كشك جرائد في وسط القاهرة عام 2017. الصورة: عمرو عادل- بإذن للمنصة

حرية الصحافة على مائدة "الحوار السياسي"

لا سبيل لنجاح أي حوار سياسي في ظل استمرار حالة الرقابة والحصار المفروضة على الصحافة والإعلام، فمن دون هامش حرية يسمح بتداول الأفكار والرؤى المتباينة في المنصات الصحفية، بلا وصاية أو قيود، ومن دون تفاعل الجمهور مع قضايا وموضوعات الحوار المرتقب تصبح مناقشاته منفصلة عن الواقع ومخرجاته حرث في البحر.

للحوار متطلباته وقواعده؛ والقاعدة الأولى التي يجب أن ينطلق منها حوار في بلد عانى لفترة ليست بقصيرة من انسداد في الأفق السياسي هي فتح المجال العام، وإعلان القطيعة مع حالة الجمود والاستئثار بالرأي والقرار، بالاستماع لكل الرؤى والأفكار دون مصادرة أو رقابة، فـ"الاختلاف في الرأي لا يفسد للوطن قضية"، بتعبير الرئيس عبد الفتاح السيسي.

في السنوات الخمس الأخيرة أحكمت السلطة سيطرتها على معظم وسائل الإعلام التي تبث محتواها من داخل مصر، وانتقلت الأمور من مرحلة النصح والإرشاد وتوجيه اللوم إلى حد التحكم في الأجندات التحريرية لمعظم صالات الأخبار، أما المنصات التي رفضت من حيث المبدأ حالة الوصاية والسيطرة فتم حجبها لتصعيب وصول الجمهور إلى محتواها.

بررت السلطة تعاملها الخشن مع وسائل الإعلام في تلك الفترة بما أسمته حالة "الانفلات والسيولة" التي جعلت "كل من هب ودب" يخرج على شاشات الفضائيات ليقول "ما يشاء وقتما يشاء دون ضابط أو رابط"، ويرى بعض المسؤولين أن وسائل الإعلام لم تلتزم منذ اندلاع أحداث ثورة 25 يناير بأي قوانين أو معايير مهنية ولا أكواد أخلاقية.

وأشار هؤلاء في حوارات سابقة مع كاتب هذه السطور إلى أن معظم الوسائل الإعلامية كانت تعمل وفق "أجندة وضعها المُلاك بالتوافق مع جهات ومؤسسات خارجية"، وشددوا على أن تلك الجهات ضخت في شرايين الإعلام المصري المليارات لتحقق هدفها بـاستمرار حالة الفوضى التي سيطرت على المجتمع المصري خلال تلك المرحلة، "كان يجب على الدولة أن تتدخل لضبط الأمور، والسيطرة على المنصات الإعلامية كان فرض عين على أجهزة الدولة حينها، لأن البديل هو استمرار التحريض على مؤسسات الدولة إنفاذًا لأجندة أعداء البلاد التي كانت تخوض حينها حربا مفتوحة مع جماعات الإرهاب".

بدعوى أن الدولة كانت في حالة حرب على معظم الجبهات، لجأت السلطة إلى حصار الصحافة بدلًا من تفعيل القوانين واللوائح ومواثيق الشرف الإعلامية التي تُنظم إنتاج ونشر المحتوى الصحفي، وبدلًا من مساءلة مُلاك المؤسسات عن مصادر أموالهم ومحاسبة مسؤولي التحرير وفقًا للقانون عن أي خروج عن القواعد المهنية.

شرعنة القيود

وفي وقت لاحق تم شرعنة القيود الاستثنائية، وصدرت قوانين ولوائح تمنح الهيئات الإعلامية التي تعمل من تحت جناح السلطة الحق في الحجب والمنع والوقف، وهو ما حوَّل المحتوى الإعلامي إلى نشرات لا تُعبر سوى عن الُحكام، تتبنى وجهات نظرهم وتبرر قراراتهم وسياساتهم، فهجر الجمهور منصات الإعلام المصرية وبحث عن بدائل توفر له محتوى مختلف ومقنع وجاذب، بغض النظر عن مصداقيته وموثوقيته ودقته.

