تصميم: يوسف أيمن - المنصة

حكايتي مع التصلب اللويحي والكيتو ومسؤولية الدولة والمجتمع

مارس كان شهر التوعية بمرض التصلب اللويحي أو الـ MS، اللي هي اختصار multiple sclerosis. مرض سخيف من عائلة الأمراض اللي ظهرت مؤخرًا وماكانش فيه تفسير لها أو مسبباتها، لحد ما أخيرًا بدأنا نفهم إيه هي أمراض الأوتو إيميون (auto-immune diseases)، زي الروماتويد واللوبوس والهاشيموتو وأحد أنواع السكر.

في الحالات دي الطب اكتشف يا إما نشاط زيادة أو نشاط قليل للجهاز المناعي، فبالتالي إما المناعة بتهاجم خلايا أو أعضاء الجسم نفسه، أو مابتقدرش تدافع عن الجسم ضد هجمات الأجسام الخارجية أو الغريبة.

في الإم إس اللي هاحكي حكايتي معاه، الجهاز المناعي بيهاجم الجهاز العصبي المركزي، اللي هو المخ والحبل الشوكي، بالتالي المريض ممكن يفقد البصر بعد مرحلة تدهور وصعوبة في الحركة دوار متواصل، إرهاق لا ينتهي، عدم السيطرة علي التبول والتبرز، تحديات في الذاكرة والقدرات العقلية، آلام جسدية، صعوبات في البلع وفي التخاطب، رعشة وحكة، ضعف وفقدان السمع، مشاكل عاطفية وتحديات جنسية، ودا كله سبيل المثال لا الحصر.

أنا قصتي مع التصلب اللويحي كوميدية شوية، بدأت سنة 2005 في مصر بدوار وغثيان، وبعد ما استبعدنا أعراض الحمل، فضلنا الصيف كله نحاول نفهم أنا إيه اللي عندي؛ شوية يقولوا ضعف الشرايين اللي بتنقل الدم للمخ، وشوية يقولوا التهاب أذن وسطي، لغاية ما دكتور المخ والأعصاب طلب مني بشكل ودي يبص علي رسم مخ، وطلبه الودي كان علشان شافني مش واقف على بعضي في مناسبة عائلية، ولما جبتله الـ MRI لقيته بيوصف لي الموضوع.

قال لي الأعصاب زي سلك الكهربا، متغطية بطبقة عزل، واللي عندي إن العزل بيتقشر من على السلك، بالتالي بيحصل زي قفلة في المخ. وإداني خمس حقن كورتيزون خلال أسبوع، وراحت الدوخة والغثيان والحياة مشيت زي الفل. لو كان شرحلي الموضوع أكتر أو نصحني بعلاج كنت تجنبت اللي أنا فيه دلوقتي.

الصورة دي بتبين الفرق بين الخلايا العصبية اللي المرض أثر عليها، وبالتالي تم تقشير طبقة "المايلين" اللي بتحميها- أو بتحمي السلك كما شرح لي المتخصص في مصر- مقارنةً بنفس الخلايا السليمة ومحتفظة بطبقة المايلين العازلة.

كيف يؤثر التصلب اللويحي على الأعصاب. الصورة من highplainspt

سنين عدت في مصر بدون مشاكل، وجيت كندا في 2009 والحياة استمرت بدون مشاكل، ممكن حسيت بتنميل في نصي الشمال سنة 2012، وراحت لوحدها، يمكن حسيت بضعف في ايدي الشمال في 2014، وبرضه راحت لوحدها، يمكن حسيت بتعب في ضهري ووهن في رجلي في 2018، وراحوا مع كام جلسة مساچ. إنما ماحدش فكر يربط الأعراض دي بالإم إس، اللي بيظهر على شكل موجات، لو كنت بدأت العلاج بدري بعد تشخيص سليم، كان ممكن نوقف الموجات دي، وبالتالي كنت وفرت علي أعصابي الضعف اللي هي فيه دلوقتي.

