مظاهرة ضد ماكرون- الصورة من فليكر برخصة المشاع الإبداعي.

الانتخابات الفرنسية بين اليمين واليسار: لماذا ماكرون هو الأقرب؟

لا يبدو أن فرنسا في انتظار تغيرات عميقة خلال المشهد الانتخابي الجاري، بالنظر إلى فرص الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، التي تفوق فرص منافسيه، سواء أقربهم وهي مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو المرشح اليساري صاحب الشعبية الأكبر بين الفرنسيين من أصول عربية وإفريقية جان لوك ميلانشون، الذي يعد الوحيد من بين المرشحين، الذي يعبأ بحقوق الطبقات الأفقر في فرنسا التي شهدت انتفاضة السترات الصفراء قبل أعوام.

ويعكس هذا الفيديو، مدى تهميش القضايا العمالية والاجتماعية لدى المرشحين، حيث يبرر إيريك زيمور، مرشح اليمين المتطرف، لفرد في حملة المنافس ميلانشون، اقتراحه لتمديد سن المعاش إلى 64 سنة بمثل شعبي فرنسي "العمل شيء صحي".

ويثبت هذا ببساطة أن زيمور، مثل كل مؤيدي الرأسمالية، لا يرى أي ضرر في العمل الشاق، وأنه من المنطقي إذا تمديد سن المعاش. لكنه يغفل أن العمل في مصنع أو منجم (حتى في فرنسا) ليس مثل العمل في مكتب صحفي أو في قناة تليفزيونية، كما كان يعمل زيمور قبل ترشحه لتحليل الأوضاع السياسية، والحصول على راتب يصل إلى آلاف اليوروهات بل عشرات الآلاف.

وليس ذلك التهميش للقضايا العمالية والاجتماعية من المنافسين ما يمنح ماكرون تميزًا، خصوصًا بالنظر إلى إدارته للاقتصاد الفرنسي وقت أزمة كورونا. يذكرنا الاقتصادي توماس بورشي أن أهم إجراءات ماكرون قبل الأزمة كانت إصلاح ضريبة التضامن على الثروة، الذي يهدف إلى تقديم 4 مليارات يورو لأغنى 1% في المجتمع، والذين يملكون 25% من الثروة، ومع الجائحة دعمت الحكومة المستهلكين مع حزمة من الحوافز، ولكن في نفس الوقت لم تفعل الكثير لمن يعيشوا في أسوأ الظروف، حيث كان دعمهم يمثل 0.8% من خطة الدعم الحكومي، ودعمت أيضًا الشركات مع خفض الضرائب على الإنتاج".

ويحذر بورشي "ستكون هناك إصلاحات "نيوليبرالية/ ليبرالية" أخرى قوية إذا أعيد انتخاب ماكرون، وهو يؤجل تلك الإصلاحات إلى ما بعد الانتخابات. فمثلًا سوف يتم تطبيق "إصلاح" التأمين ضد البطالة، وبعض التخفيضات في التأمين الصحي و"إصلاح" المعاشات. توقيف تلك السياسات الليبرالية شيء مؤقت فقط.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون- الصورة من فليكر برخصة المشاع الإبداعي.

ورغم فترة رئاسية أولى متوترة فإن ماكرون على وشك إعادة انتخابه، حيث حصل على 28% في استطلاعات الرأي في 27 مارس/ آذار الماضي، ولفهم السبب الذي يجعله الأوفر حظًا، لا بد من الرجوع إلى المشهد السياسي في فرنسا المنقسم بين يمين ويسار، دون إغفال دور الغزو الروسي لأوكرانيا، الذي صب في صالحه لأنه تمكن من تقديم نفسه على أنه قائد حرب ورجل دبلوماسي يمكنه حماية بلاده من "بوتين الديكتاتور".

يمين يسع النظام وبعض معارضيه

على الرغم من أن ماكرون كان ينتمي من قبل للحزب الاشتراكي قبل أن يؤسس حزب "الجمهورية إلى الأمام" ذو التوجهات الوسطية، فإن ذلك لا يبعده عن المعكسر اليميني. ومن أجل تفرقة اليمين من اليسار، سوف نستخدم التعريف البسيط للمفكر الماركسي الفرنسي السبينوزي(منهج فلسفي) فريديرك لوردون، الذي يقول "نسمع ألا يوجد بديل للنظام الرأسمالي، وخصوصًا في شكله النيوليبرالي، وهذا صحيح في إطار معين للبنيات الاقتصادية، لأن بالتأكيد مع كل الإجراءات النيوليبرالية التي مرت، لا يوجد بديل في داخل هذا الإطار. ولكن هناك دائمًا بديل، حيث يمكن الخروج من الإطار النيوليبرالي وإعادة تشكيله من جديد".

