تصميم: يوسف أيمن - المنصة

صلاح منصور: كتلة فوتوجينيك من الموهبة المتوهجة

ليس هناك أسهل ولا أصعب من الحديث عن التمثيل والممثلين. فمن بين كل صناع الفيلم يظل الممثل هو الواجهة التي يحكم بها الناس على العمل. وكما يحدث في كرة القدم لا يرى الجمهور ما يفعله المدير الفني أو المدربين أو خطي الدفاع والوسط أو صناع اللعب، ولكنه يهلل هاتفًا للفريق حين ينجح لاعب هجوم في إحراز هدف، ويلعن الفريق كله إذا فشل هذا اللاعب في التسجيل.

هل التمثيل موهبة يولد المرء بها، مثل المغني والمؤلف الموسيقي والرسام؟

أكيد، ولكن الموهبة نفسها شيء غامض لا يمكن تعريفه، خاصة فيما يتعلق بفنون الأداء، فكم من مغن أو ممثل موهوب لم يحبه الجمهور، وكم من مغن أو ممثل متواضع الموهبة عشقه الجمهور؟

الموهبة خليط من عوامل كثيرة يصعب قياسها أو تحديدها، لدرجة أن عيب ما في الأحبال الصوتية لمغن أو في أنف ممثلة قد يكون سببًا من أسباب القبول والنجاح.

تخيل مثلا عبد الفتاح القصري دون عينيه الحولاء، أو إسماعيل يس دون فمه الكبير، أو عبد الحليم حافظ دون جسده النحيل الضعيف؟

تخيل صلاح منصور دون وجهه وصلعته المدورين ككرة قدم، وبطنه الممتلئة الممتدة أمامه كبالونة. أحيانًا يضطر الممثل إلى الانتظار أعوامًا حتى تتشكل ملامحه بطريقة محددة مميزة تجعل موهبته ظاهرة ومحببة إلى الكاميرا والجمهور.

صياد وجد فريسته

في حوار تليفزيوني مع عمر الشريف قبل سنوات قليلة من رحيله جاء ذكر فيلم بداية ونهاية، الذي أخرجه صلاح أبو سيف عام 1960، وشارك في بطولته عدد من النجوم، منهم فريد شوقي، أمينة رزق، سناء جميل، كمال حسين، آمال فريد وعمر الشريف الذي قدم في هذا الفيلم واحدًا من أفضل أدواره، حتى ذلك الحين، وكذلك بقية الممثلين.

عندما سئل عن دوره في الفيلم لم يتحدث النجم العالمي عن نفسه ولا بقية الممثلين الذين تصدرت أسمائهم الأفيش، ولكنه ذكر ممثلًا صغيرًا لعب دورًا ثانويًا في الفيلم هو صلاح منصور، قائلًا فيما أذكر "كلنا كنا عبط مقارنة بصلاح منصور".

مشهد تهرب سليمان من نفيسة في فيلم بداية ونهاية


دور صلاح منصور في بداية ونهاية قصير مقارنة ببقية الشخصيات الرئيسية، ولكنه لافت للعين التي تهتم بأكثر من مصائر الشخصيات الرئيسية، وهو يصلح لدراسة طبيعة موهبة هذا الفنان الفذ.

المشهد الأول الذي يظهر فيه، في شخصية سليمان، ابن البقال، يبدأ بنفيسة (سناء جميل) تسير وسط الحارة تتعرض لمغازلات الرجال، الذين يشيرون إلى أنها نضجت وظهرت أنوثتها، مما يمهد لظهور سليمان، كواحد من هؤلاء الطامعين.

تقترب نفيسة من دكان البقالة حيث يظهر سليمان يحيط به بعض الزبائن، وعندما يرى نفيسة قادمة يبدأ في مغازلتها بكلام يوجهه إلى الزبائن، من نوعية "مين يرحم سليمان"، "أنا مستني بقالي سنين"، وعندما ينصرف الزبائن فيما عدا نفيسة يبدأ في مغازلتها بشكل أوضح، ويدعوها لدخول الدكان حيث يعطيها بعض الحلوى ويطلب منها أن تلتقيه يوم الجمعة. يبدو صلاح منصور مرحًا، متوددًا، ضعيفا في بعض اللحظات عندما ترفض نفيسة دعوته للقائها، ملحًا، ومتشبثًا إلى أن توافق.

