لقطة من فيلم نوستالجيا سينمائية

السينما اليمنية: قصة المخرج الذي لم يجرؤ على دخولها ثم صنع فيلمًا عنها

في صيف 1999، كان الطفل محمد المهدي يسير في ميدان التحرير بصنعاء، تتعلق عيناه ببوسترات الأفلام على اللوحات الإعلانية في الميدان، والتي تُعرض في دار السينما الأهلية وسينما بلقيس، كانت لهذه البوسترات جاذبية، ولّدت بداخله الرغبة في مشاهدة أفلامها داخل قاعة عرض.

وعلى طريقة أبطال الدراما، يقف أمام تلك الرغبة ما يمنعها، فتستدعي ذاكرته دومًا مشهدًا واحدًا، تؤنب الأم فيه الأب على عمله أيام الشباب بائعًا للجرائد داخل دور العرض السينمائي، تلك الأماكن سيئة السمعة. هكذا بدأت علاقة المهدي بالسينما، الطفل الذي سيصبح صانعًا للأفلام فيما بعد.

السينما اليمنية التي كانت حاضرة بعروض قوية للأفلام في ستينيات القرن العشرين، صارت في التسعينيات من نفس القرن فضاءً مشبوهًا، يجلب الخزي لجمهور القاعات؛ في طفولتي كان الذهاب إلى السينما يعني مضغ القات، وممارسة الجنس بين الرجال، هذا ما كنت أسمعه عنها "العائلات في اليمن متزوجكش بناتها لو أنت تروح للسينما"، يقول المهدي للمنصة.

وتعرضت السينما اليمنية في نهاية التسعينيات إلى حملة قوية من التيارات الدينية المتشددة، تبالغ في تحريم الذهاب لقاعات عروض الأفلام، متضافرة مع محكيات شعبية تعضد السمعة السيئة لهذا الفضاء.

تتشابه حالة المهدي بين حب السينما والنفور من قاعات العرض، مع الناقدة اليمنية هدى جعفر "عمري ما دخلت بناية سينما في اليمن، وهاذا الشيء يشاركني فيه تقريبًا أغلب مواليد جيل التمانينات، كان هناك وصمًا لمن يحاول دخول السينما".

سمعة بنايات السينما سيئة جدًا حتى للرجال، هي مثل أوكار للخلوة، ولا أعرف رجالًا من محيطي دخلوا سينما.
- هدى جعفر

على طريقة أي اغتيال سياسي لقوى معارضة، نُسجت المحكيات التي تساهم في النفور من السينما، وتتناقل القصص عن النساء اللاتي يطالبن مشغل ماكينة العرض السينمائي بحجب مشاهد القبلات. "كان عارض الافلام في السينما يوضع يده أمام شعاع الضوء ويحجب مشاهد البوس، كان الشباب يصيحون يا عور، يا عور.. قاصدين أنهم ما يشتو (لا يريدون) يشوفوا المشاهد بعين واحدة" يضيف المهدي.

بسبب هذه المحكيات التي تدور في فُلك مشاهِد الجنس والقُبلة، هُجرت دور العرض من اليمنيين الخائفين من خزي الوصم أخلاقيًا، "سمعة بنايات السينما سيئة جدًا حتى للرجال، هي مثل أوكار للخلوة، ولا أعرف رجالًا من محيطي دخلوا سينما" تؤكد هدى جعفر.

لذة اكتشاف السينما المحرمة

يتشارك المهدي مع عدد من أبناء جيله في الابتعاد عن دور عرض الأفلام بسبب تدهور أحوال البنايات والخدمات، بالإضافة لعرض تلك السينمات أفلامًا قديمة، فضلًا عن المحكيات التي جعلت من السينما فضاءً مشبوهًا.

وعلى الرغم من هذا الحاجز، كانت شاشة التلفزيون هي منفذ المهدي الأول للتعرف على عالم الأفلام في 2008، غير أن هذا المنفذ لم يكن خياره الأفضل "لم أحب الفواصل الإعلانية، والمشاهد المقصقصة من نسخة الفيلم". مما دفع المهدي لتحميل الأفلام من مقهى إنترنت، للاستمتاع بمشاهدة خالية من الرقابة.

