تصميم: يوسف أيمن - المنصة

كيف ودع الجنيه عزلته القديمة وارتبط بالعالم واضطراباته

في عام 1975، عندما كانت مصر تخطو خطواتها الأولى للتعامل مع صندوق النقد الدولي، سأل الصحفي الشاب إبراهيم نافع وزير المالية أحمد أبو إسماعيل، في حوار نشرته الأهرام، عما إذا كان صندوق النقد الدولي يمارس ضغوطًا على مصر لتخفيض قيمة العملة، ليرد الأخير بأنه ومع إدراكه أن الجنيه ليس مُسعرا بقيمته الحقيقة، لكن "كان رأينا الذي أقنعنا به الصندوق أننا إذا خفضنا قيمة العملة حاليًا فهذا معناه أننا نرفع أسعار السلع جميعًا".

هذه الإجابة تبين كيف كان تسعير الجنيه شأنًا محليًا إلى حد كبير، ففي ذلك الوقت لم نكن اندمجنا بعد بقوة في أسواق المال العالمية، ولكن ما حدث في السنوات الـ 47 التي تلت هذا الحوار، أفرزت واقعًا متناقضًا بشكل كلّي، عبّر عنه محافظ البنك المركزي طارق عامر خلال مؤتمره الصحفي يوم الاثنين الماضي، وركز فيه على ردود الفعل الدولية كمحرك رئيسي للسياسة النقدية في مصر، عندما قال إن "الحركة في أسعار الصرف كانت عملية تصحيح (..) يعكس الأوضاع المالية والاقتصادية في العالم لأن إحنا جزء من العالم النهاردة".

لم يكن تدويل الجنيه مألوفًا في مصر حتى تسعينيات القرن الماضي، من بعدها صرنا أكثر انفتاحًا على النظام المالي العالمي، وعشنا تخفيضات قوية للجنيه، مثل تجربة تعويمه في 2003 بنحو 19%، لكننا كنا نشعر أن العملة أكثر استقرارا.

لقد بدأنا التسعينات والدولار يساوي الجنيه تقريبًا، وانتهينا في 2016 وثمنه يقترب من تسعة جنيهات، لكنَّ الفترة الزمنية بين كل انخفاض كبير وآخر كانت طويلة، وكانت التخفيضات تتم بصورة متدرجة، بضعة قروش لا نشعر بأثرها. لذلك، يبدو الانخفاض الأخير صادمًا، ليس فقط بسبب قيمة التراجع، ولكن لأن الزمن الفاصل بين ما حدث للجنيه يوم أمس وما جرى في 2016، أقل من ست سنوات.

لذلك فإن الأسئلة الأجدر بأن نطرحها تتعلق بما إذا كنا دخلنا في عصر جديد من عدم الاستقرار للعملة، ومدى ارتباط ذلك بما يمكن أن نعتبره تغيرًا في علاقة مصر بالنظام المالي العالمي.

حوار وزير المالية أحمد أبو إسماعيل مع الأهرام في 22 أغسطس 1975

من الصعب أن نجزم بأي شيء عن مستقبل أي عملة، لكن من المؤكد أن شيئًا عميقًا تغير في حياتنا منذ 2016، فقد مثَّل هذا التاريخ مرحلة جديدة تخلت فيها الدولة عن عقيدتها المحافظة بشأن الاستدانة من الخارج، ومع توسع دور الديون الأجنبية أصبحت حياتنا اليومية أكثر ارتباطًا بما يجري على شاشات المضاربين.

ما الذي أوصلنا للتعويم مجددًا؟

السعر الذي وصل إليه الدولار أمس لم يكن جديدًا علينا، فقد جربناه بعد تعويم 2016 عندما كان يتحرك قرب أو فوق الـ 18 جنيهًا، واستمر على ذلك حتى بدأ في أخذ مسار منتظم من الانخفاض منذ 2019، ليستقر عند 15.5 منذ 2020.

ليس السعر هو الشيء الجديد إذًا، حيث تعايشنا منذ ست سنوات مع صدمة أن يسجل سعر الدولار 20 جنيهًا، ولكن السؤال الأكثر إلحاحًا هو؛ لماذا عدنا بسرعة إلى هذه المستويات المتدنية بعد أن كنا نتباهى بنجاح الإصلاح الاقتصادي وقدرة الجنيه على الارتفاع أمام الدولار خلال السنوات الماضية؟

العامل الحاسم في تحديد قيمة الجنيه أمام الدولار هو أحوال السوق الكبير الذي نعيش فيه، في داخل هذا السوق يوجد الملايين من متداولي العملة لأغراض مختلفة، وأسر تتلقى دولارات من ذويها في الخارج، وشركات سياحة ومصدرون يحصلون على دخلهم بالعملة الصعبة، وفي المقابل هناك تجار يبحثون عن العملة الخضراء لتيسير أعمالهم، ورجال صناعة يريدون الدولار لشراء المزيد من الماكينات الضخمة، وغيرهم.