ويضيف المفكر الفرنسي أنه "بالنسبة لي الفرق بين اليسار واليمين هي في العلاقة بالإطار النيوليبرالي، اليمين هو المعسكر الذي يبقى داخل هذا الإطار، واليسار هو الذي يريد الخروج من الإطار وإعادة تكوينه. وبهذا المنظور، الحزب المسمى بالاشتراكي هو حزب يميني،
بل يمكن تسميته بالحزب اليميني المعقد نفسيًا (أي لا يعلن بوضوح عن اتجهاته اليمينية)، والبديل له داخل هذا الإطار هو اليمين الغير معقد نفسيا، (الذي يعلن بوضوح عن اتجهاته اليمينية).

وقد أطلق لوردون تعريفه هذا في العام 2016، أي أثناء حكم فرانسوا هولاند من الحزب الاشتراكي، وهو الوصف الذي يمتد ليشمل ماكرون أيضًا.

ويطلق المفكر فرنسوا بيجودو على هذا المعسكر ، الذي يبدأ من مرشح اليمين المتطرف إيريك زيمور، إلى الحزب الاشتراكي، بـ"الليبراليين السلطويين". وذلك لأن ماكرون، أو الحزب الاشتراكي (عندما كان في السلطة)، لم يترددوا في تمرير قوانين ليبرالية ونيوليبرالية وقمع الطبقات الوسطى والشعبية، ولا زال حاضرًا في الأذهان عنف الشرطة الفرنسية لحراك السترات الصفراء، وقمع اليسار عندما احتاج الأمر لذلك، رغم كل البروبجندا عن "يسارية الحزب الاشتراكي" أو "تقدمية ماكرون" وأنه رئيس شاب فوق المعسكرات السياسية، إلخ.

أما بالنسبة لليمين المتطرف واليمين التقليدي، فلا يخفيان جانبهما السلطوي، ولكنهما يزعمان، خصوصًا اليمين المتطرف الذي يمثله زيمور ولوبان، أنهما ضد النظام، وهو ليس النظام الرأسمالي بالتأكيد، فما يقصدانه هو نظام ماكرون، فالصراع الفكري بينهما في تفاصيل إدارة الرأسمالية الفرنسية، وفي مكانة فرنسا في العولمة الرأسمالية، ليس أكثر.

تفتت اليمين يخدم ماكرون

يفوق تفتت الطيف السياسي الآن ما كان عليه الوضع في انتخابات 2017، حين كان هناك ثلاثة مرشحين يمينيين مركزيين وهم، فرنسوا فيون، الذي يمثل اليمين التقليدي، وماكرون، ومارين لوبان كيمين متطرف.

الآن يترشح اثنان من اليمين المتطرف وهما زيمور، و مارين لوبان، بالإضافة إلى مرشحة يمينية تقليدية هي فاليري بيكرس، وماكرون، وآن إيدالجو، عمدة باريس ومرشحة الحزب الاشتراكي. والمرشحون اليمينيون المهمون الذين تجاوزوا الـ10% في استطلاعات الرأي هم: زيمور ولوبان وبيكرس وماكرون.

ورغم أن لوبان هي أقرب المنافسين لخوض جولة ثانية مع ماكرون في 24 أبريل/ نيسان الجاري، فإنها في وضع أصعب بكثير من 2017، للمرة الأولى هناك مرشح آخر على يمينها، ما أثر بالسلب على حملتها. فترشح زيمور أدى إلى استقطاب الجناح الأكثر راديكالية في حزب التجمع الوطني التابع للوبان. هذا الجناج المحبط من محاولتها تلميع صورتها، وتهدئة خطابها المعادي للمهاجرين والسكان الفرنسيين ذو أصول إفريقية أو إسلامية/ عربية، والمعادية للاتحاد الأوروبي، حتى إنها امتدحت الأفكار التنويرية وتحرير العبيد في خطاب في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

صورة من حملة لوبان- المصدر: صفحتها الرسمية على فيسبوك.

ومن المعروف أن جزءًا غير قليل من اليمين المتطرف الفرنسي والمعسكر الرجعي، يرفض الجمهورية والأفكار التنويرية والليبرالية السياسية، وإعلان حقوق الإنسان مثلًا. فبالنسبة للجناح الراديكالي داخل التجمع الوطني، هذه التهدئة ميوعة سياسية وبرجماتية مرفوضة بل تصل حد الخيانة.

