تصميم: يوسف أيمن - المنصة

البحث عن المكان الصحيح: ما اكتشفته في تندر عن نفسي والآخرين

كنت مبهورة حين أحضرت صديقتي خطيبها الأمريكي لتعريفنا به. لم يكن شخصًا يمكن تجاهله حين تقع عيناك عليهم؛ سامق القامة وسيم الملامح على الطريقة الأمريكية، وفي الوقت ذاته يتحدث العربية بطلاقة تمكنه من إطلاق النكات بها. ليس رجلًا يمكنك الحصول عليه بسهولة.

بالنسبة لفتاة متوسطة في كل شيء بدا ذلك كثيرًا على صديقتي؛ كانا منسجمين بشكل ملحوظ، بينهما إيقاع مشترك، كحبيبين مثاليين من النوع الذي تراه على وسائل التواصل الاجتماعي وتمصمص شفتيك تحسرًا. حين سألته عن كيفية لقائهما تردد للحظة، كأنه يحاول مواراة خزي. الإجابة التي لم يستطع النطق بها ونطقتها بطلاقة كانت تندر.

لم تكن صديقتي تلك هي الوحيدة التي تستخدم تندر حولي، العديد غيرها من معارفي استخدموه، وعلى الجانب الآخر لم يكن تندر التطبيق الوحيد الذي لاقى رواجًا، جريندر وبامبل أيضًا، كلها تطبيقات مواعدة شاع استخدامها.

عالم تطبيقات المواعدة

كشخص تقليدي، كانت تطبيقات المواعدة وسيلة جديدة وغريبة بالنسبة لي للعثور على رفيق روحي. طريقة غير متوقعة لشخص طالما عاش في الأفلام العاطفية الرخيصة وروايات الجيب المبتذلة. في العالم الذي ظننت أني أعرفه، كان الأشخاص لا يتواعدون، بل يتقابلون مصادفة في الحياة، ويقعون في الحب بلا مقدمات.

الأمر سار بتلك الطريقة معي مسبقًا، حين كنت أواعد أشخاصًا من الجنس الآخر، قبل أن أدرك ماهيتي، وبعد علاقة عاطفية غيرية دامت لثلاث سنوات، عرفت أني في المكان الخاطئ، وفكرت أني بحاجة لتجربة جديدة.

عكس العلاقات الغيرية، لا تتوفر إمكانية تطوير علاقاتك دائمًا لعلاقة عاطفية، حيث يمثل من يشاطرونك الميول نفسها فئة ضئيلة. بالطبع خشيت من الإفصاح عن نفسي في المكان أو أمام الشخص الخطأ، وتهديد كبريائي قبل أمني.

في فترة العزلة التي فرضها الوباء، وجدتني في مواجهة مع نفسي، رغباتي وأفكاري التي لطالما حاولت طمسها وتناسيها، لكنها عاودت الظهور على السطح، في صراع كدر صفو علاقتي التي ظننت طيلة ثلاث سنوات أنها علاقتي المنشودة. لجأت حينها لجلسات العلاج النفسي، وبعد عدة جلسات مع طبيبي صارحته برغبتي في مواعدة النساء لأول مرة، فشجعني على استخدام تطبيقات المواعدة، والانفتاح على التجربة.

صورة من فليكر برخصة المشاع الإبداعي (Global Panorama)

لم يكن سهلًا أن ألقي بثلاث سنوات خلف ظهري، لكن في المقابل شعرت بأني سأستعيد نفسي أخيرًا، وأن التجربة تستحق.

لم أفكر من قبل في تحديد هويتي الجندرية إلى أن سُئلت عن ضمائري على تندر فاحترت، إذ أنني لطالما آلفتني بلغة المؤنث، ولأول مرة فكرت "هل يمكن لمساحتي أن تكون أكثر اتساعًا؟".

تعرفت على صديق يستخدم الضمائر الحيادية، وهي في الإنجليزية ضمائر الجمع وفي العربية يستخدم ضمائر المذكر لأنها أكثر شمولًا. صديقي لا يشعر بأنه ذكر كما أنه لا يشعر بأنه أنثى، وإنما على الحياد من الهويتين المتعارف عليهما، بغض النظر عن الأعضاء التناسلية التي يملكها، لأنها حسب تعبيره لا تضع له حدودًا يدرك نفسه في إطارها، وتحرمهم مساحات أكثر فساحة.

