خلال انتخابات نقابة المهندسين في 4 مارس الجاري. الصورة: الصفحة الرسمية للنقابة (فيسبوك)

رسائل التغيير "الناعمة": من انتخابات حزب الوفد إلى نقابة المهندسين

الرغبة في التغيير تبدأ برسائل ناعمة يرسلها المواطن إلى السلطة. هذه هي الحقيقة الأولى في كل بلد يعاني الجمود، ويظل الفيصل دائمًا هو الإجابة عن سؤال: هل يفهم أهل الحكم الرسالة؟

على صورة انتخابات أو احتجاجات، تلقي الناس "برسائل التغيير" أملًا في أن تصل الرسائل دون أن تتوه وسط دهاليز العند والتسلط. في مواجهة الظلم والتهميش والفساد، تختار الناس أسلم الطرق لإبداء الضيق والغضب والتململ، والمطالبة بتغييرات كبيرة قد تشمل الرموز والسياسات. ونتائج انتخابات حزب الوفد ونقابة المهندسين في 11 مارس/ آذار الجاري، حملتا رسائل التغيير الناعمة بوضوح، وبلا شبهة غموض.

رسالة المهندسين "الاقتصادية"

والمؤكد أن النقابات المهنية تعبر عن قوى اجتماعية أغلبها ينتمي إلى الطبقات الوسطى، لذلك فقد أصدرت نقابة المهندسين حكمها على أوضاع اقتصادية واجتماعية من خلال صندوق الانتخابات، وأشهرت فيه " الكارت الأحمر " للمرشح القريب من السلطة الحالية. رسالة تعبر عن تململ وغضب واضح من أحوال اقتصادية صعبة تعانيها الطبقات الفقيرة والمتوسطة على مدار السنوات الأخيرة كلها.

اختار المهندسون رسالتهم "الناعمة" عبر صندوق الانتخابات، وبالتصويت العقابي لمرشح اعتبروه يمثل السلطة الحالية أو هو قريب منها في أقل الاحتمالات. كانت المؤشرات تؤكد أن فوز هاني ضاحي النقيب السابق، هو الاحتمال الأقرب لكونه مدعومًا من السلطة، ولكن النتيجة جاءت كاشفةً أن المواطن يستغل كل المساحات الحرة ليوجه بها رسائله إلى أهل الحكم.

النقابات والأحزاب ليست مؤسسات منقطعة الصلة بالمجتمع وأزماته ومعاناته، بل هي جزء مهم وكاشف لما يدور بين الناس وما يتفاعلون معه سلبًا أو إيجابًا.

ونقابة المهندسين، هي إحدى أكبر وأهم النقابات المهنية في مصر، إذ تضم في قوائم عضويتها أكثر من 750 ألف مهندس، يضاف إليهم 30 ألف عضو جديد كل عام، بحسب تصريحات لنقيب المهندسين السابق هاني ضاحي، بما يعني أن تأثيرًا كبيرًا يمكن أن يحققه أي تغيير يحدث في النقابة، لا سيما أن معاناة المهندسين الاقتصادية كانت واضحة طوال السنوات الماضية، وربما كانت تلك المعاناة إحدى أهم أسباب التغيير الأخير.

النقيب الجديد طارق النبراوي هو أحد رموز تيار الاستقلال بالنقابة العريقة، وقد كان أحد مؤسسي تجمع مهندسون ضد الحراسة قبل ثورة يناير/ كانون الثاني 2011، وهو التجمع الذي لعب أدوارًا هامة في مواجهة الحراسة التي فرضتها سلطة الرئيس السابق حسني مبارك على النقابة.

تاريخ النبراوي النقابي يوحي بتغيير كبير يمكن أن يحدث في سياق تبعية نقابة المهندسين للسلطة الحالية، فكل محاولات الحفاظ على استقلال النقابة التي سيجتهد النبراوي من أجل تحقيقها، ستصب في نهاية المطاف في خانة شعور المهندسين بأن تغييرًا ما حدث وبأن هناك من سيدافع عن مصالحهم دون النظر لأمور أخرى.