إنما بدأت أحس بتعب وإعياء في رجلي وإن الرسايل بتتأخر من المخ في النص التاني من 2009، وعلى أكتوبر ماقدرتش أكمل ماراثون مشي لمسافة خمسة كيلو، وعلى يوليو 2020 طلعت جبل بصعوبة ولما جيت أنزل ماقدرتش أتحكم في رجلي ونزلت الجبل كله دئلجة وطبعًا كسرت عضم كتير في نصي اليمين، ودي كانت أول مرة أكسر عضم أو يتركبلي شرايح في جسمي، دة غير الألم والترقوة اللي لازم أسيبها تلحم لوحدها.

بعد كدة بدأت ألاحظ إني على طول دايخ ومش متوازن، ومش مسيطر على التبول، مع تنميل في النص الشمال من وشي ولساني، ودي أعراض فتحت مجال للتفكير إن فيه مشكلة عصبية. فطلبت مقابلة مع دكتورة مخ وأعصاب، قابلتها على ديسمبر 2019، وبعد فحوصات أولية قالتلي إنها مش متطمنة، ولازم تحجزني في المستشفى أسبوع أعمل فحوصات. بعد أسبوع قالتلي إن عندي تصلب لويحي، أو إم إس، ولازم أقابل حد في العيادة المتخصصة علشان أبدأ العلاج، وإن جرعات الكورتيزون اللي أخدتها في المستشفى مالهاش تأثير زي سنة 2005.

أصعب الفحوصات اللي عملتها كانت الـ Spinal Tap، ودي خلتني أتعاطف مع كل ست أخدت حقنة الـ Epidural للولادة، حاجة كدة بتنضرب كحقنة طويلة في الضهر، علشان نسحب عينة من النخاع الشوكي لتحليله. كانت صعبة جدًا علشان أول مرة أخدتها الدكتور تقريبًا خبط في كل أعصاب نصي التحتاني، ودا حسسني بكهربة ودوخة وعرق ساقع وغممان نفس قبل الإغماء. تجربة سخيفة ما أتمناهاش لأي حد، وطبعًا اضطرينا نعيدها تاني بس تحت جهاز أشعة إكس علشان نتجنب اللي حصل في المرة اللي فاتت.

لما قابلت دكتور المخ والأعصاب المتخصص بعد ما بقيت مريض إم إس رسمي، عرض عليا أنواع مختلفة من العلاج، رفضت أكون زي جدتي وأمشي بكيس أدوية، وبالتالي استقريت على جرعة مرة كل ست شهور، جرعة في مارس وجرعة في سبتمبر. تخلص امتى؟ هانفضل كدا طول العمر، أو لغاية ما الطب يتقدم ويطلع بعلاج فعال، دوا بقى أو خلايا جذعية، زي ماتيجي. المهم إني ماشي حسب ما متخصصي الإم إس يقولوا. حاليًا مرتين علاج في السنة، زائد MRI وزيارة للمتخصص علشان يطمني على التقدم مقارنة بالسنة اللي قبلها.

أنا شخصيًا في الأول كنت في قمة الإحباط، وفاقد الأمل إني هافهم أنا ليه بيجرالي كدة بعد الوقعة، وقبل تشخيصي فكرت في إنهاء حياتي، خصوصًا لو كملت كدة وأنا مش فاهم مالي. بس الكوميديا إني تقبلت التشخيص عادي، يمكن في الأول عديت بمراحل الحزن (grief) السبعة، الصدمة والرفض، الألم والشعور بالذنب، الغضب، الاكتئاب وبعدين المنحنى بيبدأ ياخد منحى إيجابي شوية، وبيتضمن التقبل والأمل. دا طبعًا بمساعدة الجهاز الطبي اللي مسابنيش لوحدي، وطبعًا الأصدقاء والأحباب.

