جرافيتي لماركيز في مدينة قارطاجنة بكلوموبيا- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

يد في لياقتها الكاملة: ماركيز صحفيًا

وصف جابريل جارثيا ماركيز الصحافة بأفضل مهنة في العالم، ولم ينقطع حتى بعد فوزه بجائزة نوبل بعقود عن العمل بها، وكان يعتقد أن القصة التي يحكيها الصحفي هي أيضا عمل أدبي مماثل للرواية والقصة القصيرة والشعر، فقد كان ماركيز صحفيًا من الطراز الأول قبل أن يكون روائيًا عظيمًا، وكذلك عدد كبير من كتاب أمريكا اللاتينية، الذين كان ارتباطهم بالصحافة المكتوبة جزءًا لا يتجزأ من روافد الأدب وتطوره في تلك القارة منذ نهايات القرن التاسع عشر.

بدأ ماركيز مشواره كصحفي بالكتابة تحت الاسم المستعار سيبتيموس، ونشر في الفترة من يناير 1950 حتى ديسمبر 1952، قرابة 400 مقال، تشكل فيها أسلوبه، ففضلًا عن البلاغة والسخرية، تميز ماركيز باستخدام عنصر المفاجأة في سرد الأحداث وبميله إلى دمج المعلومة المتخيلة والشعبية والمضادة بالمادة الواقعية، متحديًا التغطيات الصحفية الرسمية التي تمليها السلطة السياسية أو القوى صاحبة المصالح المسيطرة محليًا ودوليًا.

أثر القنبلة

توضح الدكتورة هبة العطار في مقدمة ترجمتها لـكتاب بلا قيود الذي يضم عددًا من المقالات التي نشرها جابو في الفترة من 1974 إلى 1995، جذور تأثر أدب أمريكا اللاتينية بالصحافة الأدبية، وهو أسلوب شبيه بما عرف على يد مبدعي الأدب الأنجلوسكسوني باسم الصحافة الجديدة، الذي اشتهر في ستينيات القرن الماضي على يد أسماء مثل توماس وولف وترومان كابوتي في الولايات المتحدة، ويتميز باستخدام استراتيجيات النثر المتطورة في السرد والاعتماد على أسلوب الريبورتاج الذي يتيح للكاتب فرصة جمع عدد كبير من المعلومات الموثقة، ثم سردها بأسلوب أدبي يسمح له بترتيب الأحداث على شكل رواية، لكن دون أن يتعارض مع حقيقة الوقائع التي جمعها، وهو الأسلوب الذي جذب مبدعي الثقافة الأسبانية وأمريكا اللاتينية مع اختلاف جوهري يميل إلى دمج المتخيل مع ذلك الواقع، وهي الموجة الإبداعية التي وصفت بالـBoom نظرًا لأثرها المدوي عبر الصحافة لا الرواية.

تطور ذلك النوع على يد كتاب من القرن التاسع عشر، نتيجة عاملين رئيسين: الحداثة ومقاومة النظم القمعية لكنه بلغ ذروته على يد ماركيز وكارلوس فوينتس ويوسا وغيرهم، كما تشرح العطار في مقدمة كتابها، الذين برع أغلبهم في الكتابة الصحفية بقدر نبوغهم في كتابة الرواية، بل أن يوسا يعزي للصحافة الفضل في انهمار فيض إبداعه الأدبي، وتحديدًا حوار في الكاتدرائية التي يعدها من أهم أعماله، وما كانت لترى النور، وفقًا ليوسا، لولا تجاربه الصحفية.

هناك خمسة نماذج تجسد امتزاج أسلوب ماركيز الصحفي بأسلوبه القصصي الروائي وهي بحار السفينة المحطمة، التي ترجمت إلى العربية تحت عنوان حكاية غريق وقصة موت معلن ومغامرة رجل مستتر في تشيلي ورواية خبر اختطاف، والحب وشياطين أخرى والجامع في الكتب الخمسة أنها اعتمدت في الأساس على مواد حقيقية.