تشدد نحو المهاجرين

وفي الوقت الذي تحاول فيه لوبان تلميع صورتها، فإن اليمين التقليدي ينزلق نحو تطرف الخطاب في مسألة الهجرة والهوية. فحسب هذا الفيديو، تحدث مرشحو "اليمين التقليدي" في مناظرتهم للانتخابات التمهيدية في 2016، 12 دقيقة تقريبًا عن الهجرة في مناظرة دامت ساعتين ونصف، أي حول 10% من المناظرة، أما في مناظرتهم للانتخابات التمهيدية 2022، تحدثوا حوالي ساعة وأربعون دقيقة عن نفس الموضوع في مناظرة دامت ثلاثة ساعات، أي أكثر من 50% من المناظرة، في مؤشر على مدى انزلاق "اليمين التقليدي" نحو الراديكالية في موضوع الهجرة.

حال اليمين الفرنسي "متطرف منقسم يستمر في راديكاليته، ونجح في تحقيق مكاسب على متسوى المعركة الأيديولوجية والثقافية، إلى درجة دفع يمين "تقليدي" إلى مزيد من التطرف فيما يتعلق بالهجرة و"الهوية الفرنسية"، في الوقت ذاته استمرارية في السياسات النيوليبرالية واستقرار ماكرون في استطلاعات الرأي، باختصار، أصبح المجتمع الفرنسي أكثر يمينية في السنوات الأخيرة وهذه العملية لن تتوقف خصوصًا مع استمرار أزمة الرأسمالية.

يسار أول مشاكله خوض السباق

هناك بالتأكيد حياة فكرية وثقافية يسارية قوية في فرنسا، لكن على المستوى السياسي البحت، نرى أن اليسار الفرنسي في وضع صعب فهو لا يهيمن سياسيًا أو حتى ثقافيًا مثل اليمين واليمين المتطرف. وأهم وجهة يسارية في السباق الرئاسي، جان لوك ميلانشون، رئيس حزب فرنسا الأبية الذي حصل على 14% في استطلاعات الرأي(في آخر مارس)، ويحتل المركز الثالث بعد ماكرون ومارين لوبان.

جان لوك مرشح اليسار خلال جولته الانتخابيه: المصدر صفحته على فيسبوك. 

توجد مشاكل كبيرة في حملة المرشح اليساري، أولها هو ترشحه نفسه، إذ يقول المحلل باتيست بونيل كان أمام ميلانشون فرصة ذهبية في انتخابات 2017 الرئاسية، باستغلال انهيار الحزب الاشتراكي ومنافسيه اليساريين الآخرين، ووجود العديد من النشطاء داخل حملته لخلق ديناميكية حقيقية وبناء حزب يساري حقيقي، ولكن سيضيع رئيس فرنسا الأبية تلك الفرصة لتكوين معارضة داخل البرلمان، وتحضير الانتخابات الرئاسية التالية.

ويستكمل كوتونتا وهو محلل سياسي آخر ، أنه على عكس ميلانشون، يهدف اليمين الكلاسيكي، حتى لو كان منقسمًا، حقًا إلى السلطة. ويستمر قائلا "الاستيلاء على السلطة لا يأتي فقط بالفوز في الانتخابات الرئاسية، حيث يجب أيضًا الفوز في المجالس البلدية والمناطق، وتكوين كوادر ومناضلين ومسؤولين منتخبين، وتكديس الموارد السياسية والرمزية والاقتصادية لمنع التفكك وتحضير مواسم السياسة الكبرى".

ويتابع "الآن قرر ميلانشون استهداف الانتخابات الرئاسية بمفرده، وعلى الجانب الآخر، لا تستهدف قوى اليسار الأخرى أي تحالف. باختصار، اليمين أكثر براغماتية من اليسار في الوقت الحالي وذلك منذ فترة".

وهاجس ميلانشون بالانتخابات يوضح مشكلة أخرى، وهي أنه إصلاحي؛ ليس فقط في برنامجه الانتخابي القريب من الكينزية (وهذه ليست مشكلة في حد ذاتها)، بل يمكن أخذ مثال أزمة السترات الصفراء، والتي تعتبر أهم انتفاضة شعبية فرنسية بعد 1968، للاستدلال على أنه شخص إصلاحي بامتياز. فعندما اشتد الحراك وتطرف سياسيًا ونادى بإقالة ماكرون، اكتفى ميلانشون بطلب حل البرلمان.