لا يمكنك أن تفترض الضمائر الشخصية للأشخاص على تندر بناءً على هيئتهم الخارجية، ذلك يمكن أن يكون مسيئًا للبعض، لذا عليك السؤال. في البداية حيرني الأمر، ومع الوقت اعتدته، كما اعتدت ضمائري المؤنثة التي لطالما شكلت جزءًا مني. على السطح يبدو مستخدمو تندر أشخاصًا عاديين من النوع الذي تقابله في عملك، أو يشاركك الدراسة في الجامعة نفسها. قد يدفعك خجلك الاجتماعي أو محدودية دوائرك لاستخدامه مثلما كانت حالتي. يسمح لك تندر بمواعدة كلا الجنسين. كثير من مستخدميه من الغيريين والمثليين، بالإضافة إلى المسكتشفين والفضوليين.

كنت قد وضعت حدودي سلفًا، وتمثلت في "لا" صريحة للعلاقات الجنسية العابرة. حين صادفت الملفات الشخصية التي تُظهر أن أصحابها لا يتسمون بالجدية كنت أتخطاها سريعًا. ومع ذلك لم يحمِني الأمر من مصادفة تحرشات على هيئة رسائل فجة أزعجتني، ولكني لم أسمح للأمر بتعكير صفوي. صادفت أخيرًا فتاةً لطيفةً، بيننا العديد من الاهتمامات المشتركة، وأرضية يمكننا الانطلاق منها لموعد غرامي معقول.

موعدي الأول

في أحد الكافيهات العامة، تقابلنا، دامت المقابلة لساعات طوال تحدثنا فيها عن أمور شتى، حيواتنا الشخصية واهتماماتنا المشتركة، كانت "جنتل وومن"، جميلةً ولبقةً ومثقفةً، حتى أني تساءلت عن سبب بقائها عزباء إلى الحد الذي يدفعها لتحميل تطبيق للعثور على شريك.

كانت ثنائية الميول الجنسية، أخبرتني صراحة أن العثور على رجل لا يتطلب أكثر من التصريح بالرغبة في شريك، وستحصل على شريك وفوقه آخر كهدية. أحببت حس دعابتها. على الجانب الآخر، كان العثور على شركاء من الجنس نفسه صعبًا وله حيثيات خاصة، ولذلك استخدمت تندر. نفس السبب الذي دفعني لاستخدامه، حيث أني لم أواجه من قبل أي صعوبة في العثور على شريك طويل الأمد من الجنس الآخر. في العموم بدا لي الأمر واعدًا، وغمرني الحماس لموعد آخر، شعرت أني محظوظة.

موعدنا الثاني كان في شقتها، حضرت لي حلوى مصنوعة منزليًا وشاهدنا فيلمًا عاطفيًا. بدا الجو لائقًا لشيء حميمي. لست من النوع المتحفظ جنسيًا، لكن علاقاتي الحميمية كانت تؤطر في ارتباط عاطفي على الدوام. وأنا لم أعرفها بما يكفي لتأسيس علاقة من هذا النوع، لكنها كانت أولى علاقاتي مع الجنس نفسه، وأردت اختبار الأمر.

غمرني توتر التجربة الأولى، لكنها كانت متعاونة. انتهى اليوم بشكل ممتاز، وتحمست لإمكانية علاقة لوحت بيدها من المستقبل القريب. ظللنا على تواصل جيد قبل أن تختفي كليًا دون تبريرات.

لم تكن علاقتي الأولى نهاية طريقي، تابعت التعرف على أخريات، والنزول في مواعيد غرامية. بالنسبة لشخص من طبقة اجتماعية متوسطة، صادفت فتيات من خلفيات مرموقة، من أكملت تعليمها العالي بالخارج، ومن تتابع دراساتها العليا في الجامعة الأمريكية، بدا أن مشاركة الميول نفسها في محيط ضيق مثل مصر يذيب الحدود الاجتماعية كلها، ويجمع الأشخاص للهدف نفسه. في المقابل صادفت من كن من خلفيات متوسطة وما زلن يكمنَّ في الخفاء عن أسرهن وأصدقائهن، أو يعانين من صراع مستمر يصل إلى التعنيف الجسدي بسبب هوياتهن.

في كل موعد كنت أسألهن عن تجاربهن السابقة مع تندر، وعن الأشخاص الذين تعرفن عليهم، وعن أسباب استخدامهن للتطبيق من الأساس. كانت الإجابات شبه واحدة "مواعيد سابقة فاشلة، أشخاص فضوليون وغير جادين".

بعضهن تعرفن على ميولهن مؤخرًا، واخترن أخذ خطوات فعالة بشأن هذا الإدراك بعد الخوض في علاقات غيرية فاشلة لسنوات طوال، قبل إدراكهن موطن الخلل أخيرًا. أخريات عرفن الأمر مبكرًا، وكانت لهن تجارب سابقة في المواعدة مع الجنس نفسه، وكان استخدام التطبيق مجرد امتداد للتجربة.