عملية شراء أو بيع الدولار قد تتم داخل البنوك، وهذا ما نطلق عليه "السوق الرسمية" أو قد تتم مع أصدقائنا ومعارفنا وهذا ما نطلق عليه "السوق السوداء".

يراقب البنك المركزي طوال الوقت عمليات التداول على العملة في السوقين، لكنه لا يستطيع التحكم بشكل مباشر إلا في السوق الرسمية، رغم أن البنوك حرة في تسعير الدولار بالسعر الذي تشاء، لكن البنك المركزي الذي يعرف جيدًا ما لدى هذه البنوك من عملة صعبة، وينشر هذه البيانات في نشرته الشهرية تحت مؤشرات مثل"صافي الأصول الأجنبية لدى البنوك"، ويستخدم العديد من الحلول لمساعدة البنوك على تحسين أحوال العملة لديها عندما يجد أن صافي الأصول يتجه للتراجع، وبالتالي يقدر على التحكم بشكل غير مباشر في السعر الرسمي.

أما السوق السوداء فهي خارج يده تمامًا، ولا يملك السيطرة عليها إلا بأن يقنع الرأي العام بأن الدولار متوفر في البنوك ولا حاجة للبحث عنه في أسواق موازية.

تبدأ العملة في الاهتزاز عندما يذهب أحدهم إلى البنك ليشتري دولارات فيفشل، عندها يتوجه إلى أحد أصدقائه، وعندما يعرف هذا الصديق أن الدولار لم يعد متاحًا يرفع سعره بأكثر من السعر الرسمي، من هنا تنشأ الفجوة بين السوق الرسمية والسوق السوداء، ولا يملك البنك المركزي حيالها سوى أن يترك الجنيه للانخفاض في السوق الرسمية حتى يترك الناس السوق السوداء ويعودون إلى البنوك مجددًا.

حدث هذا السيناريو في 2016، وخلال السنوات التالية استخدم البنك المركزي العديد من الأدوات المالية لمنع تكراره، لكن الخطر كان يقترب كل فترة، حتى بدا وشيكًا في 2022 ما دعا لأخذ هذه الخطوة بسرعة.

الأداة الرئيسية التي اعتمد عليها البنك المركزي لتوفير الدولار هي سعر الفائدة، فهو يتحكم في أسعار الفائدة خلال تعاملاته مع البنوك، وهذا السعر هو سعر توجيهي للسوق كله، وبالتالي عندما يرفع المركزي الفائدة تقوم وزارة المالية بدورها بزيادة العائد على الديون التي تقترضها من الخارج، سواء في سوق الديون قصيرة الأجل (أذون الخزانة) أو الديون طويلة الأجل (السندات).

هكذا استطاع البنك المركزي باستخدام سعر الفائدة أن يجذب المليارات من الخارج إلى أسواق الدين الحكومية، لكن المشكلة أن نظام الاحتياطي الفيدرالي (المؤسسة الموازية للبنوك المركزية في الولايات المتحدة) كان يتجه في هذا الوقت أيضًا لزيادة الفائدة، فهو يحاول جاهدًا جذب الأموال من جديد بعد سنوات طويلة من ركود أزمة 2008، وبالتالي رأى كثير من المستثمرين الأجانب أن الاستثمار في الديون الأمريكية أكثر إغراء من مصر.

أفرطت الحكومة في الاعتماد على التمويل بالاستدانة، بينما بدت عاجزة عن إحداث طفرة في الاستثمار الأجنبي المباشر، أي الاستثمار الحقيقي مثل بناء أو شراء مصنع، وهو ما جعلنا معرضين بشكل أكبر لصدمات خارجية.

مثّل ذلك مشكلةً كبيرة للعديد من الأسواق الناشئة خاصة في أواخر عام 2018، عندما تحدث البنك المركزي المصري عن تأثير خروج أموال الأجانب على عجز ميزان المدفوعات، لكن الجائحة أعادت الاحتياطي الفيدرالي مجددًا لخفض الفائدة وأعاد الجاذبية لمصر.

مع اتجاه الولايات المتحدة من جديد لرفع الفائدة هذا العام، والتوقعات بمزيد من الزيادة في ظل ضغوط التضخم العالمي، بدأت وكالات الأنباء تتحدث من جديد عن خروج الأجانب من سوق الديون المصرية، وهو ما يعد أحد مقدمات إعادة الجدل حول مدى توافر العملة الصعبة في مصر، وإذا ما كان الجنيه مقومًا بسعر عادل أم مبالغ فيه.