المشهد التالي الذي يظهر فيه، يبدأ به واقفًا تحت إضاءة مصباح شارع في المساء، تلفه الظلال، قلقًا، يفرك يديه ويتطلع حوله وإلى أعلى. تظهر نفيسة من خلفه وعندما يراها يتهلل، ويحيط بها مثل صياد عثر على فريسته، لا ينوي أن يفلتها تحت أي ظرف.

في هذا المشهد الذي يسيطر فيه صلاح منصور على "الكادر"، مقارنة بالمشهد الأول، يوظف كلًا من جسده وصوته بمرونة، ينكمش وينفرد جسده، يتهدج وينخفض ويعلو صوته، يعطي كل لحظة من المشهد تعبيرًا مختلفًا، لكن الشعور المسيطر تحت كل هذه التعبيرات هو الرغبة المستعرة التي تظهر في صوته ولمسات يديه المتكررة لوجه نفيسة وجسدها، وينتهي المشهد بصوته فقط يردد "تعالي..تعالي.." بينما تسير نفيسة خلفه.

بعد قطع على مشهد على سلم البيت يحاول فيه الأخ الأصغر حسنين (عمر الشريف) الإيقاع بجارته (آمال فريد) كما يفعل سليمان مع نفيسة ولكن يفشل، نعود إلى نفيسة وسليمان يقتربان من بيته. إنه يسير أمامها بخطوات حتى لا يلحظ أحد سيرهما معًا، ولكن عندما تتردد يسارع بالعودة لجذبها، ثم يبتعد مرة أخرى ويقترب، إلى أن يصلا للبيت فيدفعها داخله. تنتقل الكاميرا إلى داخل الشقة في زاوية مائلة بوضوح. هذه الطريقة المصطنعة في وضع الكاميرا تخدم هدفين: الأول هو التعبير عن السقوط والانحراف حيث ينتهي المشهد بنجاح سليمان في إغواء نفيسة ويفقدها عذريتها، والثاني هو تخفيف شهوانية ذلك المشهد الجريء.

يتحول صلاح منصور إلى كتلة من الرغبة، لكن رغبته ذات طابع بدائي، لا مجال فيها لرقة الحب أو أناقة الغواية. إنه لا يكف عن الكلام، ولكنها كلمات سريعة لاهثة، يلقيها من فمه كما لو كانت شبكة عنكبوت تحيط بفريستها حتى لا تفكر. تحاول نفيسة الفرار فيلحق بها، يحملها ويعود بها إلى الفراش، يواصل الحديث، ويحيط بجسدها، يعانقها ويقبلها، ويكاد يمنعها من التنفس إذا كان هذا ممكنًا، إلى أن تضعف تدريجيًا وتستسلم.

عادة ما تمنح مثل هذه المشاهد لدون جوان جذاب، على طريقة فالنتينو في السينما الأمريكية، من نوعية كمال الشناوي، يوسف شعبان، عادل أدهم، أو حاتم ذو الفقار. لكن الشخصية هنا مصرية وواقعية، تلك الواقعية الأقرب للطبيعية التي تميز أعمال صلاح أبو سيف الجيدة، التي يربط فيها السلوك الإنساني بالحيواني ببراعة.

من هاملت إلى سليمان

دور سليمان في بداية ونهاية هو بداية صلاح منصور الحقيقية في السينما. قبله لعب بعض الأدوار الصامتة والصغيرة جدًا فيمًا يزيد عن عشرين فيلمًا، ربما يؤدي بها جملة أو حركة لافتة لموهبته، وليس أكثر من ذلك، بينما كان المسرح هو المجال الخصب الذي نمت فيه موهبة صلاح منصور مع بداية الأربعينات.