غلاف رواية بحار السفينة المحطمة

نشرت رواية بحار السفينة المحطمة للمرة الأولى عام 1955 في 14 جزءًا في جريدة إل إسبيكتادور، مستلهمة من حادث غرق سفينة حربية، وكان الناجي الوحيد على متنها هو البحار لويس فيلاسكو، وكان ماركيز حينها صحفيًا مغمورًا. كانت الرواية الرسمية التي أذاعتها السلطات الكولومبية عن الحادث، أن السفينة تعرضت لعاصفة تسببت في جنوحها وغرق أفراد طاقمها عدا فيلاسكو الذي صارع الموت لمدة عشرة أيام متواصلة حتى تمكن من الوصول إلى شاطئ مدينة كارتاخينا، وعندما ذاع خبر نجاته احتفت به وسائل الإعلام في بادئ الأمر وبالرواية الرسمية، تمكن ماركيز من إجراء حوار معه في ست ساعات كاملة، تعمد خلالها أن يطرح عليه أسئلة مركبة ومتناقضة كي يقف على حقيقة ما حدث.

يقول الصحفي الكولومبي كونرادو زولواجا في كتابه ماركيز لن أموت أبدًا، إن جابو تمكن عبر ذلك الحوار أن يظهر أن المدمرة البحرية لم تغرق بسبب العاصفة، بل تخبطت بسبب رياح شديدة، ولأن جزءًا من الحمولة لم يكن مربوطًا بشكل جيد، سقط في البحر وتبعه فيلاسكو وسبعة من زملائه، انتهى بهم الأمر إلى الغرق ونجاته بمفرده.

كشف ذلك الاعتراف نقاطًا خطيرة: تحميل بضائع منزلية مهربة كثلاجات وغسالات وخلافه على مدمرة حربية، أدى لزيادة الحمولة فلم تتمكن السفينة من المناورة لإنقاذ بحارتها.

نشرت الجريدة التقرير على أربعة عشر جزءًا بعد شهر من وقوع الحادث، وكتب بصيغة المتكلم على لسان لويس فيلاسكو وموقعًا باسمه كأنه من كتبه، لكن في الحقيقة أن ماركيز هو من فعل ذلك.

بسبب ذلك التقرير الذي فضح تورط البحرية في تهريب سلع بالمخالفة للقانون بيعت أعداد الجريدة بالكامل طوال الأسبوعين الذي نشر فيهما.

اضطر فيلاسكو عند نشر الحوار إلى أن يستقيل من البحرية ويتوارى عن الأنظار، أما الصحيفة، فاضطرت إلى إرسال ماركيز خوفا من السلطات إلى باريس ليكون مراسلها في أوروبا، أو منفاه في باريس على حد وصفه.

نشرت الرواية باسم مؤلفها الحقيقي عام 1970، علق ماركيز على الموضوع حينها قائلًا "كانت مشكلتي الأدبية الوحيدة هي أن أجعل القارئ يصدق أن ما حدث كان حقيقيًا".

أما العمل الثاني الذي يتجلى فيه تأثير الحس والأسلوب الصحفي فهي الرواية الشهيرة قصة موت معلن التي نشرت عام 1981، والتي اعتمدت بأكملها على دقة الاستقصاء الصحفي وتوثيق الوقائع مما مكن جابو من تصوير الواقع الكولومبي ببلاغة، وحملت نقدًا لاذعًا للمجتمع، فواقعة قتل سانتياجو نصار في الرواية الذي نعلم أنه سيقتل من السطر الأول، مستلهمة من جريمة حقيقية حدثت بالفعل عام 1951، قتل خلالها شخص يدعى كايتانو خنتيل، وكانت خطيبته تدعى ليديا نصار، فاستوحى ماركيز اسم عائلتها عند رسمه لشخوص الرواية.