ليست الفائدة وحدها المسؤولة، ولكن أيضا قرار الرئيس الروسي بوتين بحرق جارته أوكرانيا بسبب عدم رضاه على نظامها الحاكم. النيران التي اشتعلت في أقصى الشرق كانت تعني بالنسبة للعالم ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط، ما يستنزف المزيد من دولاراتنا في شراء الطاقة، وبالنسبة لنا على وجه الخصوص ارتفاعات كبيرة في سعر القمح، وتراجع عنيف في إيرادات السياحة لأن نسبة كبيرة سياحتنا تأتي من البلدين المتحاربتين.

العوامل السابقة تفسر لنا الانخفاض الجديد في العملة، لكن لا تجيب عن سؤالنا الرئيسي، فالحروب تندلع دائمًا والفيدرالي الأمريكي يغير الفائدة طوال الوقت، لكننا لم نكن نشعر أن ما يجري في العالم يدخل في صميم حياتنا اليومية مثلما نشعر الآن.

كيف أصبح الجنيه "عالميًا"؟

قدرة الدولة على جعل الجنيه شأنا محليا كانت ترتبط بعزلتها النسبية عن النظام المالي العالمي، فجزء كبير من احتياجاتنا كنا ندبرها عن طريق الاتحاد السوفيتي، ولم تكن لدينا تطلعات استهلاكية قوية، حيث ورث النظام الناصري من حقبة الحرب العالمية الثانية منظومة قانونية تسيطر بقوة على حركة العملة والتجارة، وأضاف عليها في 1963 تشريعًا أصبحت الدولة بمقتضاه هي التاجر الوحيد في البلاد.

ولكن مع بدء إجراءات تحرير التجارة في السبعينيات، والتراجع التدريجي لدور السوفيت في الاقتصاد العالمي، تكالبت علينا الديون، حتى اقتربت الدولة من الإفلاس في أواخر الثمانينيات، وهو ما مهد لعصر اقتصادي جديد مع تسوية ديوننا الدولية في التسعينيات، أصبحنا نلتزم فيه جديًا بتنفيذ شروط الدائنين المتعلقة بتحرير الاقتصاد.يفسر هذا السياق التاريخي تخفيض سعر الجنيه في أوائل التسعينيات، وبداية نشاط سوق أذون الخزانة الحكومية الذي صار بعد ذلك مجالًا أساسيًا لاستثمارات الأجانب وتدفق دولاراتهم.

بعد هذا التخفيض لم نشهد تحركًا قويا في سعر الجنيه حتى وقوع أزمة جنوب شرق آسيا، والتي قادتنا إلى ارتفاعات تدريجية في الدولار ثم صدمة في سعره عام 2003 مع تبني سعر صرف مرن.

يمكننا أيضًا أن نلاحظ أنه منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 التي امتدت تأثيراتها إلى مصر، ثم وقوع حدث محلي عظيم هو ثورة 25 يناير بانعكاساته القوية على احتياطات النقد الأجنبي في البلاد، ورغم أن هذه الأزمات استنزفت تدريجيًا قيمة الجنيه، فقد ظلت التخفيضات محدودة ولا تعبر عن قوة هذه الأزمات وأثرها على الاقتصاد.

وكما يوضح الرسم التالي، فإن التغير في السعر الرسمي للدولار خلال الفترة التي شهدت هذه الأزمات كان يقتصر على نحو ثلاثة جنيهات، وهي نفس قيمة الزيادة الأخيرة في سعر الدولار مع فرق أنها حدثت في بضع ساعات.

الواقع أن الدولة، وبرغم استعدادها القوي لتحرير الاقتصاد منذ التسعينيات، ظلت متمسكة بعقيدة محافظة بشأن كبح فرص زيادة الديون الخارجية، وهو ما ساعدها على عزل الاقتصاد المحلي جزئيًا عن ما يجري في العالم، ولكن هذه العقيدة تغيرت منذ 2016، ما جعلنا "جزءًا من العالم" كما قال محافظ المركزي المصري.

ما تبعيات تغيير عقيدة الدولة المالية؟

كلنا ندرك أن الدولة أصبحت تستدين بوتيرة أكبر مما سبق، ويميل الاعتقاد الشائع إلى تصور أن الدولة في ورطة وأنها تتمادى في الاقتراض لتخفيف وطأة هذه الورطة، لكن الواقع ليس بهذه الصورة.

