من شرفة تطل على النيل في النوبة- الصورة: ويكيمديا برخصة المشاع الإبداعي

بيوت النوبة: قباب مفتوحة على السماء

في زياراتي لقرى النوبة، التي تعددت طوال العقود الثلاثة الأخيرة، أبحث دومًا عن البيوت القديمة التي لا تزال قائمة في المناطق التي لم يصبها التهجير: غرب أسوان، أو غرب سهيل، أو أبوسمبل، أو أبو الريش. هذه البيوت، بفعل التهجير، أصبحت كالأثر النادر الذي يكشف رموز وحياة أزمنة حدث بها ذلك التفاعل الخلاق بين الإنسان والطبيعة، لذا اكتسبت هذه الآثار/ البيوت، حسًا خالدًا.

رغم الطلاء المقشر لأغلب هذه البيوت المطلية بالجير الأبيض، أو الطفلة، لكن عمارتها هي التي تحمل المفاجأة، ليست أحجارًا بل ذاكرة، لها كبرياء الأثر، الذي يطل عليك من الماضي. ربما أي حياة قديمة أنتجت الجمال في كل ما لمسته يداها، كونها كانت تقف مباشرة أمام الزوال، فالطبيعة لم تمنح نفسها للإنسان بسهولة، فهذا الجمال ابن المقاومة، والرغبة في البقاء، وإضفاء البعد الذاتي على كل ما يحوط بهم من عمارة أو أدوات أو ملابس، وهو ما منح تلك البيوت خلودها.

الغريزة الفنية والقبو

أذكر كلام الأستاذ ماهر، أحد النوبيين الحكماء الذي صادفناه في إحدى زياراتنا للنوبة عام 2000، أن البيت النوبي تحول إلى قطعة فنية، لأن الإنسان النوبي فنان بالغريزة، والسبب في تلك الغريزة الفنية، ليست الرفاهية، بل الندرة، في الإمكانات والمواد، فلا يوجد سوى أرض ونيل، ومن هذه الندرة يجب أن تُغزل الحياة. دفعت هذه الندرة إلى التحدي، واكتشاف الثراء الداخلي.

من الأشكال الملفتة في العمارة النوبية، التي تعود لهذه الغريزة، استخدامها للقبو في البناء، تلك التقنية نفسها التي استخدمها بعد ذلك المهندس المعماري حسن فتحي في بناء قرية القرنة في الأقصر باستخدام الخامات البيئية.

القبو النوبي، هو نوع من الأسطح المنحنية التشكيل ذات هيكل القبة. ربما مفهوم القبو له حضور من قبل في الكنائس والأديرة المصرية القديمة، ربما كان أقرب الأشكال والرموز التي تربط بين الإنسان والسماء، كان رمزًا للسماء التي تغطي حياة الإنسان، فأراد أن يأتي بها من الخارج لداخل البيت، ويضعها ضمن بنيانه، حتى لا ينسى تلك الصلة القديمة.

نعبر من القطار أمام بيوت أبو الريش، قبل دخولنا أسوان، تلك التي ألهمت قبابها المهندس حسن فتحي، تشكل هذه البيوت صدمة جمالية، هذا التراكب في البنيان، كل مصطبة نُحتت في الجبل تحولت إلى بيوت وحواري وألوان، وبشر يملئون هذه الفراغات. كانت الرغبة قائمة دومًا بتفجير هذه المادة الصلبة الصخرية بالحياة.

بالطبع استفادت العمارة النوبية من طرق البناء في مصر القديمة، فهي الحضارة التي لا زالت مستمرة في المكان نفسه، من دون أي تغيير، فالأقباط، ومن قبلهم النوبيون، يشكلان همزة الوصل الحية مع مصر القديمة، كجينات وملامح أو طرق حياة. ربما وظيفة همزة الوصل هذه ليست فقط أن تفتح نافذة عبرها على الماضي، بل أن تصالحنا عليه، فالماضي لم يكن عنصرًا منفردًا بل سبيكة متعددة.