ولد منصور في السابع عشر من مارس 1923، قبل 99 عامًا من الآن، وانتقل من قريته بشبين القناطر إلى القاهرة في مراهقته، حيث عمل بالصحافة ثم التمثيل قبل أن يكمل العشرين، وشارك مع كبار مخرجي وممثلي المسرح في عدد كبير من الأعمال العالمية والمصرية، ومن الحكايات المتداولة أنه بدأ حياته التمثيلية بأداء شخصية هاملت على المسرح، وأنه ختم حياته بها، حيث أدى لشقيقه بعض العبارات منها، أثناء مرضه الأخير بالمستشفى.

صلاح منصور في النسخة التليفزيونية من الأوبريت الإذاعي علي بابا


في المسرح والإذاعة كانت المساحات التي أفردت لموهبة صلاح منصور أكبر، ولم تنتبه السينما لها سوى متأخرًا، وربما بعد فوات الأوان، فقد لاحقته المصائب العائلية والمرض ومات في يناير/كانون الثاني 1979، قبل أن يتم عامه السادس والخمسين.

لأي نوع من الممثلين ينتمي صلاح منصور؟ وما هي طبيعة موهبته التمثيلية؟

لنعد إلى شخصية سليمان في بداية ونهاية.

بعد قطع مرة أخرى إلى حسنين وقد صعد إلى بيت جارته التي صدته ليطلب يدها، نعود إلى الغرفة التي تضم سليمان ونفيسة. هنا يسيطر سليمان على الكادر تمامًا. لا تزال زاوية الكاميرا مائلة، وسليمان ينهض ليسوي جلبابه ويطلب من نفيسة الإسراع بالذهاب لأن أمه على وشك الحضور. لا نرى سوى ظهر نفيسة المنكسر تلملم أشيائها وسليمان يكاد يطردها "يالا..يالا". تخرج نفيسة ويظل هو في المشهد يمسح آثار قبلات نفيسة من فوق وجهه.

المشهد التالي لسليمان ونفيسة في الدكان. الكاميرا هنا داخل الدكان تطل على الشارع على عكس المشهد الأول، يظهر جزء من جانب سليمان يتحرك (يمارس الجنس مع نفيسة غير الظاهرة)، وطفل من الزبائن ينادي عليه من الشارع. مرة أخرى يتراوح أداء صلاح منصور بين العنف تجاه الصبي أولًا، ثم تجاه نفيسة من جهة، والخوف من افتضاح أمره من جهة ثانية.

يظهر ذلك بوضوح أكبر في المشهد التالي عليه، الذي يبدأ بصوته المميز يتردد في الشارع، يغازل الفتيات على باب دكانه بمرح وصوت متلاعب ممتلئ بالرغبة يذكر بمغازلاته لنفيسة في المشهد الأول، ولكن عندما يلتفت ليرى نفيسة تنظر نحوه ينتابه الخوف، ويخبرها (متحدثًا إلى الفراغ) بأنها الوحيدة في القلب، وفي تلك اللحظة يظهر حسن، أخو نفيسة الأكبر، المغني البلطجي ليمسك بخناق سليمان.

حسن الذي علم بأن سليمان سيتزوج من ابنة بقال آخر اختارها له والده، يأتي ليبتز سليمان وأبيه طالبًا منهما أن يكون مطرب حفل الزفاف، ولكن سليمان يعتقد أن حسن علم بعلاقته بنفيسة وأنه على وشك إفشاء السر لوالده وإجباره على الزواج منها، فيصيبه الرعب، ويتحول لما يشبه فأر في مصيدة، ولكن في اللحظة التي يعلم فيها بالهدف الصحيح لزيارة حسن تدب الحياة في أوصاله من جديد، ويضحك ضحكًا هيستيريا لا يستطيع التحكم فيه.

المشهد بأكمله ملك صلاح منصور، يملأه بالتعبيرات المتتالية المتباينة، ويفسر حركة المشهد ومعناه: لو أن حسن استخدم قوته الهائلة هذه لحماية أخته، لما استطاع سليمان أن يفر بفعلته، وعندما يضحك مقهقها، فإن حسن الذي يتوسط المشهد يتحول من فتوة إلى أضحوكة.

