أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله - صورة أرشيفية.

من فتوحات بن عربي إلى أدونيس: هل "قصيدة النثر" جنون اللغة؟

ربما كان اليوم العالمي للشعر، الذي تحل ذكراه في 21 مارس/ آذار من كل عام، مناسبة ملائمة كي نقف ونتأمل الكثير من الأسئلة حول "قصيدة النثر"، تلك القصيدة التي لا تقف خصوصيتها عند التكوين، بل تمتد إلى الاستقبال والتذوق.

وذائقة تَلقّي قصيدة النثر المثيرة للجدل، تقع بين طرفي نقيضين؛ المُسْتَميتين في الدفاع عنها باعتبارها "كيانًا لغويًا وأدبيًا خاصًا" من جهة، والمُتَخَنْدِقين في الضفة الأخرى، الذين يعتقدون أن لا شعر خارج بحور الفراهيدي، ولا شعرية من دون ضوابط "متفاعلن متفاعلن متفاعلن" وأخواتها.

لذا، فإن الاشتباك مع قصيدة النثر يفجر الكثير من الأسئلة؛ مثلًا، هل تستطيع تلك القصيدة أن تستأثر بحدود إبداعية خاصة بها، رغم مشتركاتها العديدة مع جيرانها من الأجناس الأدبية الأخرى سواء الشعر أو النثر أو الخاطرة...؟ وما مدى تماسك تلك الحدود في ظل الهجرات الكثيرة والمتبادلة بين تلك الأجناس فيما يتعلق بالحساسية والتكثيف والتصوير والانزياح والموسيقى وغير ذلك؟ وكيف نستطيع مُقاربة هذا الجنس الأدبي نقديًا، إن كانت هناك اشتباكات في الرؤيا وزوايا النَّظر إليه، تصل أحيانًا إلى مصافي المعارك الأدبية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؟

ثم، ما الذي يؤسِّس للاعتقاد بأن التَّطور التاريخي للشعر وتشابك المعارف الإنسانية هو ما جعل "قصيدة النثر" تسعى لأن تكون الرحم الذي يحتضن ما بات يُسمَّى "النص المفتوح"، كتبرير "لقدرتها على جعل اللغة تعتنق الجنون بغية إنتاج نص عاقل؟"، هذه الأسئلة وغيرها، تفتح المجال واسعًا، لإعادة موضعة قصيدة النثر على الخارطة الإبداعية، وتلمس مكامن الخصوصية التي تتمتع بها، وقدرتها على الاستئثار بهويتها المميزة دونًا عن بقية الأجناس الأدبية.

قصيدة النثر هي شباب القصيدة العربية الذاهب إلى مشروع المغايرة والمخالفة الإيجابية، لاسيما أنها بؤرة للتجريب الشعري.

الحضرة الأولى

هذه الأسئلة وغيرها أسس لها شعراء مجلة شعر اللبنانية، من أمثال أنسي الحاج، ويوسف الخال، وأدونيس، ومحمد الماغوط، وبول شاول، وغيرهم، بحيث أنهم وضعوا المداميك (لفظ معماري يشير إلى رص الوحدات المكونة لواجهة المبنى) الرئيسة لقصيدة النثر، بما أبدعوه وترجموه من تيارات الشعر الحداثية العالمية، وشكَّلت حيِّزًا مهمًا، بما نُشر في تلك المجلة منذ عددها الأول الذي صدر عام 1957، ومن أجوائها قصيدة أغار لأنسي الحاج التي يقول في جزء منها:

"أغارُ عليكِ من الطفل الذي كُنتِ ستلدينه لي.

من المرآة التي ترسل لكِ تهديدكِ بجمالكِ.

من شُعوري بالنقص أمامكِ.

من حُبّكِ لي.

من فنائيَ فيكِ.

ممّا أكتب عنكِ كأنّني أرتكب فضيحة.

من العذاب الذي أُعانيه فيكِ، من العذاب الأكثر بلاغةً من المتعذّبين.

من صوتكِ من نومكِ من وضع يدكِ في يدي.

من لفظ اسمكِ.

من جهل الآخرين أنّي أحبّكِ، من معرفة الآخرين أنّي أُحبّكِ،

من جهل الآخرين أنّي أغار عليكِ،

من معرفة الآخرين أنّي أغار عليكِ.

من سعادتي بكِ، من سعادتكِ بأيّ شيء، من وجودكِ حُرّةً

من وجودكِ عَبْدَةً

من وجودكِ لحظةً.

أغار عليكِ من غَيرتي عليكِ...".

