خلال إحدى حلقات العلم بالأزهر- المصدر: صفحة الجامع الأزهر (فيسبوك).

أروقة الأزهر: مواجهة ناعمة مع التيار السلفي

في أغسطس/ آب 2010 نشر الراحل حسام تمَّام مقالًا على مدونته بعنوان "هل يعيد الشيخ الطيب زمن الأزهر الشريف؟" طرح فيه رؤيته المتفائلة بشأن مستقبل الأزهر، وحضوره الاجتماعي في تعيين أحمد الطيب شيخًا للأزهر خلفًا للشيخ محمد سيد طنطاوي، مشيرًا إلى أن العودة الأزهرية المتوقعة ستستهدف محاربة نفوذ التيار السلفي الذي بلغ مداه في السيطرة على أنماط التدين بالمجتمع المصري.

ويقول تمَّام"لكن هذه العودة لن تمر إلا بمعركة كبيرة لإعادة تحديد التيار السائد في التدين والفاعل في الحالة الدينية، وهي معركة سيكون عنوانها الأبرز مواجهة المد السلفي الوهابي الذي بلغ منتهاه، وهي معركة يتوقف على نتيجتها مصير الحالة الدينية في مصر، لكنها لن تقتصر في حدودها عليها، بل ستمتد لكل العالم السني ومؤسساته الدينية، خصوصًا في مراكزها التاريخية: مصر والمغرب والشام وتركيا والهند" .

رحلة في الرواق

في صيف 2018، توجهت إلى الجامع الأزهر لحضور ندوة افتتاحية لاستقبال الدفعة الجديدة من طلاب رواق العلوم الشرعية بالأزهر. كانت ساحات الأزهر تعج يومها بمئات الشباب والفتيات المقبلين على دراسة العلوم الشرعية، والذين تتنوع خلفياتهم بين التعليم الأزهري والمدني، وكنت حينها قد شرعت حديثًا في كتابة رسالتي للماجستير عن دور الأزهر في المجال العام، وانطلقت فيها من ملاحظة الحضور الأزهري المتزايد على المستويات الاجتماعية والتعليمية، عبر إعادة إحياء الأروقة التعليمية بالجامع الأزهر ، والترويج لها بشكل كبير بين غير المتخصصين في العلوم الشرعية، فقررت التعمق في دراسة آثارها على أنماط التدين السائدة في المجتمع المصري.

اشتركت في هذه البرامج التعليمية إرضاءً لشغفي وقتها بالاطلاع على علوم التراث الإسلامي، وتسهيلًا لمهمتي البحثية في دراسة الأروقة الأزهرية، عن طريق المعايشة المباشرة للبيئة التعليمية فيها، والملاحظة المباشرة لآثار هذه الدراسة الدينية غير النظامية على الحالة الفكرية وأنماط التدين والسلوك الاجتماعي لدى الطلاب، وفي مراحل لاحقة أجريت مقابلات متعمقة بصفتي البحثية مع عدد من طلاب الرواق ومع أحد أساتذته، وكان المشرف على الشؤون التعليمية بالجامع الأزهر وقتها.

إعلان عن برنامج الأروقة- المصدر: صفحة الجامع الأزهر (فيسبوك).

وجراء المعايشة المباشرة والمقابلات المتعمقة تمكنت من الوصول لبعض الاستنتاجات المهمة حول ملامح نمط التدين الأزهري الذي تدعمه هذه الدراسات الشرعية غير النظامية، ومؤشرات الصراع السلفى-الأزهري داخل المؤسسة وفي المجال الديني بشكل عام.

نحو استعادة مكانة الشيخ: مولانا

يتطبع الدارس في الرواق الأزهري بطباع معينة، منها على سبيل المثال ما يتعلق بعلاقته مع مشايخه في الرواق، النداء عليهم بألقاب بعينها مثل "مولانا"، و"سيدنا"، والتي ترسخ مفاهيم التبجيل للمشايخ، وعدم مناطحتهم العلم أو انتقادهم، إلا حين يبلغ المتعلم مبلغ معلمه.