الأمر المشترك بشأن من قابلتهن هو عدم الوضوح والتخبط. معظمهن كن على توافق ظاهر مع هوياتهن، إلا أنهن وبطريقة ما لا يزلن في مرحلة صراع ضمني ظهر في عدم صراحتهن، على عكسي. كنت دائمًا صريحة، ومنذ الموعد الأول بشأن هدفي ورغبتي في علاقة عاطفية مستقرة، أما هن فلم يبدين الرغبة الجادة نفسها، ولا يظهرن العكس إلا بعد عدة مواعيد، والخوض في علاقة جسدية، فيصارحنني بعدها بعدم استعدادهن نفسيًا، أو عدم توفر الظروف المناسبة لعلاقة من نوع جاد.

بعض أصدقائي لم يجدوا خجلًا من التصريح بأن العلاقات الأحادية لم تعد تناسبهم، وأن التعددية أسلوب حياة أصبح أكثر قربًا من تفضيلاتهم.

ظهر جليًا التخبط في الرغبة بعلاقة طويلة بالآخر، والعزوف عن الالتزام. حين تعرفت على صديقة أجنبية من التطبيق نفسه، كانت واضحة وساطعة بخصوص هويتها ورغباتها، أخبرتني صراحة أن "الفتيات هنا مازلن قيد صراع مع المجتمع، لم ينته حتى إن زعمن عكس ذلك، مما أدى إلى عدم اتزانهن نفسيًا"، في المقابل، ومن حيث أتت صديقتي الأجنبية لم تواجه تلك المشكلة. أما عن الذكور الذين تعاملت هي معهم من مصر فكانوا واضحين بشأن نواياهم نجاه الأجنبيات "جنس مجاني". أشفقت على تلك الغريبة، فحتى هي حُشرت قيد ذلك الصراع الذي يخصنا.

بعدما كنت قد دخلت تندر بنية واضحة، وبعد اعتيادي على الالتزام في علاقات طويلة الأمد، وجدتني اتلقف من علاقة جنسية "على الطاير" لأخرى.

جريندر: الاختباء بالقرب من الكمائن

في مصر، يصعب على المثليين الظهور علانية والعثور على شريك في ضوء الشمس، لذلك، يوفر تطبيق جريندر فرصة للباحثين عن شركاء جنسيين مثليين، إذ يتيح إمكانية إنشاء حساب سري تتصفح من خلاله طيفًا واسعًا من الأشخاص؛ متزوجون، كبار سن، عابرون جنسيًا، واللائحة تطول.

البعض من أولئك، الأكثر حساسية وعاطفية، يبحثون عن شريك في المكان الأشد سوداوية، فهنا، لا يمكنك مشاركة تفاصيلك الخاصة، لأن ذلك سيهدد أمانك الشخصي. معايير اختيار الشريك الجنسي تتم وفق انسجام التفضيلات الجنسية الشخصية، بالإضافة لبعض الصور للأعضاء الحساسة.

صديقي في الثلاثينيات من عمره، ما زال يعيش برفقة والديه في منزل للعائلة بمنطقة ريفية في مصر، حيث لا حدث يمكن أن يكون أشد وقعًا من إدراك أن جارك ذا المركز الحيوي هو في الحقيقة مثلي، يعيش في الظل حتى لأقرب الناس له، يتابع زيجات إخوته ونمو أطفالهم، بينما وعلى مدار سنوات استمر في استخدام جريندر للعثور على رفقاء جنسيين في القاهرة، حيث يستطيع خلال سفرياته القصيرة أن يلتقي بهم في الفنادق الرخيصة بوسط البلد.

حين سألته إذا ما كان يفضّل الاستقرار في علاقة عاطفية مستقرة، بدا وقع السؤال غريبًا، إذ أنه قد استسلم كليًا لحتمية العزوبية والوحشة. يخبرني صديقي بأن أحاول الهرب السريع من هنا متى ما استطعت. أما أنا، فلست مثله، لم استطع بعد التعايش مع تلك الفكرة، الوحدة لمجرد كونك مختلفًا.

في قصة أخرى، إحدى صديقاتي عابرةً جنسيًا تم استدراجها عن طريق تطبيق جريندر والاعتداء عليها جنسيًا وسرقتها، من قبل بعض المواطنين الشرفاء من كارهي المثلية الذين اختاروا مكافحتها عن طريق الاعتداءات الجنسية. وحين حاولت اللجوء لمعاونة الشرطة أخبروها أن تعود لمنزلها وتترك الأمر وشأنه، ولوحق ذلك بتعليق مقتضب وساخر "إحنا عارفين اللي فيها".

كانت صديقتي محظوظة، غيرها وقع ضحية كمائن تعدها الشرطة لاستدراج المثليين من مستخدمي التطبيق إلى مواعيد تنتهي بالقبض عليهم، كما حذر التطبيق نفسه مستخدميه في وقت سابق عام 2014.