بيوت النيل والولادة

بيت نوبي في منطقة غرب سهيل- الصورة: ويكيمديا برخصة المشاع الإبداعي

ربما البيوت التي بنيت على النيل تختلف تمامًا عن مثيلاتها التي بنيت في الصحراء. كان النيل عاملًا إضافيًا، فجاء البيت جزءًا من قوة الخلق المحفوظة للمياه، لونها واتساعها وتردداتها، وأساطيرها ورمزيتها في الذاكرة النوبية. فحملت البيوت بطاقة روحية ربما أكبر بكثير من حجمها، فزادت اتساعًا وزخرفًا، بحضورها بجانب هذا المرجع الأبوي.

فعل الولادة قديمًا كان يجب أن يعبر بالنيل، فالمولود يغسل فيه، استعادة لفعل التعميد القديم، فالمسيحية ظلت في النوبة ستمائة سنة إضافية، حتى دخلها الإسلام. بينما يأتون للأم الوالدة بمياه النيل، لتستمد منها قوة الحياة. أي شيء له أهمية أو قداسة يلقون به في النيل، الكتب القديمة، الأوراق التي تحمل آيات قرآنية أو الأحجبة، لابد أن ترمى في النيل، لتعود إلى أصحابها الذين يسكنون داخله كما تقول أساطير النوبة. بعكس المدينة فقد كانت أمي تجمع هذه الأوراق التي تحمل آيات أو مذكور فيها اسم الله، لتقوم بحرقها، حتى لا تهان تحت الأقدام.

الحوش السماوي

أعود لحديث الأستاذ ماهر الحكيم النوبي الذي يسكن في قرية بلانة التهجير، عندما وصف البيوت قبل التهجير بأنها كانت تفتح على الغيطان، والغيطان تفتح على النيل. كان يسمي الجزء الذي في وسط البيت والمفتوح على السماء باسم "الحوش السماوي"، والسبب في هذه التسمية أنه يرى من خلاله قبة السماء، وهو التعبير نفسه الذي استخدمه من قبله حسن فتحي في تصيممه للقبو في البيوت، ليُدخل السماء إليها.

التعبير نفسه قرأته في كتاب الدكتور محمد رياض وزوجته كوثر عبد الرسول رحلة في زمان النوبة، اللذان يسجلان فيه تلك الرحلة التي قاما بها عام 1962 لقرى النوبة قبل التهجير الأخير، متنقلين بين قراها ليحفظا كل ما تطول عيونهم وقلوبهم وذاكرتهم قبل أن تغمرها مياه السد.

تذكر كوثر عبد الرسول أحد البيوت التي زارتها، قائلة "دخلنا البيت الذي يواجه النيل من عل، وهو محاط بسور يصل ارتفاعه إلى نحو ثلاثة أمتار، مزين في جزئه العلوي بزخارف من الجبس تأخذ شكل مثلثات داخلها دوائر مفرغة، وللمنزل بوابة خشبية كبيرة، فوقها، أيضًا بعض الزخرف هندسي الشكل، عندما عبرنا البوابة وجدنا أنفسنا في حوش سماوي رملي كبير، في ركنه الأيمن جزء محاط بسور منخفض -نحو 30 سنتيمترًا- به شجرة قصيرة شبه جافة، وكانت هذه هي الحديقة كما أسموها، وكان في الجزء الأيسر من الحوش ما يسمونه "السبيل"، وهو عبارة عن جزء مسقوف على ثلاثة حوائط، والجانب الرابع مفتوح على الحوش، وسقف السبيل مصنوع من فلج النخيل وعيدان الذرة، وقد زان الجدران رسوم ملونة لأغصان وورود، (...) والسبيل هو مكان استقبال النساء، بينما يجلس الرجال خارج السور غالبًا على مصطبة مبنية، وفي مواجهة البوابة حجرتان: إحداهما للنوم، أثاثها عنجريب ومنضدة صغيرة وصندوق خشبي كبير مزدان بالرسومات الملونة، وهو مثل الصناديق التي توجد في الريف وتستعمل لخزن الملابس( ....) أما الحجرة الثانية فهي "الكانون"؛ أي المطبخ، وبها عدد من الأزيرة الفخارية صنع الصعيد، وتستخدم لخزين اللوبيا والتمر والدقيق والذرة".