تلك السلوكيات ليست طيعة في التشكيل، حتى أن المشرف على الشؤون التعليمية في الجامع الأزهر الدكتور أيمن الحجار، ذكرها لي حين سألته عن "التغيرات التي يلاحظها على السلوك الاجتماعي للطلاب ضمن عملية تأثرهم بالدراسة في الرواق" فقال "بعض هؤلاء الطلاب كانوا يرفضون اللغة المتداولة داخل الأزهر، مثل مناداة المشايخ والعلماء بسيدنا، ومولانا، على سبيل المثال، ومع استمرارهم في الدراسة بالرواق الأزهري بدؤوا باستعمال المفرادات المتداولة وتقبلها".

أما طلاب الرواق، فقال عبد الله خالد* إن الرواق أتاح له التعرف على العلماء عن قرب، وبالتالي "زاد مقامهم وقيمتهم عندي". أما الطالب أحمد محمود* فيشير إلى "الهدوء اللي الدكاترة بيردوا بيه على الأسئلة الحساسة"معتبرًا ذلك دليل تميز عند أساتذته، موضحًا "لو في أي تيار تاني هتلاقي انفعالات شديدة على الأسئلة دي، وحتى بتلاقي أبناء تيارات أو أفكار تانية بييجوا يدرسوا معانا في الرواق، وبيجادلوا كتير، وتلاقي الدكاترة بيجادلوهم بهدوء عادي جدًّا؛ علشان نشر الفكر والأخلاق الصحيحة".

وتعلق ندى أحمد* "من الحاجات الأساسية اللي اتعلمتها في الأزهر إننا لا ننتقد المشايخ إلا إذا بلغنا نفس الدرجة من العلم"، وذلك في معرض انتقادها لشباب التيار السلفي، الذين يرفضون علماء الأزهر بسبب معتقدهم الأشعري.

وإجابات الطلاب إذ تكشف تبجيل المشايخ، فإنها تعكس أيضًا الدور الذي يلعبه الرواق بتلاميذه وأساتذته لتحجيم التيار السلفي الذي لا يترك فرصة للصدام، حتى لو كانت داخل الرواق.

السلفيون صائدون

بدا خلال المقابلات ملامح الصراع السلفي- الأزهري داخل مجتمع الأروقة، وفيه يسعى بعض أبناء التيار السلفي لإقناع طلاب الأروقة بخطأ المنهج الأزهري وبدعيته. فتقول مريم محمود* منتقدة تصرفات فتيات ذلك التيار ممن يدعِين إلى ارتداء النقاب، بحجة كونه فرضًا "بشوف البنات السلفيين يدخلوا علينا الجامع ويقولولنا إنتو لازم تلبسوا نقاب، والنقاب واجب، مع إن ده أصلًا مش صح".

تضيف مريم "حضرت مع شيخ سلفي قالتلي عليه واحدة معانا هنا في الرواق، عمل درس عن طريق الموبايل، كان باين من صوته إن عنده 21 أو 22 سنة بالكتير، ومعندوش علم أصلًا، قعد يقول عقيدة الأزهر غلط، وأنا سألته إنت اتعلمت فين؟ قالي اتعملت على إيد شيوخ في الأزهر بردو بس مرضيش يقول اسمهم، وقالي على كتاب بيثبت صحة كلامه، فجيبت الكتاب ووريته للدكتور هنا قالي الكتاب ده ممنوع يدخل الأزهر أصلًا".

والمزيد من مظاهر هذه الصراعات والتحولات في أنماط التدين التي تعتمل في المجال الديني خلال فترة الدراسة، تخبرنا بها شهادات الناشطة والمدونة السلفية سارة محمد حسن، والتي يمكن تصنيفها ضمن "المرتدين عن السلفية المعاصرة"[1]، التي نشرت سيرتها وتحولاتها الفكرية من السلفية المعاصرة ومنهجيتها اللامذهبية في الفقه إلى الدراسة المذهبية في كتاب اسمه كنت سلفية وأصبحت سلفية، شنت فيه حربًا ضروسًا على التيار السلفي المعاصر، ونمط التدين والتربية المرتبط بها.