ما بين التهديد الأمني الناتج عن ترصد الشرطة لمستخدمي جريندر ، وإمكانية التعرض للاعتداء الجنسي، أو الابتزاز المادي من قبل أفراد العصابات، يُعتبر استخدام التطبيق محفوفًا بالمخاطر، لكن لا يوفر العيش في بيئة منغلقة على ذاتها بديلًا ممكنًا.

شريكان.. وربما أكثر

لم تقف مشاهداتي عند هذا الحد. ففي وسط منفتح أكثر على النور، حيث يبحث الأشخاص عن شركاء عاطفيين بدون الرهبة نفسها من الفضح، توجد استخدامات أخرى لتطبيقات مثل تندر وبامبل، تتجاوز البحث عن شريك دائم أو مؤقت، غيري أو مثلي، إذ بزغت فكرة التعددية كحل للأزواج الذين يعانون من الضجر من علاقاتهم ورتابتها، ويبحثون عن التجديد عبر طرف ثالث.

بعض أصدقائي لم يجدوا خجلًا من التصريح بأن العلاقات الأحادية لم تعد تناسبهم، وأن التعددية أسلوب حياة أصبح أكثر قربًا من تفضيلاتهم.

ينتشر الأزواج الباحثون عن رفيقة أو رفيق للمشاطرة على تندر. دعاني زوجان لأكون رفيقتهم المشتركة ووجدت الأمر مضحكًا؛ أن تأخذ شريكًا وعليه آخر كهدية. كان الأمر بمثل هذه البساطة، في بداية المحادثة أرسلا لي صورة تجمعهما سويًا، وأخبراني أنهما يبحثان عن رفيقة. لم يرد في بالي حتى أن هذا ثنائي حقيقي، وأن هذه صورتهما الشخصية.

وبنية صنع دعابة التقطت صورة للمحادثة متضمنة الصورة التي أرسلاها إليَّ، وحين شاركت الصورة على ستوري الانستجرام لدائرتي الخضراء المقربة، ملحقة بجملة "واحدة وعليها واحد هدية"، تعرف على صورتهما بعض أصدقائي ممن كانوا أصدقاءهم بالصدفة. أخبروني أن ما فعلته يتعدى على حدودهما الشخصية، وقد يعرضهما للخطر، فحذفت الاستوري سريعًا لتجنب العتب.

واحدة من هؤلاء الأصدقاء المشتركين أخبرتني أن زواج هذا الثنائي تم من فترة قريبة، وكان مثاليًا، فلم يخطر في بالها أنهما سيلجآن للبحث عن رفيقة بتلك السرعة. الأمر برمته فوق استيعابي. شاركتني صديقة أخرى رغبتها في تكوين أسرة مع عدة شركاء. وثالثة أخبرتني أن رفيقتها تعاني مشاكل مع رفيقتها الأخرى وأنها هي شخصيًا، صديقتي، منفتحة على البحث عن شركاء آخرين، الأمر بالنسبة لي دائرة لا نهائية.

كنت قد آلفت فكرة الزواج كغطاء اجتماعي، لتمرير علاقات مثلية مرفوضة مجتمعيًا، حيث يكون الطرفان مثليين ضمنيًا، وظاهريًا منخرطين في علاقة غيرية مقبولة من المجتمع. لكن ما عرفته مؤخرًا أن بعض الأسر يكون الزوج فيها غيري الميول، بينما تكون الزوجة ثنائية الميول، وتتشاطر تربية أطفالهم مع رفيقة أخرى، قد تكون رفيقة مشتركة مع زوجها، أو لا تكون، حسب الاتفاق.

حتى الآن ليس لي رأي صارم بشأن تلك النوعية من العلاقات، رغم استغرابي من طبيعتها. يثيرني الفضول على أي حال لمعرفة كيف يمكن أن يبدو تأثير الأمر على الأطفال المشتركين وسط أسرة متشعبة الأطراف.


اقرأ أيضًا: ساعات مع "جريندر": مغامرة في تطبيق مواعدة المثليين


هل الأمر يستحق التجربة؟

ربما لن يخرج الجميع من تندر بزيجة ناجحة مثل صديقتي وخطيبها الأمريكي، لكن على مدار الأشهر التي قمت فيها باستخدامه خضت تجارب لم يكن لي خوضها لولا استخدامه. تعرفت على أشخاص جدد، وكونت صداقات، وخرجت من إطار مساحتي الآمنة، وخضت مواعيد غرامية عابرة ما زال بعضها عالقًا في ذهني وأحب استدعاءه.

لديَّ الآن حصيلة محترمة من القصص لمشاطرتها في جلسات السمر والضحك بشأنها. كما أني ما زلت عزباءَ حتى يومنا هذا منذ آخر علاقة عاطفية كنت بها، ولكن ما اختلف، هو أن هذه الحقيقة لم تعد تقلقني.