البيت الكوني

مركب إلى جوار أحد البيوت في غرب سهيل- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

تتناثر الدائرة ومشتقاتها في الثقافة النوبية. فالطبيعة كانت مؤمنةً بشكل ما، أو أن الإيمان كان أساسيًا في علاقة الإنسان بالطبيعة، فالبيت مفتوح على الحياة من حوله، حقيقةً أم رمزًا، ومن خلال هذه القبة/ الدائرة، أو الحوش السماوي، يمكن أن يكون البيت نقطة مراقبة الشروق والغروب، بينما هو ثابت في المنتصف كعقرب ساعة يمر عليه الوقت، لذا هو "أثر" كونه شاهدًا قديمًا على مرور الوقت، كالساعة الرملية، فالبيت جزء من حركة أكبر تدور فيها الحياة والنجوم والليل والنهار، بل الموت والحياة.

هذا البيت العضوي، أو البيئي، غير الملوث للبيئة بالمعنى الحديث. هذا البعد الكوني الذي يشغله البيت، لا يخلو بالطبع من بعد روحاني، ليس فقط الصلة بين الأرض والسماء، بل بين الإنسان والطبيعة. فالطبيعة وتردداتها وظواهرها ليست إلا رمزًا للحظة تكامل كانت قائمة بينها وبين الإنسان، فاسترداها، داخل البيت، وفي الحياة اليومية، استرداد لنموذج إنساني متسام أو كلي، يعيش داخل ذلك البيت الرمزي.

ذاكرة أمومية كبيرة

لم ينس الأستاذ ماهر بيته القديم الذي عاش فيه عشرين سنة قبل التهجير النهائي، فبجانب المندرة التي يستقبل فيها الضيوف، وهي دائمًا عامرة بالونسات النوبية، يتذكر غرفة الكانون أو المطبخ، الذي يقع قريبًا من مكان معيشة النساء. يتعجب من براعة التصميم، كون الشمس كانت لا تتعدى الفراندات الخارجية في الصيف، كأنه يتكلم على حساب سقوط الشمس على وجه الملك رمسيس في معبد أبو سمبل. ويذكر أنه كان هناك حساب داخل لغرف جديدة داخل هذا الحوش السماوي، ليسع أسر جديدة ستخرج من رحم الأسرة الأم.

تحدث عن غرفة الكانون أو المطبخ الخاص بالنساء، فذكرى البيت تأتي محمولة على روائح النساء ودفئهن، هناك علاقة عضوية بين البيت والنساء، فبجانب المشغولات التي تصنع بأيديهن، وغرفة الكانون الدافئة التي تشغلها المرأة روحًا ورائحة؛ تشعر أن البيت ليس له امرأة واحدة، ولكن أجيالًا من النساء، يتلبسن جسد هذه المرأة الواحدة.

لا يمكن حساب الفردية بهذه الطريقة، فالدفء، يقابله مجتمعًا، وليس فردًا، ومن يوفر الدفء، سلسلة من النساء. ربما خصوصية، واستقلال المرأة النوبية، ليس آتيًا فقط من احترام المجتمع لها، ولكن من الدور القديم الذي كان لها عبر التاريخ، وأيضًا دورها ومعاناتها في الحاضر قبل التهجير، وبعده، فكان لها هذا الاستقلال المدفوع الثمن، فبنت نفسها بنفسها عبر سلسة من التعلم من الأمهات والجدات، وبحفاظها على تماسك هذه السلسلة. هناك ذاكرة أمومية كبيرة كانت تساعد النساء على الاستمرار والتحدي.

شلوية وفقير الجاز

في أغنية نوبية شهيرة ذكرتني بها صديقة نوبية، عندما سألتها عن دور المرأة النوبية، والطريقة التي بنت بها استقلالها، الذي جاء من معاناتها الذاتية. دلتني على أغنية شلوية، التي يغنيها المغني النوبي خضر العطار، وأرسلت لي ترجمة وشرح للأغنية، قام به أحمد عيسى الشاعر النوبي.

تحكي الأغنية عن حياة المرأة في النوبة القديمة، التي كانت تعاني الوحدة والصراع ما بين تربية الأبناء ورعاية الأرض، بسبب سفر الزوج، الذي يمثله فقير الجاز، في الأغنية، إلى مصر ليعمل بوابًا في أحد البنايات. فاضطرت شلوية، وهذا هو اسمها، بأن ترسل له العديد من الرسائل بشتى الأساليب، ليعود لبيته وأرضه، فتغازله تارة، وتنصحه تارة، وتتوعده تارة أخرى، وتلقي عليه مسؤولية ترك الزوجة والزراعة ليعود.