مغامرة ليتين

غلاف رواية قصة موت معلن

يسترعي انتباه هبة العطار حقيقة أن تصوير واستجلاء تلك الجريمة لم يكن دافع ماركيز الوحيد لكتابة الرواية، بل تصوير ذلك التوجس من المهاجرين ذوي الأصول العربية اللذين توافدوا بأعداد ضخمة إلى أمريكا اللاتينية، منذ أواخر القرن التاسع عشر، وهي الأصول نفسها التي تحملها الضحية في الرواية وفي الواقع، وقد بلغ هؤلاء المهاجرون مكانة اقتصادية قوية بكولومبيا خاصة في مجالي تجارة الماشية والنسيج، بل وصاروا مشاركين في الأحزاب السياسية حتى أصبح أحدهم ويدعى جابرييل طرباية زعيمًا شهيرًا من خلال الحزب الليبرالي الكولومبي ، وأسفر الصراع بين هذا الحزب ونظيره المحافظ عن اندلاع حرب أهلية شرسة في الفترة التاريخية نفسها التي تقع خلالها أحداث الرواية، مما يفسر من وجهة نظرها سبب تدخل أهل القرية للحيلولة دون مقتل نصار إدراكًا منهم لهويته العربية، وتستدل بذلك على المسدس الذي كان يخفيه تحت وسادته أثناء نومه أسوة بوالده، مما يشير إلى خوف دفين على أرواحهم.

غلاف رواية رجل مستتر في شيلي

أما الرواية الثالثة فهي رجل مستتر في تشيلي، وهي عمل غير معروف للقراء العرب، وكتبت كتحقيق صحفي حول فيلم سينمائي نفذه المخرج التشيلي من أصل فلسطيني ميجيل ليتين الذي رشحت أعماله مرتين لجائزة الأوسكار ومرتين أخريين لمهرجان كان السينمائي، وكان ليتين نفي إلى المكسيك ضمن خمسة آلاف مواطن تشيلي أمر الديكتاتور بينوشيه بنفيهم خارج البلاد، لكنه عاد متنكرًا تحت هوية مزيفة، وقام بتغيير مظهره مكونًا فريق عمل سينمائي من أربع جنسيات مختلفة، واستخرج تصريحًا من الجهات الرسمية في تشيلي للسماح له ولفريقه بتصوير فيلم تسجيلي عن الحياة هناك، وبينما كانت فرق العمل تتظاهر بالقيام بالمهمة المعلنة كان ليتين يدير الكاميرا لالتقاط صور محددة تظهر القمع السياسي وتدهور الأحوال الاجتماعية والمعيشية في البلاد، فخرج ذلك الفيلم التسجيلي بعنوان البيان التشيلي وكان بمثابة تحقيق صحفي أثبت بالصوت والصورة الممارسات الفاشية لنظام بينوشيه، وتمكن من الهرب به خارج البلاد، وشارك به في عدة مهرجانات عالمية متسببًا في فضيحة مدوية للنظام القمعي هناك.

أما ماركيز، فرأى بحسه الصحفي أن مغامرة ليتين نفسها تستوجب التجسيد عبر الكتابة وأن أبعاد تلك التجربة إنسانيًا لا تقل أهمية عن موضوع الفيلم الذي أخرجه.


اقرأ أيضًا| صالح علماني.. لمَّا حكى ماركيز ورفاقه العربية


أما الرواية الرابعة فهي خبر اختطاف يذكر زولواجا في كتابه ماركيز لن أموت أبدًا، أنه في عام 1993 تقابل مع ماروخا باتشون وزوجها ألبرتو بياميثار، واستمع إلى قصة اختطافها عام 1990 طبقًا لتعليمات وأوامر تاجر المخدرات بابلو إسكوبار، وكان هما من اقترحا عليه أن يكتب القصة. في البداية استمر المشروع دون أي إعلان مسبق كي لا يتدخل أي شيء في بحوثه ومقابلاته. لكن مع حلول سبتمبر/أيلول 1995 بعد مرور أكثر من 15 شهرًا من العمل المكثف، وافق ماركيز على مقابلة مسجلة مع روبرتو بومبو في الراديو ونشرت تفاصيل هذا اللقاء في صحيفة أل تييمبو:

  • لم اخترت أن تعود إلى الصحافة بموضوع معقد مثل خطف الصحفيين، على الرغم من أن الجميع يعلم كيف كانت النهاية؟
  • أنا لم أختر موضوع خطف الصحفيين، بل هو الذي اختارني، إنه شيء يحدث في كل من الأدب والصحافة. المهم هو أنني أشتاق إلى مهنة الصحافة بعد مرور كل هذه الأعوام، لأنني دائمًا ما اعتبر أن مهنة الصحافة هي عملي الأساسي.