نقيب المهندسين الجديد طارق النبراوي- صفحته على فيسبوك

اختبار قدرة النقيب الجديد على تطبيق برنامجه الانتخابي ربما يحتاج إلى مزيد من الوقت والجهد، لا سيما في ظل سيطرة كاملة للسلطة على المجال العام وقيود خانقة تفرضها على المجتمع المدني بشكل عام، ومع ذلك تبقى رسالة التغيير التي صدرت من خلال نتائج انتخابات المهندسين مبشرة بأن تغييرًا ما يحدث وينتصر لفكرة الاستقلال النقابي، وهي خطوة هامة في سياق تحرير المجتمع المدني من تدخلات السلطة وسيطرتها المستمرة على المجال العام.

حزب الوفد: صفعة أكبر

في انتخابات حزب الوفد كانت النتيجة صادمة بشكل أكبر، ومعبرة عن رفض أعضاء الحزب العريق للأوضاع السياسية الحالية.
عبرت انتخابات المهندسين عن فئة اجتماعية ومهنية وعن أحوال اقتصادية ومعيشية صعبة يحياها أهل المهنة، فيما كانت نتيجة انتخابات الوفد أكثر تعبيرًا عن رفض الأوضاع السياسية، بعدما اعتبر أعضاء الحزب أنه دخل إلى "بيت الطاعة" طوال السنوات الماضية، وتحول الحزب التاريخي إلى نسخة بائسة من حزب الأغلبية الحالي.

أنصار الحكومة الحالية يقللون من دوي نتيجة انتخابات الوفد بالتأكيد على أن السلطة لم تتدخل في الانتخابات مطلقًا، وأنها تركت الاختيار لأعضاء الحزب. والحقيقة أن هذ القول حتى إن كان صحيحًا فهو لا يقلل أبدًا من النتيجة النهائية لانتخابات الحزب العريق.
فإذا كانت السلطة لم تتدخل وسقط مرشح مقرب منها، فإن الرسالة قوية وواضحة، وإذا تدخلت وسقط نفس المرشح فالرسالة تغدو أقوى. سقوط مدوي لبهاء أبو شقة رئيس اللجنة الدستورية في مجلس الشيوخ ورئيس نفس اللجنة في مجلس النواب السابق، وأحد المقريبن من السلطة الحالية وأحد كبار داعميها.

عبد السند يمامة خلال اجتماع للحزب بعد فوزه- المصدر: الصفحة الرسمية للحزب (فيسبوك)

شكل حزب الوفد منذ خروجه للنور في مطلع الثمانينيات تحت مسمى حزب الوفد الجديد إضافة مهمة للحياة السياسية، وقد ضمت قوائم الحزب وقت تأسيسه الجديد آلاف الراغبين في الممارسة السياسية، والذين لا زالوا يتذكرون الوفد بتاريخه الكبير ورموزه الوطنية المعروفة، وكانت الصحيفة التي يصدرها الحزب تمثل الصوت المعارض الأهم طوال مرحلة الثمانينيات، وكان قراؤها منتشرين بعشرات الآلاف في ربوع مصر.

ويبقى أن الحكم على أداء الرئيس الجديد عبد السند يمامة، سيظل رهينًا بقدرته على عودة الحزب لدوره القانوني والدستوري كأحد أحزاب المعارضة الرئيسية، فضلًا عن قدرته على تحقيق التوازن المطلوب في التعامل مع السلطة القائمة، والتأكيد عبر السياسات على أن الحزب العريق له برامج تختلف نظريًا عن توجهات وسياسات السلطة القائمة، والتأكيد أنه جاد في تصدير خطابه للشارع لاستقطاب المواطن العادي الذي ينتظر حياة سياسية حرة وبعيدة عن القيود الإدارية والأمنية.

رسالة التغيير الناعمة التي أطلقها أعضاء حزب الوفد ستكتمل بسياسات جديدة تعيد الوفد لدوره السياسي غير المرتبط بالحكم الحالي، وقتها سيكون تأثير الرسالة أقوى وأكبر.

