مقر شركة التأمين الأهلية في القاهرة. الصورة من ويكيميديا - برخصة المشاع الإبداعي

الرحلة نحو خصخصة "بوليصة" مصر لتأمينات الحياة

في مطلع الأسبوع الماضي، كشف رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، عن بعض تفاصيل برنامج ضخم لطرح الأصول العامة للبيع، بقيمة 40 مليار دولار، بهدف ضمان تدفقات من النقد الأجنبي خلال الفترة المقبلة بجانب تعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد.

ضمن هذا البرنامج، كانت شركة مصر لتأمينات الحياة إحدى أبرز شركات قطاع الأعمال المرشحة لبيع حصة فيها، بحسب ما ذكرته لنا مصادر في وزارة قطاع الأعمال العام.

ويعد التأمين من الأنشطة غير المعتادة للمتعاملين في البورصة المصرية، ما يجعل الحصة المطروحة من مصر لتأمينات الحياة بمثابة منتج جديد للمتطلعين لشراء الأصول العامة في مصر.

ما هي أحوال الشركة وفرصها في الربح وإلى أي مدى ستكون ورقة جاذبة للمستثمرين في الأصول؟ سنسعى للإجابة عن هذه الأسئلة، ضمن سلسلة من القصص التي تتّبع الأصول المرشحة في برنامج الخصخصة الجديد.

بضاعة جديدة في وقت مضطرب

أحيانًا ما يطلق المستثمرون في الأصول اسم "بضاعة جديدة" على الأصول المطروحة للبيع والمنتمية لقطاعات غير مألوفة في أسواق المال، ومن بينها قطاع التأمين.

وتمثل مصر لتأمينات الحياة رافدًا جديدًا لقطاع جرت العادة على تهميشه في سوق المال المصري، فهو غير متواجد ضمن شركات المؤشر الرئيسي، EGX 30، وتقتصر الشركات المدرجة تحت رايته على شركة الدلتا للتأمين والتي يتم التداول عليها بأحجام بسيطة، ونفس الأمر بالنسبة لأسهم المهندس للتأمين.

يمثل ذلك أول تحدٍ أمام الترويج لبيع حصة في تأمينات الحياة إذا ما قررت الدولة أن تبيعها من خلال البورصة، أما التحدي الثاني فهو مدى استعداد السوق لهذا الطرح، حيث تشهد البورصة الأمريكية في الوقت الراهن انخفاضات عنيفة إثر اتجاه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (المؤسسة الموازية للبنك المركزي)، لزيادة الفائدة، وهذه الاضطرابات الأمريكية تدفع العديد من المستثمرين في بورصات العالم للتراجع عن شراء الأسهم.

لكن يظل الأمل في المستثمر الخليجي كمصدر للدخل الدولاري من بيع الأصول الحكومية، وفقًا لرئيس قسم البحوث في شركة برايم لتداول الأوراق المالية عمرو الألفي، الذي قال للمنصة "أتوقع أن تكون الشركة (مصر لتأمينات الحياة) جاذبة للمستثمرين خاصة العرب، في ظل تخارج المستثمرين الأجانب من الأسواق الناشئة مع رفع أسعار الفائدة في أمريكا".

يتوقع ماهر أن يكون طرح مصر لتأمينات الحياة جاذبًا لجميع المستثمرين؛ أجانب ومحليين، باعتبار أن قطاع التأمين بشكل عام قطاع واعد.

وتعكس بيانات البورصة المصرية الأخيرة تراجعًا واضحًا للأجانب؛ ليس فقط بسبب اتجاهات الفائدة الأمريكية ولكن أيضًا كنتيجة للحرب الروسية على أوكرانيا، إذ اتجه الكثيرون للبحث عن ملاذات آمنة لاستثماراتهم، حيث انتهت تعاملات المستثمرين الأجانب خلال مارس/ آذار الماضي بمبيعات صافية بقيمة 4.4 مليار جنيه تزامنًا مع قرار رفع الفائدة وانخفاض قيمة الجنيه.

وبنهاية إبريل/ نيسان واصل الأجانب البيع، وأنهى المستثمرون الشهر على مبيعات صافية بنحو 1.5 مليار جنيه مقابل مبيعات بـ 728 مليون جنيه في إبريل 2021، وانتهت الأربعة أشهر الأولى من العام على مبيعات للأجانب تخطت سبعة مليارات جنيه.