تقول الباحثة "كنت سلفية، أنتمي إلى جماعة السلفيين المعاصرين، الذين هم في الحقيقة فئة معزولة عن جماعة المسلمين الكبيرة .. فصرت مسلمة من جملة المسلمين وعامتهم، أنتمي إلى السلفية الحقيقية، سلفية أحمد بن حنبل والشافعي ومالك وأبي حنيفة.. أنتسب إلى السلف الصالح بحق، أرفع بمذاهبهم رأسي بفخر واعتزاز، أتلمس أن أنهل من نهر التراث .. صرت سلفية بعد أن كنت سلفية! لكن شتان بين مشرّق ومغرّب!"[2].

إحدى حلقات العلم للسيدات في الأزهر- المصدر: صفحة الجامع الأزهر (فيسبوك).

هذه الناشطة هي طالبة بإحدى الكليات العملية بجامعة الأزهر، ولكنها لم تكن تعتمد على الأزهر كمصدر للمعرفة الدينية على الإطلاق، بل كان جُل اعتمادها على مشايخ التيار السلفي المعاصر، ووفق شهادتها فقد كانت مولعة بالجدل مع الأشاعرة داخل جامعة الأزهر ومحاججتهم.

وتنقل سارة حديثًا لها مع أحد شيوخها، وتقول "كثيرًا ما طالت بيننا المحادثات في مناقشة مسألة يشرحها، أو شرح بعض كتبه التي قرأتها وأسأله عنها، ناقشته في شبهات الأشاعرة، وتكلمت معه عن جدالي معهم في الجامعة، وانتهى الحوار بأن نصحني بترك الجدل: - أمال أروح الكلية أعمل إيه؟ * نعم؟ - أنا أروح الكلية أعمل إيه يعني؟ * لتتعلمي .. صدمني رده، فأنا لا أذهب للجامعة لكي أتعلم أصلًا؛ بل أذهب لأجادل"[3].

وتقول هذه الناشطة السلفية السابقة عن نمط التدين والتربية لدى التيار السلفي المعاصر "الحقيقة .. الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها: أن الطريقة السلفية في التعلم لم تربِّ طلابًا، بل ربت متعالمين إلا من رحم الله. نادرًا ما رأيت طالبًا يعرف قدر شيخه، بل كل طالب يعتبر رأسه برأس شيخه، ولا يجلس منه مجلس الطالب، بل يجلس منه مجلس الند، فلا ينتفع"[4]. وهي بهذا الكلام وبمواضع أخرى كثيرة ومتكررة في كتابها تتهم غالب التيار السلفي بالفقر العلمي، مع ادعاء العلم والفقه، ومن ثم التشديد على الناس، والاستعلاء عليهم، والانعزال عنهم.

التتلمذ بين حلقات الأروقة والسلفيين

تعددت إشارات الطلاب إلى الفارق بين طبيعة الدراسة الأكاديمية المتخصصة في الرواق الأزهري، وبين دراسة العلوم الشرعية في المنافذ الأخرى خاصة لدى مشايخ التيار السلفي، فتقول أسماء حسن* "الدراسة في الأزهر أكاديمية أكتر منها وعظية، فمش أي حد يقدر يكمل فيها، لكن محتاجة شخصية حابة الدراسة الأكاديمية، مش شخصية عايزة تتأثر تأثر روحي وقتي وبعد كده يروح بسرعة".

ويضيف عبد الرحمن محمد* "معظم العلوم مش موجودة في الأماكن التانية إلا يمكن النحو والتجويد وحفظ القرآن، وممكن الحديث مش كعلم، ولكن كشرح بعض الأحاديث البسيطة وخلاص، لكن علوم الصرف والبلاغة... محدش بيشرحه بره خالص، ولا وهو ولا أصول الفقه، وكمان العقيدة في الأماكن التانية بتتدرس العقيدة السلفية بس".

يتابع "ومحدش بيدرس تفسير إلا حاجات بسيطة خالص يحفظ آيتين وشرحهم ويقولهم في الجامع وخلاص، مش علوم التفسير وعلوم القرآن اللي بناخدها في الأروقة".