كما يظهر من الرسم التالي، فإن نسبة الديون الخارجية لقيمة ناتجنا الإجمالي ترتفع باطراد منذ 2014، أي أننا أمام سياسة جديدة للديون، لا مجرد أزمة طارئة تقتصر على فترة قصيرة.

نسبة الديون الخارجية المصرية إلى الناتج المحلي الإجمالي.

شهوة الاقتراض الزائدة من الخارج لا تأتي مدفوعةً فقط بالرغبة في الاستدانة لتغطية ديون قديمة، ولكن أيضًا من أجل تمويل مشروعات إنشائية كبيرة وأعمال في البنية الأساسية.

ومع البدء في هذا الاتجاه منذ 2014، كان من الطبيعي أن نصل إلى محطة تعويم الجنيه في 2016، فالممول الأجنبي لن يقبل بأن يستثمر في الديون المصرية وهو يعلم أن الجنيه مُسعر بأكبر من قيمته، لأن هذا يعرضه إما لخطر أن تفقد استثماراته قيمتها مع انخفاض الجنيه، أو لخطر عدم القدرة على الخروج من السوق المصرية نتيجة نقص الدولارات.

بدءًا من 2016، كانت تصورات الدولة عن نموذج النمو الاقتصادي الذي يعتمد على التوسع في الإنشاءات، والمعزز بتمويل دولي وبسياسة صرفٍ أقرب للتصورات العالمية، قد اختمرت تمامًا، ولهذا يحلو للحكومة أن تسمي السياسات التي انتهجتها منذ هذا الوقت "إصلاحًا اقتصاديًا"، حتى وإن كنا نشعر بالألم من التضخم، لكن الدولة ترى أنها نجحت، لأن النمو الاقتصادي مستمر.

لماذا قد يصبح التعويم روتينًا؟

استطاعت الدولة بالفعل أن تحافظ على معدلات نمو قوية وهي تتخلص من عقيدتها المحافظة بشأن الديون، وبفضل التدفق المنتظم للدولارات على أدوات الدين الحكومية نجحت في تجاوز أزمات عالمية مثل الجائحة، لكن هذه السياسة كانت لها العديد من الانعكاسات على الاقتصاد والمجتمع في آن واحد.

بالنسبة للأثر الاجتماعي، فإن دخول المال الدولي بقوة في تمويل أعمال الإنشاءات والبنية الأساسية، كان يدفع الدولة بقوة لتحرير أسعار العديد من الخدمات العامة، فهي تحصل على أموالها من "السوق" وبالتالي يجب أن يهيمن منطق السوق على سياساتها في تسعير المنتج النهائي.

من جهة أخرى، أفرطت الحكومة في الاعتماد على التمويل بالاستدانة، بينما بدت عاجزة عن إحداث طفرة في الاستثمار الأجنبي المباشر، أي الاستثمار الحقيقي مثل بناء أو شراء مصنع، وهو ما جعلنا معرضين بشكل أكبر لصدمات خارجية مثل ارتفاع الفائدة الأمريكية.

فعلى سبيل المثال، لا نرى في الرسم الخاص بنسبة الاستثمار الأجنبي المباشر قمة جبلية مرتفعة مثل التي نراها في رسم الديون، وإنما يبدو أشبه ببحيرة راكدة لم تتغير أحوالها على مدار السنوات السابقة.

نسبة الاستثمار الأجنبي المباشر لمصر إلى الناتج المحلي الإجمالي.

هذا التركيز القوي على التمويل عبر الدائنين، وليس المستثمرين، بجانب مشكلاتنا الموروثة من الحقب الماضية مثل الاعتماد القوي على استيراد القمح والوقود، يجعلنا أكثر عرضة لتقلبات العملة عن ذي قبل.

وأمام الصدمات الخارجية، تضطر الحكومة مع الوقت لتخفيف حمولة السفينة حتى تظل طافية فوق المياه، فهي تحد من فاتورة استيراد المحروقات عبر دعم تحرير الدعم، ومن فاتورة استيراد القمح عبر التخلي عن دعم الرغيف، ما يؤدي بالتدريج لتآكل دورها الاجتماعي.

باختصار، هناك شواهد قوية على أننا منذ 2016 دخلنا إلى عصر جديد، أصبحنا فيه أكثر التصاقًا بالنظام المالي العالمي وتقلباته، وأن الأجيال الجديدة ربما لن تعرف الاستقرار الذي عشناه من قبل، ولكن ستصبح جزءًا مما كانت تصفه أستاذة العلوم السياسية الشهيرة سوزان سترينج برأسمالية الكازينو، حيث تتقرر الكثير من شؤون حياتنا اليومية في غرف المضاربين المغلقة.