وسط هذه الأجواء كان الخليج هو المستثمر الحاضر لشراء الأصول المصرية، وتمثل ذلك بشكل واضح في صفقة بيع تمت الشهر الماضي لحصص حكومية في 5 شركات مقابل 1.9 مليار دولار، من خلال صفقة تمت داخل البورصة لصالح الصندوق السيادي لأبو ظبي القابضة ADQ.

"أتوقع أن يتم تنفيذ صفقة مصر لتأمينات الحياة من خلال بيع حصة في الشركة في طرح خاص لمؤسسات خليجية مهتمة بشركة تعمل فقط في مجال التأمينات على الحياة" كما يضيف الألفي.

ويرى محمد ماهر العضو المنتدب لشركة برايم القابضة لتداول الأوراق المالية، أن خمول التداول على شركتي المهندس والدلتا للتأمين لا يعني بالضرورة أن التأمين من القطاعات قليلة الجاذبية للمستثمرين "التداول على السهمين كان جيدًا في فترة ما، لكن مع استحواذ مؤسسات على حصص حاكمة واحتفاظهم بها قل التداول عليها لأن الملاك لا يريدون بيع الأسهم".

ويتوقع ماهر أن يكون طرح مصر لتأمينات الحياة جاذبًا لجميع المستثمرين؛ أجانب ومحليين، باعتبار أن قطاع التأمين بشكل عام قطاع واعد، وأن يستوعب السوق الطرح الجديد حتى إذا كان وضعه العام يظهر متراجعا.

يقول ماهر للمنصة، إن "توقيت الطرح سيراعي بالتأكيد وضع السوق في تسعير السهم، وهذا سيكون عاملًا محوريًا في نجاحه".

ويرى مسؤول سابق في الشركة القابضة للتأمين، أن مصر لتأمينات الحياة، وبسبب طبيعة نشاطها، تسير في اتجاه معاكس لاضطرابات البورصة، ما يعزز من فرص طرح أسهمها للبيع في هذا الوقت، حيث يقول للمنصة إن "الشركة تستثمر في سندات أو أذون الخزانة وزيادة العائد على هذه الاستثمارات يعني زيادة الربح للشركة، وهذا يعد أمرًا إيجابيًا عند التفكير في الاستثمار في أسهمها".

واتجه البنك المركزي المصري لزيادة الفائدة مع ارتفاع وتيرة التضخم، حيث أعلن زيادة استثنائية في مارس الماضي بنسبة 1%، تبعها بزيادة أخرى كبيرة بنسبة 2% الشهر الجاري، مع توقعات بأن يرتفع التضخم فوق مستهدفاته خلال الربع الرابع من 2022، ما يعني أننا قد نرى مزيدًا من قرارات رفع الفائدة هذا العام، لكبح جماح الأسعار.

ويتوقف حجم صفقة مصر لتأمينات الحياة والعائد المحقق منها على حجم نشاط الشركة نفسه، وبحسب بيانات السنة المالية التي انتهت في يونيو/ حزيران الماضي، يبلغ رأسمال الشركة 2.5 مليار جنيه، وإجمالي حقوق المساهمين 11.1 مليار جنيه، مع حجم استثمارات بقيمة 37.1 مليار جنيه.

"على الأرجح فإن تقييم الشركة يكون قريب من قيمة حقوق المساهمين 11 مليار جنيه، ما يعني أن طرح 25% من الشركة قد يصل إلى 2.75 مليار جنيه" كما يقول الألفي.

ونسبة 25% هي الحد الفاصل بين كون الشركة عامة أو خاصة، إذ نص تعديل قانون قطاع الأعمال العام رقم 185 لسنة 2020 بأنه "في الأحوال التي يترتب فيها على طرح أسهم الشركة التابعة بإحدى البورصات المصرية ووصول نسبة المساهمين بخلاف الدولة والشركات القابضة الخاضعة لهذا القانون والأشخاص الاعتبارية العامة وبنوك القطاع العام في ملكية الشركة التابعة إلى (25%) أو أكثر في رأسمال الشركة، يتم نقل تبعية الشركة لأحكام القانون رقم 159 لسنة 1981" الخاص بالشركات المساهمة.