بعد اكتشافه إمكانية تحميل نسخ الأفلام المقرصنة عبر الإنترنت ازداد هوسًا بتجميعها على الأقراص الصلبة، ومشاهدتها على شاشة كبيرة لعدم تفضيله مشاهدة الأفلام على شاشة الكمبيوتر الصغيرة، فازداد ولعًا بالفُرجة على الأفلام، وبات يقضي الساعات في تحويل صيغ ملفات الأفلام، ودمج الترجمة لتناسب الشاشة الجديدة، "كنت بشوف جميع أنواع الأفلام، وبشاهد كل يوم فيلم تقريبًا".

لم تكن السينما حب المهدي الوحيد، كان يٌحب قراءة الروايات وحضور الفعاليات الثقافية، ومع هذه الأنشطة، يعمل على تطوير قدراته.

وفي 2010 أصبح الطفل شابًا في السابعة عشر من عمره، يدرس اللغة الإنجليزية في الأميديست، وبجوار مركز تعلم اللغة، يوجد مقر البيت الألماني للتعاون والثقافة (جوتة)، المكان الذي ترك أثرًا كبيرًا على حياته، إذ كان ينظم فعاليات سينمائية استهوت المهدي، الذي حضَر عرضًا لفيلم هناك، وكانت تلك المرة الأولى التي يشارك آخرين في مشاهدة جماعية لفيلم أمام شاشة عرض، "حسيت وقتها إن المشاهدة الجماعية شيء مش عيب، لأ حلو، ولها متعتها المختلفة".

للمرة الأولى أمام شاشة عرض وساوند سيستم، وأشخاص آخرين يشاركون المهدي الفرح، والحزن، والضحك، والدهشة في نفس اللحظة.

قاعات سينما بديلة حسنة السمعة

بعد تجربة البيت الألماني، يفكر المهدي في تكرار نفس حالة المشاهدة الجماعية للأفلام، يحاول نشرها بين اليمنيين، ومواجهة الثقافة السائدة حيال السينما، وتظل الفكرة بداخله إلى أن أطلق أول مبادرة مع مؤسسة تعمل بمجال الطفولة "في 2015 عملنا فعاليات للأطفال عشان تعمل متنفس ليهم من الحرب، ويشوفوا كيف السينما بتعمل تغيير". وكان يتم اختيار أفلام الأنيميشن الحاصلة على جوائز الأوسكار، أو التي تحمل رسائل تعليمية للأطفال.

بقيت أشتي (أريد) التجربة اللي عشتها مع المشاهدة الجماعية يعيشوها كل الناس في اليمن.
- محمد المهدي

لم تتوقف المبادرات على الأطفال، بل ذهبت للكبار أيضًا في الجامعات والكافيهات والمطاعم. "كنا نقنع أصحاب الأماكن أن الفعاليات دي ترويج مجاني لخدماتهم". ويعرضْ فيلمين بكل فعالية، واحد من اليمن والآخر من خارجها، أحدهما طويل والآخر قصير، وتجري نقاشات بعد كل فيلم.

يحاول المهدي نقل تجربته دومًا للآخرين، بأن هناك إمكانية مشاهدة جماعية ممتعة بدون أذية أو جلب السمعة السيئة "بقيت أشتي (أريد) التجربة اللي عشتها مع المشاهدة الجماعية يعيشوها كل الناس في اليمن".

تصوير السينما: محاولة لكتابة تاريخ اليمن السينمائي

مع دراسة الإعلام فهم المهدي أهمية السينما كونها أكثر الوسائل تأثيرًا في الشعوب، ووسط محاولاته لتحسين سمعة السينما، ودفعه الناس إلى المشاهدات الجماعية، انتبه للفراغ المعرفي حيال تاريخ السينما وعدم وجود مراجع عنها.

