جزيرة الهريف. الصورة: محب سمير- المنصة

في ضيافة أم جرجس: دعوة للقاء عروس النيل وأكلة سمك في "الهريف الغربي"

في فجر شم النسيم، يتوقف جريان النيل للحظات قليلة قرب جزيرة الهريف الغربي، تلمسه عروس النيل القابعة أسفل النهر للسطح، فيصيب الماء سكونٌ تام كأنه تجمد، وهي اللحظة التي ينتظرها الشباب والرجال من كل عام ليلقوا بأنفسهم في النيل، كأنه طقس سِحري للتعميد بمياهه، لكن تلك اللحظة بالذات في عرف أولئك الفلاحون وأهل الجزيرة مقدَّسة، يحوز من يغتنمها حصانة سنوية من الأمراض، وفرصة ذهبية لرؤية عروس النيل التي ستمنحه قوة خارقة، وذلك إذا كان جسده أول الأجساد التي تلامس المياه.

يحكي عماد يعقوب، ابن قرية البرشا بمحافظة المنيا، الأسطورة بينما يصب كوب شاي من الدوكسية (كنكة كبيرة) التي اسودّت من حطب الركية (الموقِد) المشتعل أسفلها، والتي يبدو عمرها قريب من عمر والده عم يعقوب بولس السبعيني، الذي يجمع في جلسته الأبناء والأحفاد والأقارب في يوم كهذا، وكل من مر عليهم وألقى السلام، ليشربوا الشاي.

عماد يعقوب يحمل إبريق شاي بعمر والده- الصورة: خاص المنصة

يقول عماد للمنصة "كنا نتسابق كلنا يومها علشان اللي يلحق يشوف عروس النيل، ويبقى ممسوس ويقدر يشيل أو يجر أي حاجة تقيلة، ويفضل الشباب الصغير يتحسّس عضلاته طول اليوم وينتظرها تكبر. ودلوقتي الأجيال اللي طالعة ما تعرفش القصة دي عن الجزيرة".

من بين عشرات الجزر المنتشرة بطول نهر النيل في مصر، تأتي جزيرة البرشا، المعروفة باسم الهريف الغربي، كواحدة من أكبر الجزر الزراعية في نيل مصر، بمساحة تقترب من 600 فدان، يتملكها ويستصلحها فلاحي قرية البرشا، الواقعة شرق نيل ملوي قبالة الجزيرة، لكن ثمة مجتمع صغير نشأ هنا منذ سنوات عديدة، وإن تناقص عدده لصالح العيش في القرية من الأجيال الجديدة، التي تولد على الجزيرة، ثم تنتقل منها بعد الزواج لتأسيس أسرة في قرية البرشا أو في صحرائها الممتدة شرقًا. وقد صل عدد الأسر المقيمة حاليًا إلى خمسين أسرة فقط، بحسب السكان الذين تحدثوا إلى المنصة.

يتداول الفلاحون هناك أن "الهريف" هي الأرض الزراعية التي تقع أسفل جسر، وهنا في البرشا يوجد الهريف القبلي، والبحري، والهريف الغربي، التي تمثل أرض الجزيرة. يقول يعقوب بولس، الذي عاش في الجزيرة أكثر من حياته في وسط بيته في القرية، إن "الهريف الغربي أكبر جزيرة عليها فلاحين في مصر"، لكنها بحسبه لم تكن هكذا منذ البداية قبل أن يطرح النهر بَركته على الفلاحين "الجزيرة في الأول خالص ماكنتش ييجي 200 فدان على بعض، بس مع الطمي اللي بيطرحه النيل على مدار السنين واستصلاح أرض الهيش والغاب اللي كانت محاوطة الجزيرة، وصلت للمساحة الحالية، وكلها مزروعة والفلاحين بتربي بهائمها عليها وأغلب الفلاحين بييجوا بحميرهم الفجر من شرق ويعدوا بالمركب على الجزيرة، ويعودوا لبيوتهم مع المغرب. تاركين أحواشهم وبهائمهم وأرضهم دون خوف عليها".

صورة لاستعادة الطفولة

الشباب يتأهبون للقفز في النيل- الصورة: خاص المنصة

فوَّت شنودة غطسة النيل في شم النسيم لأربع سنوات، بسبب ظروف عمله خارج مصر، التي منعت جسده أن يلامس مياه النهر، لكنه هذا العام خلع ملابسه بسعادة طفل وقفز في الماء، قبل أن يشير لنا لنلتقط له صورة للذكرى، قبل أن يخرج سريعًا من الماء، متأسفًا على فعل الزمن بركبتيه، ويخبر المنصة أن لديه إصابة في الرباط الصليبي، تمنعه من السباحة في النهر كما اعتاد طفلًا.

يقول شنودة "فاضل أكلة البلطي المشوي وشوية الفريك ويبقى كل سنة وأنت طيب".

يعتبر شم النسيم بداية موسم قصير جديد لبيع أسماك البلطي، من الصيادين المنتشرين بقواربهم الصغيرة حول الجزيرة، في انتظار إشارة ليرسوا على الشاطيء، ويبيعوا لك أشهى سمك بلطي نيلي، كما يصفه حنا بائع السمك الذي اتفق معه شنودة على "شروة سمك" لوجبة شم النسيم المعتادة لأسرته الكبيرة، من أشقاء وزوجاتهم والأجداد والأحفاد، يتناولونها أسفل شجرة التوت العملاقة، التي تركها شنودة لأربع سنوات مدة غربته في قبرص".