لماذا مصر لتأمينات الحياة؟

اضطرابات أسواق المال تجعل السؤال الأكثر إلحاحًا هو لماذا تعد مصر لتأمينات الحياة ضمن أبرز الأصول المشرحة للبيع في الأجل القريب؟ ما هي عوامل الجذب في الشركة؟

يقول المسؤول السابق في مصر القابضة للتأمين والذي تحفظ على ذكر اسمه، إن النية كانت متجهة من قبل لطرح حصر في شركة مصر للتأمين، وقت إعداد برنامج طرح أصول القطاع العام خلال السنوات الماضية، لكن الدولة غيرت رأيها واتجه لمصر لتأمينات الحياة في وقت لاحق "لأن لديها مركزًا ماليًا جيدًا وتصنيفًا ائتمانيًا عاليًا ولا تقل قوة عن مصر للتأمين"

وكانت الحكومة أعلنت في 2018 عن برنامج لبيع حصص 23 شركة وبنكًا، ضمنهم مصر للتأمين، قبل أن يتوسع البرنامج ليستهدف مبيعات أضخم في الحجم وعدد الأصول، كما أعلن رئيس الوزراء قبل أيام.

ومصر للتأمين هي واحدة من أكبر شركات القابضة للتأمين، الكيان الذي يضم شركات التأمين التابعة لقطاع الأعمال العام، وبالرغم من جاذبية اسمها كونها من أقدم الشركات في هذا المجال، إذ تعمل منذ 1934، لكن كونها تعمل في مجالات تأمينات مختلفة، كالتأمين على السيارات والطيران والبترول والتأمين الهندسي، ستكون إعادة هيكلتها بهدف تهيئتها لبيع حصة منها للقطاع الخاص أكثر صعوبة، مقارنة بمصر لتأمينات الحياة التي تتخصص في مجال تأميني واحد، بحسب ما قاله المصدر للمنصة.

"تتخصص الشركة في تقديم تأمينات على الحياة وهو نشاط مربح وسيكون مفضل للمستثمرين، التخصص في نوع معين التأمين يعني استمرارية النشاط خاصة إذا نظرنا لتطور أرباح وأصول الشركة واستثماراتها" كما يضيف المصدر.

هذا التخصص منح الشركة ميزة تنافسية في السوق ما جعلها واحدة من أكبر الكيانات العاملة في مجالها "نتيجة خبرة تمتد لأكثر من مائة عام في التامين على الحياة تستحوذ مصر لتأمينات الحياة وحدها على أكثر من 30% من سوق التأمين على الحياة، وهذه نسبة ليست قليلة، ولديها خطط لزيادة هذه الحصة قد تستفيد من الطرح في تحقيقها" كما يوضح المصدر.

المصدر: بيانات الشركة


هل تستفيد الشركة من الخصخصة؟

مع اتجاه الدولة لوتيرة بيع أصولها تحت وطأة أزمة نقص الدخل الدولاري، ثار جدل واسع حول صفقات الخصخصة، وهل هي مجرد بيع للأصول أم أن دخول القطاع الخاص كشريك في هذه الأصول يساعد في تطويرها على المدى الطويل؟

في حالة مصر لتأمينات الحياة، يرى المسؤول أن بيع حصة من الشركة سيمثل حافزًا إضافيًا لها على تطوير أدائها، حيث ستكون خاضعة لضغوط مطالب السوق بتحقيق الربح، وهو ما سيعزز من أعمال التطوير الحالية التي تستهدف استثمار الخبرة الطويلة للشركة في مجالها.

"في السابق كنا تعتمد على ثقة العملاء في أننا شركة حكومية وأن الناس تطمئن أكثر للشركة الحكومية لأن 'اللي عند الحكومة مبيضعش' كما أن السنوات الطويلة تبني عشرة أو ثقة بين العميل والموظف لإقناعه بالمنتج الجديد" كما يقول المصدر، مضيفًا أن "الشركة تعمل حاليًا على إعادة هيكلة إدارية ومالية، للتوافق مع متطلبات أسواق المال، والجاهزية لقواعد الإفصاح والقيد، إلى جانب تحفيز مبيعات التأمين. يتم حاليًا تدريب العاملين على أساليب جديدة للتسويق تتماشى مع الأجيال الجديدة وسوق العمل ومتطلبات الحياة، وكذلك تعيين وسطاء تأمين يمكنهم التعامل مع العملاء المحتملين الأكثر اطلاعًا في الوقت الراهن والإجابة عن تساؤلات العملاء حال الطرح في البورصة".

وتركز الحملات التسويقية للشركة على الترويج إلى أن التأمين على الحياة لا يعني بالضرورة حصول الورثة على تعويض بعد الوفاة، وهو النشاط التقليدي الذي اعتادت شركات تأمين الحياة على تقديمه خلال العقود الماضية، ولكن أيضًا من خلال تقديم منتجات تأمينية متنوعة، تتضمن منتجات لتأمين الأفراد ووثائق الادخار ومنتجات التقاعد "المعاش" وتمويل التعليم، ووثيقة مواجهة التضخم، كما تقدم الشركة منتجات تأمين المجموعات، والتي تتضمن تأمين صاحب العمل أو المؤسسة على العاملين لديه من خلال عقد تأمين جماعي لتوفير الحماية لموظفيه.