نمط التدين الأزهري يختلف من حيث السلوك الاجتماعي عن نمط التدين السلفي المعاصر، فيما يتعلق بالنظر إلى الحلال والحرام.

ويتفق معه أحمد مصطفى فيما يتعلق بالتفوق العلمي في الأزهر ، خصوصًا وأنه صاحب تجربة سابقة في التلقي الديني "كنا بنقرأ غلط، وبنعرف القشور بس، كنا بناخد التفسيرات العامة المبسطة والقشور في الفقه".

والتفوق الذي يشعر به الطلاب لصالح الرواق لا يقتصر على مقارنته بالتتلمذ تحت إيدي مشايخ السلفيين، بل يمتد بالمقارنة مع معهد إعداد الدعاة التابع لوزارة الأوقاف. يقول عماد إبراهيم* ردًا على سؤال حول الفارق بين الدراسة في الرواق الأزهري ودراسته السابقة في معهد إعداد الدعاة التابع لوزارة الأوقاف "هنا العلماء مخلصين جدًا وملتزمين وكمان متخصصين .. فكرة التخصص دي فكرة مهمة؛ لأن في معهد إعداد الدعاة مكانش التخصص مهم أوي فممكن حد ييجي يكلمنا في التفسير وهو مش متخصص في التفسير".

"الحلال والحرام" ليس واحدًا

والمذهبية الفقهية من الأركان الرئيسة للمنهج الأزهري، حيث يعتمد الأزهر المذاهب الأربعة في الفقه الإسلامي، ويُدرّسها لطلابه، وكذلك يتم في الرواق الأزهري إتاحه علماء متخصصين في المذاهب المختلفة، بحيث يقوم الطلاب باختيار المذهب الذي يلتحقون به.

وهي من أهم ملامح الخلاف بين التيار السلفي المعاصر الذي يتجاوز المذاهب الأربعة، ويعتمد جمهوره إما على فتاوى ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، أو على فتاوى علمائه المعاصرين، وخاصة من مشايخ المملكة العربية السعودية، أو على اجتهاداتهم الفردية والشخصية من خلال قراءاتهم الخاصة للنصوص، وتكون هذه الأقوال هي المعتمدة في فتاواهم وآرائهم الدينية، وليست الأقوال المعتمدة في المذاهب المختلفة.

ولذلك فإن الفتاوى السلفية تنقل، في الغالب، رأيًا أحاديًّا، ولا تعتد بالخلاف إلا في أضيق الحدود، بينما تتسم الفتاوى الأزهرية باستيعاب التنوع المذهبي، واحترام الخلاف الفقهي، والتيسير على المستفتين استنادًا لهذا الخلاف، ومن ثم فإن نمط التدين الأزهري يختلف من حيث السلوك الاجتماعي عن نمط التدين السلفي المعاصر، فيما يتعلق بالنظر إلى الحلال والحرام، وما يترتب عليه من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، أو الدخول في مساجلات مع المجتمع من أجل إثبات حرمة شيء معين، أو تصنيفه بدعة، أو غير ذلك.

خلال إحدى حلقات العلم في الأزهر - المصدر: صفحة الجامع الأزهر (فيسبوك).

وتم رصد هذا التحول في السلوك الاجتماعي لدى طلاب رواق العلوم الشرعية بالأزهر، فيقول علي إسماعيل* وهو طالب بالمرحلة التكوينية، كان قبل دراسته في الرواق الأزهري يكتفي بتلقي المعرفة الدينية من مشايخ السلفيين وقنواتهم "هنا بعرف إن المسألة ليها عدة أوجه وفي آراء متعددة، وفي خلاف محترم، فلما حد بيسألني عن حاجة معينة بقول آراء متعددة لكن مش بلزمه بشيء، غير زمان كنت أعرف رأي أحادي بس بقول كده صح وكده غلط".

أما الطالب مصطفى عبده* فيعدد تأثيرات الدراسة في الرواق الأزهري على شخصيته وسلوكه "توسيع الأفق في الاختلاف لأن من القواعد الأساسية اللي بنتعلمها هنا لا إنكار على المختلف فيه، فبقى عندي استيعاب للاختلاف بين الناس حتى في الطباع كمان مش في الفقه بس".