في يوم واحد أرسل المجتمع برسالتين ناعمتين إلى السلطة، إحداهما اقتصادية واجتماعية صدرت من نقابة المهندسين، فيما كانت الأخرى سياسية بامتياز وصدرت من حزب الوفد. مصر في حاجة إلى سياسات ورموز جديدة أكثر تعبيرًا عن اللحظة الحالية، وأكثر قدرة على الانتماء للناس، وأقل ارتباطًا بالسلطة وسياساتها، رسائل حاسمة في وقت سياسي صعب يعيشه البلد.

لماذا الرسائل مفاجئة؟

على مدار السنوات الماضية، لم تترك السلطة الحالية مساحة واحدة بعيدة عن دائرة سيطرتها، وتلك هي المفاجأة في انتخابات الوفد والمهندسين. اليد القوية المسيطرة على المجتمع المدني يبدو أنها فقدت جزءً مهمًا من سطوتها على ضوء أوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة يعيشها المجتمع.

قصة الرسائل الناعمة، والرغبة المؤكدة في التغيير كانت واضحة بشكل ملفت قبل ثورة يناير 2011، انحاز الناس منذ العام 2005 إلى مرشحين في انتخابات النقابات المهنية هم أقرب إلى الاستقلال النقابي، وأكثر قدرة من غيرهم في التعبير عن معاناة كان يحياها أهل المهنة الذين هم أكثر تعبيرًا عن الطبقات الوسطة في المجتمع. حدث هذا في انتخابات نقابات الصحفيين والمحامين والأطباء، ووصل الأمر إلى انتخابات نادي القضاة، عندما فاز ما عرف إعلاميًا وقتها بتيار استقلال القضاء.

كلها كانت رسائل موجهة إلى السلطة في الأساس، تطالب بتغيير كبير على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فشلت السطة وقتها في ترجمة الرسائل إلى خطط وبرامج عمل على مدار سنوات، وسعت إلى تدخلات خشنة تعيد بها مؤسسات مهمة في المجتمع المدني إلى سطوتها وسيطرتها. وما حدث بعد ذلك كان معروفًا للجميع.

رسالتان مهمتان صدرتا عن حزب سياسي كبير، وعن واحدة من أهم النقابات المهنية في مصر، ربما تكتمل رسائلهم خلال الأيام المقبلة بمتابعة الأداء الجديد للحزب وللنقابة على السواء، وإذا نجحت رسالة التغيير الناعمة في فرض رؤى وتصورات جديدة "للوفد والمهندسين" فإن تأثير الرسالة سيتجاوز الاوضاع الداخلية لهما ليصل إلى المجتمع بأكمله، بما سيساعد في منح حيوية أكبر للمجتمع المدني وفي القلب منه النقابات والأحزاب.

النقابات والأحزاب ليست مؤسسات منقطعة الصلة بالمجتمع وأزماته ومعاناته، بل هي جزء مهم وكاشف لما يدور بين الناس، وما يتفاعلون معه سلبًا أو إيجابًا. ولهذا فإن مؤشرات الرغبة في التغيير التي صدرت من انتخابات حزب الوفد ونقابة المهندسين واضحة بلا غموض وفي احتياج لمن يفهم مغزاها.


اقرأ أيضًا: عام المجتمع المدني: هل ترفع الدولة يدها عن النقابات؟

من حصار جنود الأمن المركزي لمظاهرة أمام نقابة الصحفيين- الصورة: فليكر- حسام الحملاوي برخصة المشاع الإبداعي

التغيير سنة كونية لا تحتاج إلى قرارات سلطوية. والسلطة السياسية التي تستطيع أن تدرك ما يدور في المجتمع بسعة أفقه وانفتاح ذكي على كل الرسائل السياسية والاقتصادية الناعمة، ستستطيع أن تترجم ما يحدث إلى خطوات وسياسات بمرونة سياسية مطلوبة في كل الأحوال.