فجأة في يوم أخبرتني ماروخا باتشون وزوجها ألبرتو بياميثار، أنهما يرغبان في أن يكتبا هذه القصة، لكنهما كانا يدركان أنهما ينقصهما المهارة الأدبية الكافية. خلال هذا العام الذي وافق هروب إسكوبار ثم مقتله فكرت في الموضوع، أدركت أن أكثر ما يهم في هذا الكتاب أو على الأقل الأكثر أهمية هو موضوع الاتجار بالمخدرات ذاته، ما يهم هو أن الناس لا يدرون شيئًا عما يحدث خلال عمليات الخطف.

استغرق ماركيز في عمل مكثف استمر ثلاثة أعوام تالية لجمع كل المستندات من كل الأنواع والكثير من التسجيلات الصوتية، ومقابلة مئات الشخصيات، حتى توصل إلى الهدف الذي يجب أن يدور حوله الكتاب، عندما أصبح لديه أكثر من 700 صفحة، قرر حينها أن عليه أن يعيد الكتابة، وكان ذلك الهدف بسيطًا وحاسمًا "ما أود أن يدركه الكولومبيون عند قراءة هذا الكتاب أن ما وصف فيه لا يجب أن يحدث مرة أخرى في كولومبيا".

غلاف رواية عن الحب وشياطين أخرى

أما الرواية الخامسة، فهي الحب وشياطين أخرى التي نشرها عام 1994، واستوحاها من عملية استخراج جثث وسط أقبية دير سانتا كلارا في مدينة كارتاخينا حضرها بنفسه عندما كان صحفيًا شابًا عام 1949.

قتل الكاتب

في عام 1991، أنشأ ماركيز مع بعض أصدقائه الصحفيين مشروع وكالة قومية لبث الأخبار على التليفزيون، وأسس برنامجًا إخباريًا مستقلا، جذب المشاهدين في البداية، لكن انتهى به الأمر إلى التصادم مع السلطة وذوي النفوذ عندما استنكر برنامجه الفساد الحكومي المستشري، وانتقد صلات السياسيين والبرلمانيين بتجارة المخدرات.

وسئل في حوار صحفي حين أنشأ الوكالة عما إذا كان سيكون لديه الوقت الكافي كي يكتب، فقال "لم أتوقف عن الكتابة ولو ليوم واحد، كل يوم من التاسعة صباحا وحتى الثانية بعد الظهر. لم أتوقف يوم واحد مع أو من دون الأخبار، مع أو من دون الزلازل، عندما بدأت الاهتمام بالعمل الصحفي قالوا لي: الصحافة ستقتل الكاتب، عندما أبديت اهتمامًا بالسينما قالوا: احترس، السينما تقتل الكاتب، الآن يحاولون إخباري أن الانشغال بالتقارير الإخبارية سوف يتقتل الكاتب داخلي، أنا حي كل يوم؛ لأني أكتب كل يوم".

كان ماركيز أيضًا يستخدم الكتابة الصحفية للحفاظ على ما أسماه "لياقة الذراع"، يقول "عندما بدأت في كتابة رواية سرد أحداث موت معلن، عام 1979، تأكدت من حقيقة أنه عند التوقف بين كتاب وآخر أني أفقد عادة الكتابة، وأواجه صعوبة كبيرة في كل مرة أبدأ فيها مشروعًا جديدًا، لذلك بدأت في الفترة ما بين أكتوبر 1980 وحتى مارس 1984 في تدريب نفسي عن طريق كتابة عواميد صحفية في صحف من دول مختلفة كنوع من الانضباط كي أحافظ على لياقة ذراعي".

ظل ماركيز طيلة حياته صحفيًا بامتياز، ولعل أكثر ما يؤكد علاقته بالصحافة هو تأسيسه مؤسسة جابرييل جارسيا ماركيز للصحافة في كولومبيا، وهي مؤسسة تعمل على دعم الصحافة والمعايير المهنية والإبداعية المتعلقة بها وتطويرها ورعايتها في كل بلدان أمريكا اللاتينية، وأعدت تلك المؤسسة كتابًا صدر في عام 2014 بعنوان الصحفي جابو، ويحوي دراسة أعدتها كوكبة من أبرز الكتاب والصحفيين في أميركا اللاتينية، عن الخصائص المميزة لكتابات ماركيز الصحفية ومنها استعاراته البلاغية الخصبة وسخريته اللاذعة.