جذور قصيدة النثر

"قصيدة النثر هي مضمون وشكل جديد متجدد، له جذوره في تاريخ الكتابة، ومُرافِق للشعرية العربية، ممسكٌ بأوراق التاريخ منذ مزامير داوود ومجازات الكتب المقدسة، مرورًا بفنون النثر المختلفة الحاملة روح الشعرية. وهي الشكل الأمثل للقول الشعري" بحسب قول الناقد السوري أيمن رزوق للمنصة، والذي يبرر أنه "بعد أن استهلكَ الشكل القديم أغراضه واستنزف كل دمه، صار لزامًا أن ينتقل شكل القول إلى بوح مكثف معجون بالداخل الجواني للإنسان، حاملًا معرفة تتناسب مع متغيرات العصر، وسماكة ثقافته وحساسيته الجديدة تجاه الأشياء".

من هنا نفهم أن قصيدة النثر هي شباب القصيدة العربية الذاهب إلى مشروع المغايرة والمخالفة الإيجابية، لاسيما أنها بؤرة للتجريب الشعري، وحاصل الرؤية المرتبطة بالمتغيرات الهائلة التي أحدثتها علوم النقد الحديثة، ما جعلها أقرب للحالة العلمية المعجونة بذات الشاعر وثقافته، والمنطلقة من تلك الذات بلا أي ضجيج خارجي، وهي في الوقت ذاته حاملة لروح التغيير، بعدما وقفت الذائقة الشعرية العربية عند شكلٍ منتهٍ لا جديد فيه.

وبناءً عليه فإنها باتت ممثلةً بقوة لحداثة الشعر، على اعتبار الحداثة تُختصر بأن تكون على علاقة سليمة وصحيحة بزمانك ومكانك وكل مستجدات العطاء الفكري والفني والمعرفي، بحيث تضيف الجديد، ولا تركن إلى ما أنجزه الأقدمون، ولعل خير مثال على ذلك ما كتبه أدونيس في مجمل منجزه الشعري، ونذكر منه على سبيل المثال مقطعًا من قصيدته الوقت:

"حاضِنًا سُنبلةَ الوقتِ ورأسي برجُ نارٍ:

ما الدّمُ الضّاربُ في الرّملِ وما هذا الأفولُ؟

قُلْ لَنا يا لَهَبَ الحاضِرِ ماذا سنقولُ؟

مِزَقُ التّاريخِ في حُنجرتي

وعلى وجهي أماراتُ الضّحيّهْ

ما أَمَرَّ اللّغةَ الآنَ وما أضيقَ بابَ الأبجديّهْ...".

أي أن الكتابة عمومًا تصبح ابتكارًا في اللغة، كأهم أدوات الشاعر المعرفية، لاسيما أن مشروع اللغة هو مشروع حياة، من خلاله يقول الشاعر كل ما يرغبه عن مجتمعه والعالم والثقافة عمومًا، باحثًا نحو التغيير والمفارقة عبر الابتكار في اللغة، ولو كان ذلك عبر التعامل معها على أساسها البكر وغير المتداول، فيبدع في إعادة صياغتها من جديد، كأنها تتألف للمرة الأولى.

ويكون التجديد في محاولة موضعتها على غير مألوفها، فتمد اللغة بمعانٍ جديدة، وآفاقٍ منزاحةٍ عما كانت عليه، و"لو كان ذلك عبر استخدامٍ لعبة السَّرد الخطرة في الشعر، والتي قد تذهب بالبعض إلى النثر العادي، ولا تمنح روح الشعرية إلا فسحة ركض في المكان، أو من خلال الإفادة من الحوار في البنية الداخلية للقصيدة، وغيره من التقنيات كالتكرار والتوازي والتضاد، أو توظيف الأسطورة، والمكان، والرمز... كل ذلك كي تحمل القصيدة روح شاعرها، وتنتمي إلى زمانها ومستقبلها، وتحمل رؤيتها الذاتية المستقلة" يقول رزوق.

ومن تلك الرؤى ما جادت به قريحة الشاعر منذر المصري في ديوانه ذي العنوان الفريد الشاي ليس بطيئًا وضمن القصيدة التي حمل العنوان اسمها يقول:

"الأَصدِقاء ما عادوا قَتَلَةَ ضَجَر

ما عادوا يَصلُحون

لِدَفعِ الأَيامِ مِن ظُهورِها

ما عادَ بِحوزَتِهِم

ما يَملأُ الجَماجِم.

الأَصدِقاء

ما عادوا

قَتَلَةَ

ضَجَر.