العلاج مكلف جدًا، في حالتي تقريبًا 38 ألف دولار سنويًا، علشان جرعتين، ده غير الخدمة الطبية والرنين (بس دول بتغطيهم الدولة)، وهنا تأمين الشغل بيغطي 80%، بالتالي جهاز التمريض حضرلي ورق تأمين خاص للظروف دي، يغطي الـ 20% اللي خارج تأمين الشغل، أو 100% لو مش باشتغل. بادفع اشتراك شهري في حدود 120 دولار، بس غير كدا أنا متغطي.

التحدي هو التعامل مع المرض، كفكرة وتبعات، يعني تقبل فكرة إني خلاص مريض بمرض مزمن هايأثر علي حياتي واختياراتي فيها، وتبعات دا بالتالي هاتدور حوالين عدم قدرتي على القيام ببعض الأعمال، ولازم أكون في سلام مع الفكرة. فمثلًا الرياضة القومية في كندا زي الـ hicking أو التمشية في المتنزهات أو الجبال دي لازم أنساها، أو الصيد اللي كان بيتضمن طلوع ونزول مناطق جبلية وأنا شايل بندقية والغزالة أو البقرة اللي اصطادتها، ده برضه لازم أنساه.

أيام كوڤيد والحبسة في البيت والشغل والتدريس على برامج زي زووم كانت نعمة بصراحة، ولما قررت أرجع للتدريس في الجامعة لما الدنيا فتحت اكتشفت إني برفص النعمة لأن المشي من محاضرة لمحاضرة تحدي كبير، وبعده باحتاج لفترة راحة، ناهيك عن المشية الغريبة والكل شايفني وفاكرني سكران. تحدي تاني؛ لو مفيش تدريس أو عايز أزود الدخل، ماينفعش اشتغل شغلانة محتاجة مجهود عضلي حتى لو مؤقتة، بالتالي اختياراتي قلت جدًا وخصوصًا فيما يتعلق بالدخل أو العمل.

من 200 سنة مريض الصرع كان بيداروه علشان المجتمع كان بيشك إنه ملبوس بشياطين، مش مريض بكهربا زيادة في المخ. إذًا فكرة الوصم بسبب المرض كانت بتستدعي إن المريض مايظهرش.

اتكعبلت في صديق في مصر، زوجته عندها نفس المرض وبتاخد نفس العلاج، وصدمني إن الجرعة بتتكلف حوالي ربع مليون جنيه، وبالتالي لجأوا للعلاج على نفقة الدولة، ودة خلاني اطمئن وأحس بالنعمة. حاجة تانية نصحني بيها إني ألعب رياضة، أولًا الوزن الأخف أسهل في الحركة ولما أقع فرص الكسر هاتبقى أقل، والأهم إن لو فيه ضعف أو أعصاب انضربت، يبقى العضلات الأقوى هي البديل علشان تشيل جسمي. بصراحة ماكدبتش خبر وبدأت نظام كيتو الغذائي ورياضة يومية. طبعًا أول تلات شهور كانت رياضة مائية، لغاية ما العضلات بقت أقوى وبدات أروح الجيم أشيل حديد.

طبعًا دة حصل بالتوازي مع التحول من النظام النباتي Plant Based Diet للنقيض KETOGENIC.

عملت بحث سريع وفهمت احتياج الجسم لنظام غذائي قليل في الكاربوهيدرات، وإنه ينضحك عليه ويحس إنه في حالة صيام متواصل. ودة بالضبط اللي خلى مخترعي نظام الكيتو يبتدعوه من 100 سنة لعلاج الصرع عند الأطفال. قلت لنفسي "وماله، ما تجرب، مش هاتخسر حاجة".

وفعلًا بعد أربع سنين من النظام النباتي لقيت إن الواحد جسمه متعود على قلة السكر والدقيق، ودول من أكتر الحاجات اللي جسمي مش عايزها، للدقة دي سموم داخل الجسم، ولازم الواحد يتجنبهم في أسرع وقت، خصوصًا إن الواحد بيعاني من auto-immune disease، يعني الواحد نظامه المناعي بيتصرف ضد جسمه والموضوع دا بيتأثر بالغذاء اللي داخل الجسم. طب نجرب.