في ضيافة أم جرجس

أسرة أم جرجس- الصورة: خاص المنصة

أم جرجس سيدة الدار هنا؛ تدخل وتخرج حاملة أطباق الطعام التي تعيد ملأها لكل من يدخل ويشارك الجلسة وسط عائلتها، فيما يجهز الشباب من حولها حفلة شواء نهارية بفحم شجرة العنب، التي تظلل أغصانها الكبيرة تعريشة عملاقة تتدلى منها العناقيد النابتة، بجوار غرفتين صغيرتين بناها عم سام زخاري، زوجها الذي ظل طوال العام يزرع ويحصد وينظف ويحلب البهائم ويصنع الجبن البرشاوي الشهير مثل كل الفلاحين هنا، لكنه اليوم يعتبر نفسه ضيف زوجته أم جرجس، ويجلس هو ليتسامر مع أفراد العائلة، ومع أولاده الذين عادوا للقرية في إجازة قصيرة من أعمالهم في القاهرة وشرم الشيخ والغردقة. فيما راحت النساء تساعد أم جرجس، التي زادت فرحتها عندما حضرت شقيقتها الصغرى حاملة رضيعتها الجميلة.

يقول أبو جرجس، الفلاح أبًا عن جد، إن أكبر مساحة على بعضها في الجزيرة مملوكة لعائلة الحاج الدرديري، ومن بعده ولده الأستاذ أحمد الدرديري، لكن عائلة الجميانية وفلاحيها لهم المساحة الأكبر مقسمة على أفراد العائلة.

ويضيف للمنصة "العيشة على الجزيرة دنيا تانية، بعيد عن الناس والعربيات والزحمة، علشان كده سبحان الله تلاقي زرعها أحسن ولبن بهائمها ولحم عجولها هو الأفضل في الشرق كله، وناس كتير من البلد والبلدان التانية بياكلوا من خيرها، ومشهورة بكرم الضيافة، خصوص في موسم شم النسيم، لأننا عارفين الناس ما بتصدق تيجي هنا يوم في قلب سنة، علشان كده تلاقي كل الغيطان والبيوت والمقاعد مفتوحة للكل، وما حدش بيضايق حد ولا يزعجه".

صياد يحمل أسرته في قارب راس على الشاطئ- الصورة: خاص المنصة

وهو ما يجعل الفلاح العجوز يتمنى في الوقت نفسه أن يهتم الأمن والحماية المدنية بالمراسي والحركة لدخول الجزيرة والخروج منها "آلاف الشباب والأسر اللي بتيجي، وممكن لا قدر الله تحصل حادثة غرق أو مشاجرة بين الشباب صغير السن".

تدخل أم جرجس، مع إحدى بناتها التي يبدو عليها الحمل، تحملان أطباق السوداني والترمس و صينية شاي عملاقة، ثم تضيف "كفاية منظر الشباب اللي يفرح وفرحة العيال الصغيرة، والناس اللي أما تيجي النهارده هنا يا عيني محرومين طول السنة من الفسحة، حتى إحنا مش بنيجي هنا غير من السنة للسنة".

تمزح ناردين الخالة الشابة مع ابن شقيقتها الذي يقترب عمره من عمرها، وتحذره أن يقول لها يا "خالتي"، وتقول للمنصة "ماكنتش أعرف إن فيه مكان زي الجزيرة كده وإحنا أهل البلد مانعرفش عنه حاجة. وبقالي 5 سنين دلوقتي كل شم نسيم بقضيه هنا مع أختي وأولادها وأحفادها. لكن أول مرة أجي مع بنتي اللي عمرها 4 شهور، وأصر والدها أن يحميها في مياه النيل، تيمنًا بهذه المناسبة".

ملتقى للفن أيضًا

تمتلئ الجزيرة بالغرف البسيطة والأحواش، بينما ترتفع الأرض المزروعة فوق جسر دائري يعلو ويهبط، يشقه طريق صغير للحمير المحملة بالبرسيم أو الغلال بعد حصادها لتنزل ويتم تحميلها في المراكب وبيعها شرقًا في القرى أو غربًا في أسواق مدينة ملوي.

صياد يجلس في قاربه- الصورة: خاص المنصة

إبراهيم جاب الله فلاح سبعيني، لكنه بجوار زراعة الأرض يصنع الجبن الضاني، الذي يشتري لبنه من فلاحي الجزيرة ثم يعبئها في صفائح، وبيعها في أنحاء الجمهورية، على حد وصفه، ويساعده ولديه حنا وإسحق في التجارة والزراعة.

لكن شهرة عائلة جاب الله في الجزيرة تأتي من كونها الأسرة التي تستضيف الفنانين والمصورين والأجانب، الذين يأتون إلى الجزيرة طوال العام، بدأ الأمر عندما حضر فنان تشكيلي بصحبة عروسه لقضاء أسبوع "العسل" على الجزيرة، منذ سنوات قليلة مضت، ما أثار استغراب بعض الفلاحين وقتها. لكنهم تعودوا الآن بعد أن تحول بيته الصغير في الجزيرة إلى مزار طوال العام تقريبًا.

يقول جاب الله للمنصة "زمان كانت العيشة على الجزيرة صعبة، ومافيش طرق ولا مراكب كفاية، والفلاحين هما اللي عملوا الطرق واشتروا المراكب الكبيرة اللي ملك لكل الفلاحين، ده غير القوارب الصغيرة اللي عند فلاحين كتير يتسخدمونها لعبور الأفراد القليلة. ويعلق على زيارة الفنانين والمصورين للجزيرة بقوله "كل اللي ييجي بينهبر بالمكان وأنه محافظ على طبيعته، ويعتبر محمية طبيعية، ماحدش يعرف عنها حاجة في مصر، الناس بتيجي تصور وتاكل بتاو وجبنة ويشربوا من القدرة، ويشووا سمك ويستحموا في النيل واللي بيقدر يبات يبات، ودي قصة تانية".