هذه المنتجات الجديدة كانت جاذبة للكثيرين، وإن كان العملاء لا يمكنهم فهم طبيعة التغيرات التي ستطرأ على أموالهم أو نوع الوثائق بعد بيع حصة من الشركة.

تقتطع عائلة هبة مصطفى التي تنتمي عائلتها للطبقة الوسطى، قسطًا شهريًا نحو مائة جنيه لبوليصة تأمين بدأها زوجها قبل نحو 15 سنة. ورغم أن مبلغ الاشتراك يبدو الآن ضئيلًا لكنه "في بداية الألفينات كانت قيمتها كبيرة".

كان زوج هبة يحاول تأمين مبلغ مستقبلي، وهو إجراء دفعته قوة الشركة ومنتجاتها للاشتراك هو وإخوته، ليحصل على مكافأة بقيمة 40 ألف جنيه بعد أكثر من 20 سنة.

وبينما يبدو المبلغ لا بأس به، لكن هبة ترى أن التضخم سيلتهمه قبل أن تفكر في اشتراك جديد لأحد أبنائها، وسط تراجع للقوى الشرائية للنقود.

أعداد المؤمن عليهم لدى الشركة يتجاوز ثلاثة ملايين فرد، هذا العدد الكبير من المتعاملين مع الشركة قد يجعل لصفقة بيع جزء منها وقعًا في آذان صغار المستثمرين.

وساهم هذا التنوع في المنتجات التأمينية، الذي تنتهجه الشركة في زيادة عدد العملاء والذي انعكس على حجم الأقساط التأمينية للشركة، حيث ارتفعت خلال العام الماضي إلى 7.37 مليار جنيه، بزيادة 45% عن العام السابق.

وتأسست مصر لتأمينات الحياة فى 29 مايو 1900 كشركة مساهمة مصرية، وكانت أول شركة تأمين يتم تأسيسها فى مصر والعالم العربى بأسره، وعُرفت سابقًا باسم شركة التأمين الأهلية المصرية.

وفي 2006 صدر قرار رئاسي بتأسيس شركة مصر القابضة للتامين وتحويل شركات التأمين المملوكة للدولة الأربعة الموجودة آن ذاك (من ضمنها الأهلية لتأمينات الحياة) إلى شركات تابعة لمصر القابضة للتأمين الخاضعة لأحكام القانون رقم 203 لسنة 1991 بشأن شركات قطاع الأعمال العام.

ظلت الشركة الأهلية تمارس نشاطها الذي يتشابه أيضا مع نشاط مصر للتأمين، لكن في 2009 رأت الدولة أن تتخصص الشركة فى تأمينات الأشخاص وتكوين الأموال لتوفق أوضاعها مع قانون رقم 118 لسنة 2008 الذي قضى بالفصل بين أنشطة تأمينات الحياة والممتلكات.

وبدءًا من 2010 تم تحويل باقي محفظة تأمينات الحياة التي كانت تعمل فيها كافة الشركات المملوكة للدولة إلى شركة مصر لتأمينات الحياة. وبذلك تشكّل أكبر كيان تأميني متخصص بنشاط تأمينات الحياة في مصر.

وبحسب تقديرات مصدر بشركة مصر لتأمينات الحياة، تحدث إلى المنصة، فإن أعداد المؤمن عليهم لدى الشركة يتجاوز ثلاثة ملايين فرد، هذا العدد الكبير من المتعاملين مع الشركة قد يجعل لصفقة بيع جزء منها وقعًا في آذان صغار المستثمرين إذا ما طرحت للبيع عبر اكتتاب عام في البورصة، أو قد تجتذب جمهورًا جديدًا من صغار المدخرين للاستثمار فيها يكون بمثابة دافع جديد لحركة الاستثمار في سوق المال، الذي يعاني من الركود منذ فترة طويلة.

وبلغ عدد المستثمرين الجدد المنضمين لسوق المال خلال العام الماضي 59 ألف مكود جديد، وهو ما يراه محمد ماهر فرصة للشركة لتخصيص جزء من الطرح للمؤسسات وجزء لاكتتاب الأفراد "الفرصة الاستثمارية التي تحملها الشركة وفقا لنتائجها وحجم أعمالها يضمن إقبال الأفراد على السهم".