تستهل شلوية الأغنية بأن تحتسب وتفوض ما تعانيه لله، مع دعائها لزوجها بأنه يحفظه الله "حسب الله ودعناك الله". ثم توجه الرسالة تلو الأخرى مع المسافرين إلى مصر، ليخبروا زوجها أن شلوية التي تنتظرك أصبحت كالأرملة، يساعدها الناس في رعاية الأرض. فتطلب من ناقل الرسالة أن يطلب من زوجها العودة. أما الرسالة الثانية فتذكره بأن مصر ليست مكانه حيث إن كوبري شبرا ليست من ورث آبائه ولا مصر العتيقة داره.

أما الرسالة الثالثة فتغريه فيها بأن أنواع الرزق في النوبة أفضل مما هو موجود في مصر، حيث إن الشعرية تتماوج في صحن الحليب تمامًا كموج البحر، وأن قيراطًا من الملوخية، التي تزرعها، يكفي لعام بينما أنت جالس في حراسة البيت تأكل من فول مصر. ثم تختم الأغنية بصيحة حارة "كيري تاري منقجن جو فقير الجازكا"، أو "دعوا فقير الجاز يعود لي".

باب السر

رغم الحضور القوي للمرأة في كل مظاهر الحياة اليومية، حتى الرقص والغناء الجماعي، لكن للنساء أيضًا، سرية ما تحوط بهن، ظهرت في طريقة بناء البيوت. وضع التصميم مسارًا للمرأة بعيدًا عن أعين الضيوف أو الغرباء بشكل عام. هناك باب يخصهن وحدهن يسمى "باب السر"، يقع خلف البيت وباب آخر يسمى "باب الناس" في الأمام.

هناك شيء آخر يرتبط بالباب، يخص النساء، أو ربما يخص خصوصية البيت وحرمته، وهو وضع القفل الخشبي على الباب من الخارج. أقفال البيوت لها تكوين نحتي، وتسمى الضبة، وهي عبارة عن قطعة مستطيلة رأسية من خشب شجر السنط، مثبته في الباب، وجزء أفقي متحرك به يمر داخل الجزء الرأسي، وضع الجزء الأفقي يعتبر رسالة للغريب، أو من يأتي سائلًا عن أهل الدار.

لم تصنع الأقفال للحماية، فهناك بيوت بلا أقفال، مجرد حبل صغير يصل بكالون الباب يردها للداخل، وإنما صنعت لتكون رسالة للزائرين. ربما السبب أن مجتمع البيت حياته مرتبطة بخارجه، ودليل على أهمية الضيف أو الغريب. فهناك كتلة اجتماعية أكثر منها عائلات مستقلة بنفسها. أثناء رحلة التهجير خلع بعضهم تلك المفاتيح والأقفال ليحتفظوا بها كدليل رمزي على العودة، ويمكنهم في أي وقت الدخول من ذلك الباب القديم.

الونسة

من داخل أحد البيوت النوبية التقليدية- الصورة: ويكيمديا برخصة المشاع الإبداعي

كلمة "ونسة"، التي أسمعها من صديقتي النوبية، من أجمل التعبيرات على أذني، ليس هو الحديث بين اثنين، أو التسلية وتمضية الوقت فقط، ولكن التبادل الروحي والمكاشفة بين شخصين، كونها في الأغلب تقتصر على اثنين، هذا ما أستشعره في الكلمة، هي طريقة خاصة من طرق الحوار، وعادة ما يطول زمن "الونسة"، فهي ليست تمضية وقت أو واجب، بل أن تترك نفسك سابحة عبر هذا التيار الجاري من الكلام، فالونسة جزء من خبايا الذاكرة، وأيضًا أعزي الكلمة للنساء، تأنيث للونس، أشعر بأنها تخصهن أكثر من الرجال، أو هي ولدت من ذاكرة المرأة لتصبح طريقة شفافة للحوار، تعيش داخلها هذه الذاكرة الأمومية الكبيرة.