لم تعرف السينما في اليمن رواجًا في صناعة الأفلام، خاصة قبل ثورة فبراير 2011، لأسباب عديدة على رأسها الانقسامات والاضطرابات الداخلية والحروب، وحملات التشويه.

ولا نعرف عن الإنتاج اليمني إلا بعض الأعمال التي حازت شهرةً في بداية الألفية الثانية، فتاريخ السينما في اليمن مهمَل وعُرضة للضياع التام بسبب غياب التوثيق.

شهدت 2005 إصدار الفيلم الروائي الطويل يوم جديد في صنعاء القديمة، ليصبح أول فيلم يمني يعرض في مهرجان كان. لكن بعد ثورة 2011 أصبحت الأفلام اليمنية أكثر حضورًا في المحافل العالمية للسينما.

وفي 2012 يصبح ليس للكرامة جدران أول فيلم يمني يرشَّح في فئة الوثائقي القصير لجوائز الأوسكار .

أما في 2014، فيظهر الفيلم الروائي الطويل أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة، ليصبح أول فيلم يمني يرشح لأوسكار أفضل فيلم مروي بلغة أجنبية. وفي 2018 يكررْ نفس الأمر فيلم 10 أيام قبل الزفاف، ويصبح ثاني فيلم يمني يرشح للأوسكار على نفس الجائزة.

ظهور الأفلام بالمحافل الدولية، وغياب عملية التأريخ السينمائي، كانا عاملي جذب المهدي في العام 2016 لإنتاج مشروع تخرجه في كلية الإعلام حول تاريخ السينما في اليمن.

وكانت فكرة "تاريخ السينما" كبيرة وصعبة التنفيذ، وهو ما اضطره لتنفيذها على نطاق أصغر، وحول جزء بعينه من تاريخها. "اخترت عمل فيلم عن دار السينما الأهلية لأنها الوحيدة الباقية من ضمن 50 دار عرض كانت باليمن".

يقرر العمل على صناعة فيلم وثائقي، بشراكة مع صديقه وزميله سامي الصعفاني "الفيلم بزيرو بدجت، مجموعة من الأصدقاء ساعدونا في كل شيء بسبب اقتناعهم بالفكرة".

لقطة من فيلم نوستالجيا سينمائية

نوع من السريَّة كان يكتنف أجواء تصوير الفيلم، بسبب مقابلة مبنى الأمن القومي لبناية السينما الأهلية، وعدم الحصول على التصاريح المطلوبة للتصوير "تسجيل بعض المشاهد من خارج دار العرض، كانت محاولة ممتعة وخطرة". كانت أجواء الحرب تسيطر على اليمن، والكاميرات تدور تحت أصوات القذائف وضرب النيران "بسبب اعتيادنا على الحرب، تلاقي أصوات الضرب في خلفية كل أحداث حياتنا، في المدارس وقت التعليم، وفي الأفراح والمآتم، حتى وقت تصوير الفيلم"، يقول المهدي.

استغرق العمل على الفيلم خمس سنوات وسط صعوبات غياب الحاضنة الاجتماعية المرحبة بإنتاج الفن، والخوف من الملاحقات الأمنية، وتبادل قذائف الحرب، ومع هذا يحاول الفيلم إعادة إنتاج الواقع، بالتصوير من داخل السينما، وسرد أبطال الفيلم ذكرياتهم مع دار السينما.

ستون عامًا من الصمود

ربما الأكثر دهشة من تصوير فيلم تحت هذه الظروف الصعبة، هو بقاء دار السينما الأهلية في مجتمع تعمل بعض قواه على استئصال الفن من الوجود.

كانت فكرة تقديم عروض مباريات بالسينما منذ العام 2008، بمثابة قبلة حياة "بعد نفور الجمهور من الذهاب للسينما بسبب إنشاء مبنى الأمن القومي بجوار السينما، وبسبب أن الجمهور الرياضي عدده كبير جدًا، ولا يأبه للمواجهات الأمنية، بدأنا عروض المباريات حتى يكون هناك استمرارية بقاء" يقول أحمد يحيى كابع، المدير التنفيذي لدار السينما.

