5 ألف جنيه للخفيفة و14 ألف جنيه للثقيلة، أما الصودا آش الروسي الخفيفة فيتراوح بين 16 و17 ألف جنيه.

وتستخدم الصودا آش الخفيفة في صناعة المنظفات وبعض الصناعات الأخرى، فيما تستخدم الثقيلة في تصنيع الزجاج.

متجر منظفات. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

أزمة الاعتمادات تطول القطاع

"المشكلة الحالية ليست في الأسعار ولكن في مدى توفر الخامات نفسها"، كما يقول محمد خطاب، رئيس شركة سفنكس للزجاج.

ويعاني مستوردو الصودا آش، مثل باقي المستوردين، من صعوبة تيسير دخول الخام في مصر بعد اشتراط البنك المركزي الاستيراد من خلال الاعتمادات المستندية، في ظل تفاقم أزمة ضعف التدفقات الدولارية، وتم الاتجاه مؤخرا لاستثناء الخامات ومكوّنات الإنتاج لتستوردها المصانع بمستندات التحصيل، لكن لازال من غير الواضح إلى أي مدى سيساهم ذلك في تيسير دخول الخام في ظل ضغوط نقص العملة على حركة الاستيراد.

مصدر خبير في صناعة الصودا آش، طلب عدم ذكر اسمه، قال للمنصة إن مصانع زجاجات ومنظفات تحدثت إليه لتوسيطه لتوفير الصودا آش في ظل نقصها محليًا منذ أشهر، بسبب قرار اشتراط الاستيراد بالاعتمادات المستندية الذي تزامن مع الحرب الروسية الأوكرانية، وفاقمت الحرب من الأزمة بالنظر إلى أن روسيا من ضمن منتجي هذا الخام عالميًا.

"تراكمات أزمة الاعتمادات المستندية جعلت بعض المستوردين غير قادرين على دفع قيمة المنتجات، ما دفع الشركات المُصدّرة من الخارج إلى عدم التوريد لهم" كما يضيف المصدر.

تلك العقبات تسببت في نقص كميات الخام في السوق المحلي، ما قد ينتج عنه غلق العديد من المصانع كوْنها مادة خام رئيسية للعديد من الصناعات، بحسب المصدر الخبير، الذي يقول "لو فيه مصنع صودا آش في مصر مكنش حصل أزمة".

"قرار الاعتمادات المستندية والحرب تسببا في ارتفاع سعر الصودا آش بنسبة تلامس 50% تقريبًا، فضلًا عن نقص المنتج نفسه لصعوبة الاستيراد، قبل أن تتراجع الحكومة وتقرر العمل بمستندات التحصيل" كما قال رئيس شركة HK للمنظفات، هشام كمال.

ويضيف "تخارج أي شركة منتجة للخامات من مصر، أمر يستحق مسائلة وزارة التجارة حينئذ، حيث لا بد من معرفة أسباب التوقف عن الإنتاج ولماذا لم تحل مشكلاتهم، خاصة إذا كانت الصناعة في أشد الاحتياج لها، زي ما الحكومة تبحث عن مستثمرين جدد، لا بد من الحفاظ على المستثمرين القائمن بالفعل".

كيفية إحياء الصناعة في مصر

الأهمية الكبيرة للصودا آش، من حيث تأثيرها على طيف واسع من الصناعات، دفعت الكثيرين مؤخرًا لدراسة كيفية تعويض غياب مصنع الإسكندرية، لكن كل هذه الاجتهادات لاتزال على الورق، بالرغم من إيمان المستثمرين القوي بأهمية هذه الصناعة.

يقول حازم بشر، إن مصانع الزجاج سبق وأن طلبت من جهات حكومية ممثلة في وزارة التجارة والصناعة ضرورة إنشاء مصنع للصودا آش في ظل الحاجة الماسّة إلى توفيرها محليًا.

أما رئيس شعبة الزجاج بغرفة مواد البناء باتحاد الصناعات، محمد خطاب، فيقول إن الشعبة كانت أعدت دراسة لتصنيع الصودا آش محليًا قبل سنوات، وعُرضت على هيئة التنمية الصناعية بوزارة التجارة والصناعة.

ويقول بشر "تكلفة إنشاء مصنع صودا آش تقدر بنحو 500 مليون دولار.. يجب اعتبار هذا المصنع مشروع قومي غير هادف للربح، حيث نعتمد بشكل كامل على استيراد المنتج من تركيا وبلغاريا بنسبة 60 و40% على التوالي.. لو توقفت هاتان الدولتان عن التصدير لنا ستتعطّل المصانع التي تعتمد على تلك الخامة".

المصدر الخبير في الصناعة، يقول إن استهلاك السوق المحلي من الصودا آش يتراوح حاليًا بين 600 – 650 ألف طن سنويًا، ومن المتوقع أن يصل إلى 800 ألف طن خلال عامين ومليون طن خلال 5 سنوات، "ليس من المعقول أن نظل نستورد كل تلك الكميات بالعملة الصعبة ولدينا إمكانيات لإقامة مصنع".

ويطالب الحكومة بضرورة جذب مستثمر أجنبي لإقامة المصنع، مع تسهيل الحصول على الأراضي والتصاريح والتراخيص اللازمة، إضافةً إلى توفير الحماية المطلوبة لصناعة الصودا آش وتوفير الغاز الطبيعي بسعر خاص.

ويقول إن مركز تحديث الصناعة بوزارة التجارة والصناعة، أدرج الصودا آش ضمن قائمة تضم 131 منتجًا لبحث تصنعها محليًا لتقليل الواردات.

وبلغت واردات الصودا آش 92.70 مليون دولار عام 2017، و97.60 مليون دولار عام 2018، و126 مليون دولار في 2019، بحسب القائمة التي اطلعت عليها المنصة، وتتضمن تحليلًا لقيمة واردات كل منتج وأبرز الأماكن المقترحة لإقامة تلك المشروعات.

"مصنع الصودا آش يعد مشروعًا استراتيجيًا وليس تجاريًا، لأن لدى مصر صناعات تعتمد على تلك الخامة بشكل أساسي، وفي حالة عدم توفرها فإن تلك المصانع مهددة.. انت بتتكلم حاليًا على مسألة بقاء، ولذلك يجب توفيرها محليًا لضمان استمرار تلك المصانع في الإنتاج"، كما يضيف خطّاب.

خصخصة الشركات قد يكون الحل الأسهل للحكومة، إلا أنه لا يكون الخيار الأفضل دائمًا، وخاصةً للشركات التي تُصنّع منتجات استراتيجية وتُعدّ خامات أساسية لصناعات أخرى. عواقب الخصخصة قد لا تظهر على المدى القريب، إلا أنه من المؤكد أن الأجيال القادمة قد تدفع الثمن كما ظهر جليًّا في زيادة التكاليف على مُصنّعي الزجاج والمنظفات لنقص الصودا آش، وارتفاع أسعاره، وبالتالي أعباءً إضافية على "جيوب" المواطنين.