/

أُحَيِّيهِ هازِلاً:

(هَل فعَلتَ الشَّاي؟)

يُجيبُني وعُقبُ سيجارةٍ

لا تَدري إن كانَت مُطفأةً أَم مُشتَعِلَة

يَلتَصِقُ عَلى شَفَتهِ السُّفلى:

(لَم تَأتِ لِشُربِ الشَّاي

بَل لِشُربِ الوَقت)

ثُمَّ غامِزاً بِإحدى عَينَيه:

(الشَّايُ لَيسَ بَطيئاً

نَحنُ سَريعون)".

وكما أن الشاعر يبتكر نصه الخاص، فإن كل قارئ يعيد إنتاج ذاك النصّ وفق رؤيته وضمن بنية "زمكانية" قد تكون مغايرة للأصل. فالقصيدة، بحسب الشاعر فاتح كلثوم، في تصريحه للمنصة، تحتمل الكثير من التأويلات لامتلاكها لغةً عاليةً تخرج عن الأطر المتاحة للمفردة الشّعرية عند تبنيها المعنى. وهكذا تنزاح لتصبح نصًا مفتوحًا ما دامت قادرة على فتح فضاءات أكثر اتساعًا من مثيلتها في الأجناس المحددة، لأن الأدب، كما يراه المنظرون، ينفلت من إطاره المحدد ليعيد تأمل الأشياء وتشكيلها حسب مقتضيات العصر. ويبدو هذا جليًّا عند تشابك المعارف وتعقدها، أكثر من العصر الذي ينتج معرفة مسطحة.

وفق هذه الرؤية، تسعى قصيدة النّثر منذ ظهورها لتكون الرحم الشّرعي الذي يحتضن النّص المفتوح، بحسب كلثوم، وبذلك يكون ابنًا شرعيًا لها، لقدرتها على جعل اللغة تعتنق الجنون لإنتاج نص عاقل. ولعلّ هذا ما أراد إيف بونفوا قوله بأنّ الشعر ليس استعمالاً للغة، بل لعله جنون في قلب اللغة [1]. وهذا نلحظه أكثر من غيره في فترة التسعينيات، وإلى الآن بدرجات مختلفة من كاتب إلى آخر، ونذكر منهم الشاعر رياض الصالح الحسين الذي رحل في عمر مُبكِّر، وكان الكثيرون ينظرون إليه كقيمة قادرة على خلخلة الشعرية السائدة آنذاك، ومن قصائده نختار إلى سورية والتي يقول فيها:

"يا سورية الجميلة السعيدة

كمدفأة في كانون

يا سورية التعيسة

كعظمة بين أسنان كلب

يا سورية القاسية

كمشرط في يد جرَّاح

نحن أبناؤك الطيِّبون

الذين أكلنا خبزك وزيتونك وسياطك

أبدًا سنقودك إلى الينابيع

أبدًا سنجفِّف دمك بأصابعنا الخضراء

ودموعك بشفاهنا اليابسة

أبدًا سنشقّ أمامك الدروب

ولن نتركك تضيعين يا سورية

كأغنية في صحراء".

هل بدأت قصيدة النثر مع ابن عربي؟

يقول كلثوم "يعتقد كثيرون أنّ النّص المفتوح قد جاء عربيًا، مع شعراء الستينيات، وتطور مع شعراء السبعينيات، بقصائد أخذت من الرؤية الفلسفية مركزًا لتبرير تشظي النّص، سواء من ناحية الدّلالة أو البناء، أو اعتمدها بعمقها الإشراقي لتحريرها من المباشر المحظور، ثم توظيفها لتطول كلّ المكونات الزمكانية بتناقضاتها الدّينية والاجتماعية، ولينفتح النّص بعد ذلك على احتمالات متعددة، قد تكون متناقضة".

وإن كنت من المؤيدين لهذا الرّأي، إلّا أن اعتماده خارج المصطلح المعاصر قد سبق ذلك بكثير. فالحلّاج وابن عربي والنّفري في الكثير مما كتبوه قدّموا لنا نموذجاً لهذا الجنس الأدبي، وقد تكون نصوصهم هي الأمثل ولاسيما في الفتوحات المكيّة والتّجليات والرّسائل لابن عربي، وكذلك مقامات بديع الزمان الهمذاني، وأدونيس استفاد منهما. هذا إذا اعتبرنا قصيدته مفرد بصيغة الجمع ضمن هذا السياق الإشراقي.