فكرة إذاعة مباريات كرة القدم قد تبدو تدميرية لأي مساحة سينما بالعالم، لكن الأمر كان مختلفًا في اليمن، بسبب أعباء اقتصادية تفرض كضرائب حكومية ودعم صناديق خدمية، مع عزوف الجماهير بسبب حملات الوصم الخاصة برواد السينما، فلا مفر من موائمات للبقاء، وهو ما مكّن السينما الأهلية من الاستمرار.

ربما ما يجمع دار السينما الأهلية بالمهدي هي الفكرة التي وراء كليهما، فالمهدى يسعى لخلق متنفس لدى الناس وتحركه قناعة راسخة بأهمية السينما في التأثير في نفوس مشاهديها، وهو ما يتقاطع من فكرة الجد كابع مؤسس دار السينما الأهلية وأحفاده، "كان هدف جدي سنة 1962 القضاء على النظام الملكي، وكان يرى أنه لا يمكن التغيير إلا بعد التأثير في جيل كامل بالمعرفة والوعي عن حياة دول العالم، وحملنا نفس الفكر من جدي، نحن لا نفتحها من أجل جانب ربحي فقط". يضيف كابع الحفيد.

في أكتوبر/ تشرين الأول 2021 خرج المهدي من اليمن، يحمل فيلمه على طريقة الشاب الأندلسي في فيلم المصير الذي خرج حاملًا آخر كتب ابن رشد إلى مصر، قطع المهدي رحلة مشابهة إلى مصر، لكن مع نسخة من فيلمه نوستالجيا سينمائية.


العرض الأول للفيلم كان في الإسكندرية داخل مركز الجزويت الثقافي، وسط حضور متنوع من المصريين والشباب اليمني وبعض الأسر اليمنية، يحاول نقل رسالته عن صمود السينما الأهلية، ومد خيط يعيد إلى اليمنيين ذكريات جميلة تستبدل من مخيالهم صورة السينما التي أضحت فضاء مشبوهًا.

يبقى الفن عاملًا مهمًا في حفاظ الذكريات وأحداث الحياة، والمساحة الأكثر قدرة على عكس المفارقات، فالشاب الذي كان يخشى دخول السينما أصبح مخرجًا سينمائيًا، والأب الذي كان يشاركه ذكرى العمل المخزي في شبابه كبائع جرائد بدور العرض، لم يعد أيضًا كذلك "السينما بالنسبة لي بقت شيء جميل، مثل ما بقيت حاسس أبي كان بيشتغل حاجة حلوة، مش شوعة (سيئة) زي ما كنت فاكر" يضيف المهدي.

لم تكن السينما في اليمن مجرد فضاء مشبوه فحسب، فهي لمن خارج اليمن فضاءً مجهولًا، مثلما كانت أمريكا قبل اكتشاف كريستوفر كولومبوس لها، وكما اكتشف المهدي لذة المشاهدة الجماعية للأفلام في البيت الألماني، نقل لآخرين متعة اكتشاف هذا الفضاء المجهول في بلاده.

لم يُثر المهدي الفضول تجاه السينما وحسب، بل ناحية بلده أيضًا "أنت خلتني عاوزه أعرف أكتر عن اليمن مش بس السينما هناك" هكذا علقت إحدى الفتيات على الفيلم بعد عرضه في معهد جوتة بالإسكندرية.

على الرغم من ندرة الأفلام اليمنية، فإن هناك حفاوة كبيرة بها، إقليميًا وعالميًا من خلال المهرجانات السينمائية المختلفة، "متحمس لعرض الفيلم في المهرجانات، متحمس أعمل نوعيات مختلفة من الأفلام، وأعرّف العالم عن الإنسان اليمني، بعيدًا عما يتدوال عن الحرب والمعاناة". هذه تطلعات المهدي للمستقبل.

وبعد ثلاثة عروض للفيلم في مصر، سافر المهدي بحثًا عن فرص لدراسة السينما، والمشاركة في المهرجانات، وتحقيق حلمه الرئيسي بعرض فيلمه في اليمن.