فعلًا النظام الغذائي مع الرياضة فرقوا كتير، تيبس العضلات والأعصاب قل شوية مع الحركة المحسوبة دي والجيم وحمام السباحة، وفقدان الوزن خلى الواحد خفيف، بالتالي إنزيم الأندروفين إفرازه زاد ودا رفع المعنويات، وخلى الواحد اكتئابه يقل بشكل ملحوظ، وفي نفس الوقت الجسم شايل نفسه أحسن، ولو عايز تقع، الوقوع داخل حمام السباحة مالوش تأثير نفسي أو عضوي، بمعني إن مفيش عضم هايتكسر وكمان مفيش إحساس بالإحباط إن الجسم مش متزن أو مش شايل نفسه. وبعدين أنا عايش في ألبرتا، اللي هي مشهورة باللحم البقري والبترول، زي تكساس في أمريكا، أربع سنين على النظام النباتي كفاية جدًا.

ومادام الواحد جايب سيرة ألبرتا والإم إس، يبقي لازم ننوه إن ألبرتا فيها نسبة من أعلى معدلات الإصابة بالمرض في العالم، تقريبًا 340 حالة لكل 10 آلاف من السكان. طبعًا مش عايز أدخل في موضوع النسب العالمية لأن المعدلات بتقول إن أكبر معدلات الإصابة موجودة بعيد عن خط الاستواء ومنتشرة بين أصحاب البشرة البيضاء بنسبة تلات نساء لكل راجل مصاب. طب أنا أول إصابتي حصلت في مصر، وما اسميش باسمة ماكنتاير، بس الميزة للمكان اللي أنا فيه ونسبة الإصابات العالية إن البحث العلمي عن الإم إس كويس، وبالتالي العلاج مش بطال والنظام متفهم ومساعد في حالتي.

النهاردة كلمني الصديق العزيز الفنان هشام عبد الحميد يطمئن علي صحتي وعلاجي وفي وسط المكالمة ناقشنا فكرة هل الجو ليه تأثير على ارتفاع معدلات الإصابة، مش بس بالإم إس، ولكن الأمراض المناعية عمومًا. المهم اتفقنا طبعًا علي أسلوب الحياة اللي كلنا عايشينها، وركزنا علي قلة الحركة والأكل والتوتر اللي أصبحوا من سمات العصر في كل مكان.

بس اللي اتناقشنا فيه بإستفاضة، إكمننا عايشين برة مصر، كان ثقافة حق أصحاب التحديات (الصحية) في التواجد وسط المجتمع والحصول على حقوق مماثلة أو مشابهة تساعدهم علي العيش بكرامة. فمثلًا من 200 سنة مريض الصرع كان بيداروه علشان المجتمع كان بيشك إنه ملبوس بشياطين، مش مريض بكهربا زيادة في المخ. إذًا فكرة الوصم بسبب المرض كانت بتستدعي إن المريض مايظهرش، وبالتالي الدولة والمجتمع وفروا المجهود العقلي والمجتمعي لاحتواء حقوق أصحاب الهمم. من هنا بدأت الناس تعترف بحق أصحاب المرض في معاملة إنسانية وحقوق تضمنها الدولة ويحترمها المجتمع. دا أحد الأسباب اللي مخليانا نفتكر بشكل هستيري مبالغ فيه إن معدلات الاصابة بالأمراض هاتقضي على الإنسانية في وقت قصير.

المهم، وعلشان ما أطولش عليكم، تنتهي الإنسانية أو تكمل معانا، ما دامت الدولة والمجتمع محافظين علي كرامة أصحاب التحديات والهمم في محنتهم، يبقي هو دا اللي كلنا عايزين نعيش فيه، تنتهي بقي أو ما تنتهيش دي مشاكل مش المفروض نوجع دماغنا بيها مدام الجميع عايش بكرامة!