تفوق علمي وتراجع روحاني

ورغم تعدد المزايا في الدراسة داخل الأروقة الأزهرية، وقدرتها على الإطاحة علميًا بحلقات السلفيين، غير إنها لم تخل من النواقص، خصوصًا فيما يتعلق بالجانب الروحاني. وعنه قال الطالب عبد الرحمن محمد الذي سبق وعدد لنا مزايا التلقي الديني في الأزهر وتخصصه "الميزة الوحيدة اللي شايفها في السلفيين أكتر من الأزهر هي تميزهم في جانب العبادات، عباداتهم حلوة وبيطبقوها كويس وبيجتهدوا فيها، أما من ناحية العلم الأزهر أقوى طبعًا".

ما عبَّر عنه محمد بلفظ العبادات، سماه آخرون بـ"التصوف" أو الجانب الروحاني، وهو مختزل في تلك الأروقة، على الرغم من أن التصوف من الأعمدة الأساسية للمنهج الأزهري والذي لا تنقصه مواد التزكية والأخلاق، غير أن غلبة الطابع العلمي والتخصص الأكاديمي على البيئة التعليمية بالرواق، أدت إلى تراجع حضور الجانب الروحي والأخلاقي والوعظي.

ويجيب حمزة أحمد* أصغر طلاب الرواق ويبلغ 15 سنة، وهو في المرحلة التمهيدية، عن سؤال بشأن تأثير الدراسة في الرواق الأزهري على شخصيته وسلوكه الاجتماعي "في الأول كنت عصبي جدًا ومتوتر من كتر ما بقرأ، وخلقي بقى ضيق وأهلي كانوا بيزعلوا مني، لكن الدكتور أيمن الحجار بعد كده إداني كتاب عن آداب طالب العلم، اتعلمت منه إزاي أتعامل مع إخواتي وأهلي، وإزاي إن الظالمين هما اللي بيحضروا كل الدروس من غير هدف، وكمان والدي قالي ما شد الدين أحد إلا غلبه .. فبقيت دلوقتي بدور على الحاجة اللي عايزها بس مش بقرأ كل حاجة تيجي أدامي وخلاص".

ذلك الطفل بالمرحلة الإعدادية بالتعليم الحكومي العام وليس الأزهري، دفعته الأقدار للالتحاق بدراسة العلوم الشرعية بالرواق الأزهري ذي الطابع الأكاديمي الصرف الذي يفوق سنه، فكان تأثيره سلبيًّا في البدايات على سلوكه الاجتماعي، قبل أن يتداركه أحد مشايخ الرواق بالنصائح حول آداب طلب العلم، ما يعكس غياب أو هامشية هذه الجوانب التربوية الدقيقة عن مناهج الدراسة في الرواق نفسه، لصالح التركيز على الجوانب الأكاديمية والتخصصية.

جدير بالذكر أن أقران مثل هذا الطالب صغير السن لدى التيارات الإسلامية الأخرى، يتم التركيز معهم على جوانب السلوك والترفيه والرياضة وبر الوالدين وغيرها، وهو ما كان يفتقده النشاط التعليمي والتربوي في رواق العلوم الشرعية.

ولعل ذلك مما دفع الرواق الأزهري للإعلان في أواخر عام 2019 عن تنظيم "ملتقى الطفل" والذي يتضمن تدريب الطلاب من 5 سنوات وحتى 12 سنة على مجموعة من المهارات الحياتية والآداب الإسلامية والأحكام الفقهية إلى جانب حفظ القرآن وتلاوته وتعلم السيرة النبوية.[5]

ومؤخرا -في رمضان الماضي-أعلن الأزهر عن فتح رواق الطفل لتحفيظ القرآن للأطفال في المعاهد الأزهرية بجميع مناطق الجمهورية.