يعود حسن إلى بيت العائلة وتعلم نفيسة أن سليمان على وشك الزواج، فتذهب إلى دكان البقالة لمواجهته، ليدور آخر مشهد مهم يظهر فيه صلاح منصور. يبدأ المشهد من داخل الدكان أيضًا، حيث يبدو سليمان منحنيًا مثل حيوان يجلب بضاعة ما لزبونة أمام النافذة، يلمح نفيسة فينتابه الرعب. يحاول التهرب ولكنها تصر، فيلحق بها إلى الشارع، حيث يحاول في البداية أن يهون من شأن زواجه، ويخبرها أنه مجبر عليه ولا يستطيع الرفض، وعندما تمسك برقبته ويعلو صوتها يتحول إلى العنف ويخبرها بأنها أتت إليه بإرادتها، ثم يفر هاربًا من بين يديها كفأر مذعور أمام الكاميرا حتى يختفي وسط المارة.

أدوات الممثل

في دور سليمان يبين صلاح منصور امتلاكه الكامل لأدوات الممثل الجيد، من تعبيرات الوجه التي تطفو بسهولة ودقة على عينيه الكبيرتين الجاحظتين وعضلات وجهه المتموج كماء رقراق بالمشاعر، وجسد لا يقل عن الوجه قدرة على التعبير، يتحول إلى القوة والضعف، العنف والجبن، ينكمش ويتضخم كما يشاء، وصوت متمكن من الإلقاء، يعرف كيف ينطق الكلمات ويحملها ما شاء من إحساس، يتلاعب به مثل مغن محترف، يكفي أن تستمع إليه لتعرف طبيعة الشخصية وأفكارها المعلنة والخفية.

لعب صلاح منصور عددًا من الأدوار المهمة في السينما، منها أدواره في الزوجة الثانية، البوسطجي، شيء في صدري، حكاية بنت اسمها مرمر، قصة دنيا الله من فيلم 3 قصص، العصفور، وغيرها من الأدوار المتميزة.

فيلم ثلاث قصص


ربما يكون دوره في الزوجة الثانية (صلاح أبو سيف، 1967) هو ذروة أعماله، وأكثرها حضورًا في ذاكرة المشاهدين. هنا يبدو صلاح منصور أضخم، وأنضج، وأقرب للصورة المميزة لشخصيته السينمائية: العمدة عتمان الذي تحركه الغرائز والأطماع، قادر على ارتكاب الشر وإلحاق الأذى بالآخرين، وضعيف حد الهوان والذل أمام الزوجة الأولى، ثم بفعل خيانة الزوجة الثانية والمرض.

مرة أخرى نجد أنفسنا أمام كتلة من الشهوة المتحركة، باندفاعها العنيف، وانحسارها الخفيض.

تظهر طبيعة العمدة عتمان أول ما تظهر في علاقته بالأكل. يستخدم صلاح منصور جسده وعينيه الممتلئين بالتعبير ليبين تلك الطبيعة الشهوانية للشخصية. ويظهر ذلك بوضوح في مشهد التلصص على الخادمة القروية فاطمة (سعاد حسني)، حيث تركز الكاميرا على عينيه، كما لو أنهما تحولتا إلى شخصية مستقلة.

مرة أخرى يتألق كل من صلاح منصور وسناء جميل في دوري العمدة وزوجته، لكن أداءهما هنا، على عكس "بداية ونهاية"، يصطبغ بطبيعة كوميدية محببة، تعكس أريحية وارتياحًا نادرين، ويُظهر صلاح منصور بوجه خاص قدرته على تطويع صوته ولهجته كما في جمل بسيطة مثل "هيا حبكت" و"يعوذ بالله"، التي يُحملها بإحساس يعكس طبيعة الموقف والشخصية، وتفجر طاقة من الكوميديا، بالرغم من جدية الأداء.

وفي الفصل الختامي من الفيلم عندما يعلم أن زوجته الثانية حبلى دون أن يلمسها، ويصاب بأزمة قلبية يعقبها الشلل، يتحول صلاح منصور بجسده الذي كان يمتلئ بالقوة والجبروت إلى كومة من اللحم وحطام إنسان يثير الشفقة.