فيما يمكن أن نعتبره إقرارًا ضمنيًا من السلطة بأخطائها في ملف الحريات العامة والحريات الصحفية، أشارت الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أعلنها الرئيس عبد الفتاح السيسي في سبتمبر/أيلول الماضي إلى أن "وسائل الإعلام المصرية ورغم تنوعها إلا أنها لا تعكس بالقدر اللازم تعددية الرؤى والآراء".

أعادت الاستراتيجية التأكيد على ما جاء في مواد دستور 2014 من حق المواطنين في التعبير عن رأيهم بكل الوسائل، وحقهم في الحصول على المعلومات ونشرها، وشددت على استقلالية الصحف ووسائل الإعلام، وحظر فرض الرقابة عليها إلا في زمن الحرب والتبعئة العامة، وحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي تقع عن طريق النشر والعلانية.

ووضعت الوثيقة عدد من النتائج المستهدفة على رأسها إصدار قانون لتنظيم حق الحصول على المعلومات، وتعزيز مناخ حرية التعبير والتعددية وتنوع الآراء إزاء مختلف القضايا العامة، ومراجعة القوانين القائمة لضمان كفالة ممارسة الحق في التعبير عن الرأي.

واضعو الوثيقة أشاروا إلى أنها تمثل ترجمة لقناعة وطنية ذاتية بضرورة اعتماد مقاربة شاملة وجدية لتعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتعهدوا بأن تكون تلك الاستراتيجية "خارطة طريق وطنية طموحة في مجال حقوق الإنسان"، مؤكدين أن "الشعب المصري الذي قام بثورتين في عامي 2011 و2013 مطالبًا بالإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبإعلاء قيم الحرية والكرامة والإنسانية والعدالة الاجتماعي"، يستحق أن نحقق له آماله وأحلامه.

مرت أكثر من أربعة أشهر على بداية عام 2022 الذي اعبتره الرئيس السيسي "عام المجتمع المدني"، ومع ذلك لم يشهد ملف الحريات العامة والحريات الصحفية تطورا ملحوظًا، اللهم إلا إخلاء سبيل عدد من المحبوسين على ذمة قضايا رأي، كان آخرهم الزميل الصحفي حسام مؤنس بعد ساعات من حفل إفطار الأسرة المصرية الذي حضره وللمرة الأولى عدد من رموز المعارضة المصرية، وبعدها بساعات أُطلق سراح الزملاء عامر عبد المنعم وعمرو عابدين وهاني جريشة.


اقرأ أيضًا| هكذا تحجب مصر المواقع المستقلة
تصميم: المنصة


الرئيس السيسي جدَّد في كلمته بهذا الحفل تعهداته بإعادة النظر في بعض السياسات الخاصة بملف حقوق الإنسان والحريات، ودعا إلى إدارة حوار سياسي حول أولويات العمل الوطني خلال المرحلة الراهنة مع كل القوى السياسية "دون استثناء أو تمييز".

تخفيف القيود عن الصحافة ورفع قبضة الدولة عن المؤسسات الصحفية وإعادة النظر في كل ما جرى خلال السنوات السبع العجاف، شرط من شروط إنجاح الحوار السياسي الذي دعا إليه السيسي، وقاعدة أولية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، فبدون صحافة حرة تراقب أعمال مؤسسات الدولة وكيلًا عن المحكومين وتنقل صوت الشعب وأنينه وردود فعله إلى الُحكام لن ترفع قواعد "الجمهورية الجديدة" التي يتم التبشير بها في الشهور الأخيرة.

إذا كانت السلطة مؤمنة بفتح صفحة جديدة لإعلاء وتعزيز ثقافة حقوق المواطن وحرياته الأساسية، وجادة في ذلك، فعليها وضع أزمة حرية الرأي والتعبير على أجندة الحوار السياسي الذي أعلنه الرئيس السيسي.