الاستعلاء بالتدين

ومن المظاهر السلبية الأخرى في الأروقة، ما يظهر لدى بعض طلابها من شعور بالتميز عن أقرانهم من عامة الناس بفعل دراستهم للعلوم الشرعية في الأزهر، فتقول مريم محمود*"بستغل وقتي في حاجات مفيدة ومهمة، مش بضيعه على السوشيال ميديا زي باقي الناس، الأروقة والجامع الأزهر حاجة تانية وحياة تانية خالص غير براهم، أنا مثلًا اتعلمت إن الحجاب لازم يكون واصل للنص مش بس طرحة صغيرة وجيبة زي ما البنات ما بتلبس، إنما الناس برا يقولوا عيشي حياتك البنت الصغيرة لازم تعيش سنها".

ويحكي عُدي أحمد* عن تجنبه لجيرانه أو معاملتهم بالنصح والإرشاد "كنت ساكن في منطقة شعبية فيها الحاجات اللي ممكن تتخيلها حتى المتسولين والحرامية وكده .. لكن لما جيت الأزهر انشغلت خالص ومبقتش أضيع وقتي مع الناس دي، وبقيت معظم الوقت في الأزهر وباجي من الأزهر بالليل على البيت على طول، وكمان سيبت المكان اللي كنت ساكن فيه، وروحت مكان تاني أهدى شوية، فبعدت عن الناس دي أكتر .. وأنا دايما لما بتيجي فرصة أكلم حد منهم وأقولهم نصايح دينية على أد علمي بقولهم، وكنت كده زمان بردو بس مكانش عندي معرفة كبيرة تخليني أقدر أتكلم معاهم في الدين زي دلوقتي".

الجامع الأزهر من الخارج- الصورة من فليكر برخصة المشاع الإبداعي.

وهكذا يتضح أنه وعلى الرغم من كون نمط التدين الأزهري يبدو بطبيعته أقل تشددًا وأقل حدة في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنه مشوب بشعور بالاستعلاء على المجتمع، والاغتراب عنه، وهو الشعور ذاته الذي يوجد بدرجات متفاوتة لدى مختلف التيارات الدينية في مصر.

لهذا جاؤوا للرواق

دفعني الفضول لمعرفة الأسباب التي دفعت هؤلاء الطلاب إلى القدوم، فهم على عكسي لا ينظرون إلى ذلك المجتمع كبيئة بحثية، بل يندمجون تمامًا فيه، ويشكلونه. وتعددت الأسباب بين الـ"الخوف من الفتن" أو "التنويرين" أو "الرغبة في التعلم"، وآخرون جاؤوا بعدما بات هو "المنفذ الوحيد"، في مؤشر على نجاح توجه محاصرة التيارات الأخرى.

يقول محمد أحمد* "كنت عايز أتعلم الدين أكتر، فبدأت أدور على أماكن أدرس فيها، كان في إجازة في صحيح البخاري بيديها شيخ سلفي في جامع من الجوامع، لكن لما روحت لقيت المكان صغير والدنيا زحمة ومعجبنيش الجو خالص، فقولت أروح أسأل في الأزهر فقالولي على الدورات دي، ومن ساعتها وأنا منتظم في الرواق".

أما تسنيم فؤاد* فتقول"تم تجفيف كل المنابع الأخرى ومبقاش موجود غير الأزهر كمنبع أصيل نقدر نثق فيه ونتعلم منه عن التراث بتاعنا.. ولولا إن باقي المنابع اتقفلت إيه اللي كان هيجبر الناس تيجي مخصوص لحد الأزهر وتضرب المشوار ده كله علشان تدرس؟.. كمان الدراسة مجانية، والفكرة واللوجيستيات ممتازة".

ويؤكد كلام هذه الطالبة أن تراجع حضور التيارات الدينية الأخرى في المجال العام منذ 30 يونيو 2013 ترك فراغًا كبيرًا، يسعى الأزهر لملئه، واستثمار لهذه اللحظة التاريخية، التي ربما يتمكن فيها من استرداد نفوذه الضائع في المجال العام، يساعده على ذلك جودة بيئة الدراسة واللوجستيات المتوفرة في الرواق الأزهري، مقارنة بزحام المساجد والعشوائية الموجودة بالمنافذ الأخرى.