هذه النوعية من الأدوار المركبة المليئة بالتناقضات نادرة في السينما المصرية، وهناك عدد محدود من الممثلين القادرين على لعبها بسلاسة وطبيعية، تخلو من الاصطناع والفذلكة، على رأسهم صلاح منصور.

فوتوجينيك

هنا يصبح الحضور المميز لجسد وملامح صلاح منصور طاغيًا، بالرغم من البدانة والغلظة اللذين قد يبدو عليهما هذا الحضور، لكنه حضور محبب، مريح للعين، وهو سر ما يطلق عليه التعبير الفرنسي الكاشف فوتوجينيك photogenic، أي الوجه المحبب للكاميرا، الذي يميز نجوم السينما تحديدًا، ولكنه لا يقتصر على الوجوه ذات الجمال التقليدي.

شكّل الزوجة الثانية علامة فارقة في مسيرة صلاح منصور الفنية، ارتفع أجره بعدها أضعافًا، وظهر في العام التالي 1968 في ستة أفلام، وقبلها كان يظهر بمعدل فيلم أو اثنين سنويًا. ولكن سرعان ما بدأ الخط يخبو مجددا، مع انشغاله بظروف عائلية مأساوية، ثم مرضه شخصيًا، ولكن قبل وفاته مباشرة شهدت مسيرته نشاطًا فنيًا كبيرًا، إذ ظهر في سبعة أفلام وخمسة مسلسلات تليفزيونية، ما بين 1978 و1979.

باستثناء قليل من الأدوار، حاصرت السينما المصرية موهبة صلاح منصور في دور الشرير، ولعل أكثر هذه الأدوار تنميطًا دوره في وراء الشمس (إخراج محمد راضي، 1978)، وهو واحد من مجموعة أدواره المتأخرة، حيث أدى دور قائد السجن الحربي المتوحش في عهد عبد الناصر. دور كاريكاتيري لا يتيح للممثل سوى استعراض أدواته الجاهزة كنمط أكثر منه شخصية من لحم ودم.

مسرحية الفخ لصلاح منصور


يملك صلاح منصور مقومات الممثل النمط، كما يملك مقومات ممثل التقمص الذي يعيش الشخصية ويتنفسها، على طريقة الممثل والمخرج الروسي الشهير ستانسلافسكي، أو على طريقة تلميذه ميخائيل تشيكوف، التي تقوم على إدراك الممثل للصراعات والمشاعر المتباينة داخل الشخصية، ثم التعبير عنها بلغة جسده، كما رأينا في بداية ونهاية أو الزوجة الثانية وحتى في العصفور ليوسف شاهين (1973)، رغم قصر الدور الذي يلعبه كضابط شرطة كبير متزوج من أم الشاب الثائر رؤوف (سيف عبد الرحمن)، لكنه يمنحه خصوصية وألقًا، سواء في وقت قوته وسخريته من منتقدي النظام، أو عقب هزيمة 1967 ولوعته على ابنه (محمود قابيل) الذي نعلم أنه مات في الحرب.

في هذا الفيلم يؤدي صلاح منصور من مدرسة تمثيلية أكثر عصرية، هي ما يطلق عليه طريقة لي ستراسبرج، التي تعتمد على التعبير بأقل قدر من الإيماءات، كما نرى في تكراره لكلمة "لينين" سخرية من اقتباس الصحفي يوسف (صلاح قابيل) لعبارة من لينين، أو انحناءته الصغيرة عندما يذهب إلى رؤوف ليسأل عن ولده قرب نهاية الفيلم.

موهبة التمثيل مسألة معقدة جدًا، يلعب فيها الحضور والكاريزما التي يتمتع بها الممثل ومدى حب الكاميرا له أهمية بالغة في مدى نجاحه، ولكن هذه العوامل ليست كل موهبة التمثيل، بل عناصر مكملة لها، فلا بد أن يكون قادرًا على التقمص، على التقاط التفاصيل، وصنع التعبيرات وحركات الجسد واللهجة واللزمات الخاصة بكل شخصية، وكان صلاح منصور بارعًا في كل ذلك، حتى لو لم يتح له القدر أدوارًا أكثر، أو عمرًا أطول، لإظهار كل ما لديه.