وإذا كانت ظروف البلاد فرضت عليها خلال السنوات الماضية تقييد هذا الحق ومصادرته، بحسب وجهة نظر السلطة، فتلك الظروف انتهت أو كادت بحسب ما أقر السيسي خلال كلمته في حفل إفطار الأسرة المصرية "بيقولولي طب أعلن بقى إن سيناء أصبحت خالية من الإرهاب، أنا بقول لما نخلص إزالة العبوات الناسفة والمتفجرات اللي كانت موجودة، واللي حطوها في حتت كتير من رفح والشيخ زويد والعريش، نقدر ساعتها نعلن إنه تم تطهير أو انتهاء الإرهاب في سيناء".

الشروع في إنفاذ نصوص باب الحقوق والحريات بالدستور، ومواد الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان الخاصة التي اعتبرتها السلطة "خارطة طريق طموحة" وتعهدت بتنفيذ ما جاء فيها، هو بداية أي إصلاح سياسي.

حددت الاستراتيجية ستة نقاط على سبيل الحصر لحلحلة معضلة حرية الرأي والتعبير:

1- صدور قانون لتنظيم حق الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات الرسمية وتداولها.

2- تعزيز مناخ وثقافة التعددية وتنع الآراء والرؤى إزاء مختلف القضايا العامة.

3- مواصلة جهود الدولة لحماية الإعلاميين والصحفيين أثناء تأديتهم لعملهم فى إطار الدستور والقوانين المنظمة لذلك.

4- تعزيز الحق في ممارسة حرية التعبير عن الرأي والتصدي لأية انتهاكات فى إطار الدستور والقوانين المنظمة لذلك، والمراجعة الدورية لتلك القوانين لضمان كفالة ممارسة هذا الحق وفقًا للدستور والتزامات مصر الدولية.

5- إصدار مدونة سلوك شاملة لكافة أوجه المجالات الإعلامية والصحفية، ومن بينها الإعلام الرقمى ومواقع التواصل الاجتماعى، بما يضمن تنظيم ممارسة حرية التعبير دون التعدى على حريات الآخرين، والاستفادة من التجارب الدولية وفقا للدستور والتزامات مصر الدولية.

6- رفع الوعي المجتمعي بأهمية حرية التعبير، وعقد تدريبات لممارسي الصحافة والإعلام بحدود تلك الحرية وصور الخروج عنها.

إطلاق سراح عدد من الصحفيين والمحبوسين على ذمة قضايا رأي، خطوة إيجابية يمكن البناء عليها، وفي انتظار خطوات أخرى تغلق ملف المحبوسين نهائيًا، وتعيد النظر في ترسانة القوانين السالبة للحريات في قضايا، والتشريعات واللوائح المقيدة لحرية الصحافة، وتنهي الرقابة المسبقة على المحتوى الإعلامي، لفتح الباب أمام "انتقاد القائمين على العمل العام باعتباره حقًا مكفولًا لكل مواطن حتى لو تضمن هذا النقد شططًا أو انحرافا"، بحسب الحكم التاريخي للمحكمة الدستورية العليا الذي اصدره المستشار عوض المر عام 1995.

حكم الدستورية المشار إليه شدد على أن التمكين لحرية عرض الآراء وتداولها بما يحول دون إعاقتها، أو فرض قيود مسبقة على نشرها، هى حرية يقتضيها النظام الديمقراطى، وغايتها النهائية الوصول إلى الحقيقة.

وأضاف الحكم أن "تقويم اعوجاج السلطة ومحاسبتها ومساءلتها وإلزامها مراعاة الحدود والخضوع للضوابط التى فرضها عليها الدستور حق وواجب"، مؤكدًا أن إجراء حوار مفتوح حول المسائل العامة ضمانة لتبادل الآراء على اختلافها، "على الحكومات أن تتفاعل مع ما يجول فى عقول المواطنين من أفكار"، محذرًا من أن حوار القوة هو إهدار لسلطان العقل، ولحرية الإبداع والأمل والخيال.. وهو ما يهدد فى النهاية أمن الوطن واستقراره.

استقرار البلاد وتفكيك أزماتها وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، يحتاج إلى حوار مع كل الأطراف، وكي يقنع المواطن بجدوى هذا الحوار يجب أن يكون مشاركًا فيه ومتفاعلًا معه، ولن يحدث ذلك ونوافذ التعبير وقنوات الاتصال لا تزال مغلقة وموصدة.