وعندما نتابع ضراوة المعارك أثناء محاولة فرض جنس أدبي جديد، على اختلاف مسمياته وتوصيفاته، نتذكَّر ما قاله بودلير في رسالته إلى هوسييه "من منا لم يحلمْ، في أيام الطموح، بمعجزة نثرٍ شعري"، لأن تلك المحاولة يراها البعض فعلًا يقارب عمل الشيطان الذي يوسوس في صدور حرّاس قلعة العربية، لغةً وحضارةً وتاريخًا، من جهة، وفي صدور شعراء الـ"متفاعلن متفاعلن متفاعلن" من جهة أخرى. علماً أن "الوزن في الشعر ليس شرطًا بل هدف الكلام" بحسب الكثير من نقاده، كما أن ذلك يقودنا إلى مقولة نزار قباني بأن "القاموس ليس ضريحًا وأن هناك أكثر من ألف مفردة في القاموس ميتة، وأنا لا أتعامل مع الأموات بل مع الحياة".

ويضيف "كما تمكن المبدعون من مزج الرسم مع الشعر مع الموسيقى، لماذا لا نستطيع أن نمزج القصيدة مع النثر؟! ولمن يقول بأنها ولادة غير معترف بها، لأنها أخلّت بشروط العروض، سأقول له أثبت لي بأن الشعر لم يبدأ نثرًا ثم انتقل إلى الإيقاع الذي وصلنا. فالمنطق يقول بأن اللغة بدأت قبل الشعر، إذ ليس من المعقول أن الإنسان الأول تعلم العروض وكتب بها في أول نطقه".

جمالية خاصة

ومع ذلك يبقى لقصيدة النثر إيقاعها الداخلي، وهواجسها المختلفة، وقدرتها على اقتناص جماليات مختلفة للغة، وعجنها مع وجدان الشاعر، بغية الاستئثار بدُرَرٍ جديدة مما تنتجه مخيلة الشعراء، وخير مثال على ذلك، ما كتبه الشاعر نزيه أبو عفش بخصوصية عالية ورؤىً فلسفية موغلة في تقديس المعرفة والألم الناجم عنها، ومن ذلك قصيدته سورة الآخر التي جاء فيها:

"ليَ عيناكَ وقلبكْ

ليَ فمكَ ورئتاكَ وآلامُ ندمكْ...

رجْفَتُكَ من الخوف

وشهقةُ روحكَ في حضرةِ الجمالْ.

لكنْ، فجأةً،

تحت قشرةِ التآخي الكوني

لسلالاتِ الديكةِ والتماسيحِ والأرانب،

ينكشفُ عطشُ الفولاذ، وشذوذُ الدم،

ونَهَمُ ميليشياتِ أبناءِ الربِّ

إلى احتكارِ عضويةِ "نادي العراةِ" السماويّْ:

تنكشفُ صورةُ "الآخَرِ"

مُكفَّراً في عماء سريرةِ الآخَرْ...

(تنكشفُ السكِّين!!...)

وينكشفُ أنْ:

كلانا آخَرُ الآخَرْ

كلانا قابيل...

وكلانا ذبيحتُهْ".

عوائق على الطريق

أما إذا أردنا الحديث عن العراقيل التي جعلت عربة قصيدة النثر تتوقف في كثير من الأحيان، فإن أول ما يخطر على البال هو عدم فهم اللعبة الشعرية، وعدم تخطي حاجز السردية الذي يشد القصيدة إلى الخاطرة أو القصة حتى، طبعًا ذلك نتيجة سوء استخدام الإيحاء والرمزية، ما أحال القصيدة إلى فعل تقريري، يُقرِّبها من الخطاب المباشر.

وبناءً عليه فإن الكثير من الشعراء العرب لم يستطيعوا النهوض بها، وتقديم إضافات مهمة على ما جاء به الرواد في مجلة شعر اللبنانية، إلا ما ندر. بل بقيت محاولاتهم تقليدًا لما نشر، أو تتضمن بعض الاجتهادات لكنها لم تقدم الكثير، في حين كان عليهم الاتكاء بقوة على "الانزياح" الذي يعتبره جان كوهين "الطريق الحتمية التي ينبغي للشاعر عبورها لتحقيق الشعرية".

شعرية تتمثل، بحسب سوزان برنار "إيجازًا في العبارة وتركيزًا في المعنى، ووحدةً عضوية، وقوة تأثير في المتلقي"، طبعًا ذلك لا يتحقق من دون تميز الشاعر بثقافة عالية تمكّنه من الإبحار في شعرية القصيدة النثرية، التي تتمتع بالمفاجأة والإيقاع الداخلي، وإتقان تشكيل الصورة الغرائبية التي تعج بالدلالات، عبر إيجاد علاقات جديدة بين ألفاظ النص وتراكيبه، مدفوعة بقوة التخيُّل ومليئة بالإيحاء والرمزية، بحيث نرى أن اللفظة تتألف وتتوهج في سياقها كأنها منارة تهدي القصيدة إلى مرفئها.


[1]مقتبسة من حوار له نشر في مجلة أوروب الفرنسية في عدد حزيران - تموز لعام 2003.