وهذا لا ينفي حقائق من أن ميلانشون هو الأكثر الشعبية في اليسار عمومًا، والأكثر شعبية بين السكان الفرنسيين ذو أصول إفريقية أو مغربية، حيث يمكننا قراءة أن ميلانشون يمثل 32% من نوايا التصويت للناخبين من أصل إفريقي (في الجولة الأولى) مقابل 27% لماكرون، وهذه النسبة هي الأعلى. علاوة على ذلك، إذا كان ميلانشون في الجولة الثانية ضد ماكرون، فإن نوايا التصويت للناخبين من أصل إفريقي في الاستطلاع تظهر أن ميلانشون سيفوز أيضًا بنسبة 51% من الأصوات.

ورغم فرص اليسار الضئيلة، فإنه لم ينجو من التفتيت، بمشاركة فيليب بوتو مرشح الحزب الجديد المضاد للرأسمالية، وناتالي أرتو مرشحة الحزب التروتسكي نضال عمالي، إضافة إلى ترشيح فابيان روسيل من الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي يعبر عن 3 لـ5% من الأصوات في استطلاعات الرأي، ما فتت أصوات ميلانشون، تلك المرة.

وفي ظل ما سبق، فإنه من الواضح أن ماكرون سيتم انتخابه ربما بعد جولة ثانية ضد مارين لوبان. وإذا فاز ميلانشون، وهذا شبه مستحيل، بالجولة الأولى من الانتخابات، وبالتالي واجه ماكرون، فإن الكتلة البرجوازية بأكملها سوف تتحد ضده، وسيكون الأمر أسوأ بكثير إذا فاز في الانتخابات الرئاسية.

تحديات تنتظر ماكرون

موقف ماكرون السياسي معقد رغم انتصاره الشبه المؤكد، انطلاقًا من ضعف شرعيته السياسية، حيث تم انتخابه في 2017 بـ24% من الأصوات فقط في الجولة الأولى، وانتصر في الجولة الثانية لمنع مارين لوبان، من الوصول إلى المنصب الرئاسي.

العنصر الثاني هو سلسلة الفضائح السياسية والأزمات التي هزت الشرعية السياسية المذكورة، منذ قضية "بينالا"، حيث تم تصوير منسق التحركات الرسمية والخاصة لماكرون، وهو أحد من هم في قلب الجهاز الأمني، يضرب متظاهرين في باريس، وصولًا إلى تمرد السترات الصفراء (وقمعه)، مرورًا بأزمة كورونا، إلى القضية الأخيرة وهي قضية ماكيزي، حيث أفاد تقرير لجنة التحقيق بمجلس الشيوخ في 17 مارس أن الدولة أنفقت أكثر من مليار يورو في عام 2021 على خدمات الشركات الاستشارية منها 497.800 يورو لمكتب ماكينزي.

كل ذلك التسلسل من الأزمات يثبت من ناحية ضعف المجتمع المدني الفرنسي الذي لم يستطع وقف سياسات ماكرون، ولكن يثبت من ناحية أخرى أن الغضب الشعبي موجود ولن يتم تهدأته بسهولة خصوصًا إذا استمر في أجندته.

أما العنصر الثالث، فهو التضخم الحالي الناجم عن أزمة كورونا والحرب في أوكرانيا. والعنصر الرابع والأخير هو "أزمة التمثيل السياسي"، حيث لا توجد مؤسسة تمثل بشكل واسع الطبقات الشعبية والوسطى. فمثلًا في عام 2017 في فرنسا، مثل العمال والموظفين على التوالي 25.6% ​​و 28.3% من العاملين في المجتمع، ولكن كانا يمثلان 0% و4.6% فقط من النواب المنتخبين في البرلمان الفرنسي.


اقرأ أيضًا|انتفاضة فرنسا العميقة: كل ما تريد معرفته عن "السترات الصفراء"

من احتجاجات السترات الصفراء يوم 22 نوفمبر. الصورة: حساب السترات الصفراء- تويتر.

من الناحية الأخرى، كانت تمثل الطبقات العليا وطبقة "الكادر" الفرنسية، وهي تعتبر أعلى فئات الموظفين داخل الشركات 17,1% من القوى العاملة الناشطة، ولكنها كانت تمثل 76% من النواب المنتخبين في البرلمان [1].

من هنا، يمكننا أن نرى بوضوح تمثيل مفرط لبعض الطبقات الإجتماعية وغياب تمثيل طبقات أخرى، تثبت "أزمة التمثيل السياسي" الواضحة التي يمكن أن تؤدي إلى "اللجوء للشارع" كوسيلة للتعبير عن المطالب بسبب غياب أي متنفس سياسي.


[1]المصدر: Institut Diderot، سنة 2017.