كما نلحظ في كلامها التناسب الطردي بين جاذبية الخطاب الأزهري وظهور بعض الخلافات بين القيادة الأزهرية والقيادة السياسية، فيما يتعلق بالخطاب الديني، وإصرار الأزهر على الاحتفاظ بقدر من الاستقلالية في خطابه بعيدًا عن رغبات السلطة السياسية، وهذه قضية في غاية الأهمية، وهي أنه كلما تحرر الخطاب الأزهري من قبضة الدولة ومن سلطة النظام السياسي، كان لخطابه جاذبية كبيرة في المجال الديني، على حساب خطابات التيارات الدينية الأخرى.

وفي السياق ذاته، تقول خديجة هشام* "التيارات التانية فيها استقطاب وتوجيه سياسي في اتجاهات معينة .. هنا الموضوع ده بسيط والدراسة علمية وأكاديمية بحتة، مع إن بردو في قدر بسيط من التوجيه السياسي لصالح السياسات العامة للدولة، بس مش كبير أوي زي الأماكن التانية".

ومن أهم العوامل التي أشاد بها طلاب الرواق، والتي تدفعهم للاستمرار في الدراسة، مجانية التعليم، خلافًا للمدارس الأخرى المنتشرة، مثل شيخ العمود، التي تعتمد في تمويلها على اشتراكات الدورات، فتقول سلمى عبد الفتاح* "أنا بدرس في الأروقة اللي في الجامع من زمان، وكمان موجودة في منحة القرآن الكريم اللي باخد منها إجازة مجانية، الإجازة دي لو عايزة أعملها برا ممكن تكلفني مش أقل من 2000 جنيه".

أما الطالب أحمد محمود* فلجأ للرواق خوفًا من الشبهات "دلوقتي بقى في شبهات عنيفة بتوصل جوا بيوتنا، فمبقتش الصلوات وحدها كافية للحفاظ على الدين، أنا جاي علشان أدفع الشبهات عن نفسي وأعالجها من خلال دراسة العلم الشرعي". يُفيد هذا الطالب أن الجدل الذي يتصاعد بين الحين والآخر في وسائل الإعلام بين المثقفين "التنويريين" وعلماء الأزهر، وغيره من أشكال النقاش العام المتعلق بالأديان بصفة عامة، والذي يصفه بالشبهات، كان من أهم دوافعه للالتحاق بالرواق، كما يعكس النجاح النسبي لفكرة الأروقة كوسيلة لدفاع الأزهر عن نفسه، وعن منهجه العلمي وعن التراث.

ولعل هذه التوسعات في التعليم الأزهري الحر، إلى جانب التوسع في الحضور الأزهري على مستوى الفتاوى الشرعية لعموم الناس من خلال لجان الفتوى التابعة للأزهر، سواء تلك اللجان المنتشرة في المحافظات، أو منصات الفتوى الإلكتروني، وما يرتبط بكل ذلك من تحولات في الفكر والسلوك لقطاعات غير قليلة من المتأثرين بالتيارات السلفية والتيارات الإسلامية المختلفة باتجاه التزام المنهج الأزهري، خاصة في أنماط التعليم والسلوك، يُعد من مؤشرات تلك العودة الأزهرية التي أشار إليها الباحث الراحل حسام تمام منذ مايزيد على العقد.


* اسم مستعار بناءً على طلب المصدر.

[1] مصطلح "المرتدون عن السلفية المعاصرة" تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي لوصف بعض أبناء التيار السلفي الذين أعلنوا تراجعهم عن تفكيرهم، وهاجموا ذلك التيار ومشايخه بشدة، والتحاقهم بالمنهج الأزهري؛ إما فيما يتعلق بالمذهبية الفقهية وحدها، أو فيما يتعلق بكافة أركان المنهج في العقيدة والسلوك.

[2] سارة بنت محمد حسن: كنت سلفية وأصحبت سلفية، القاهرة، دار رهاف للطبع والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2018، ص 7.

[3] المرجع السابق، ص 193.

[4] المرجع السابق، ص 193.

[5] صفحة الجامع الأزهر على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، 2 ديسمبر 2019.