صورة لطلاب ابتدائي- الصورة: الصفحة الرسمية للوزير طارق شوقي

ترم ثان مُعقد في المدارس: أين الكتاب والمعلمون؟

تتعجب مريم محمد، من تمسك وزارة التربية والتعليم، بجدولها فيما يتعلق بالامتحانات الشهرية ونهاية العام، ومن تشديدها على حضور الطلاب للمدرسة، من دون أن تفي الوزارة في المقابل بواجباتها نحو طلاب مدارس اللغات سواء التجريبية الرسمية أو الخاصة، الذين لم تصلهم الكتب الدراسية حتى الآن، رغم مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على بدء الفصل الدراسي الثاني.

مريم التي يدرس نجلها في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة الأوقاف الرسمية للغات بالدقي، دفعت المصروفات الدراسية، إضافة لمصروفات الكتب، ورغم ذلك لم يتسلم نجلها، الذي سيخضع لامتحان شهري نهاية مارس/ آذار الجاري كافة الكتب المدرسية، فيما أن نجلها الآخر الذي يدرس في الصف الثالث الإعدادي، لم يتسلم كتابي العلوم والرياضيات أيضًا. تقول للمنصة "من الأولى، أن تحضر الكتب قبل الترم ما يبدأ، مش الطلبة تحضر والكتاب هو اللي يغيب".

وتشدد وزارة التربية والتعليم على حضور الطلاب في الفصل الدراسي الثاني، حيث وجهت بتسجيل الحضور والغياب بشكل يومي، على أن يتم حرمان الطالب من دخول الامتحانات إذا استمر الغياب غير المسبب أكثر من 15 يومًا، في محاولة لاستعادة الانضباط داخل المدارس مرة أخرى. في المقابل تحاول الوزارة تخطي أزمة وصول الكتب المطبوعة بإتاحة نسخة إلكترونية بي دي أف على الموقع الرسمي للوزارة.

سبب التأخير

في الوقت لذي يكثف فيه وزير التربية والتعليم ظهوره وتصريحاته الإعلامية، يتجاهل أزمة تأخر وصول الكتب المطبوعة للمدارس اللغات حتى الآن.

وقال مصدر مسؤول في قطاع التعليم، فضل عدم ذكر اسمه، للمنصة، إن الوزارة لجأت إلى طرح الكتب إلكترونيًا، في ظل عدم وضوح الرؤية عند المطابع بشأن الموعد النهائي لإنجاز ما تبقى من الكتب، لذلك جرت الموافقة على إتاحتها بي دي إف، لكن ذلك لن يُغني عن تسليمها إليهم، ودفعهم المصروفات المدرسية ومصروفات الكتب الخاصة بالترم الثاني.

وتصب كافة التصريحات الرسمية من الوزارة في إتجاه رفض إجراء أي تخفيف على المناهج، بدعوى ترابطها، ما يعني خضوع الطالب للامتحان في المواد العلمية المطالب بها، وهو ما يثير استياء وغضب أولياء الأمور على مواقع التواصل الاجتماعي. يشدد المصدر نفسه "الوزارة لن تلجأ إلى التخفيف أو التقليل (...) ولا يحق لأي موجه أول يقوم بوضع الامتحانات، إغفال أي جزيئة من المنهج، من تلقاء نفسه".

وبرر القيادي التعليمي، تأخر كتب اللغات، بكونها مترجمة من العربية إلى الإنجليزية، وهذا يحتاج إلى جهد ووقت أطول من باقي المناهج الدراسية التي يتم طباعتها باللغة العربية، فيما قال مصدر آخر بقطاع التعليم الابتدائي، طلب عدم ذكر اسمه، للمنصة، إن تأخر الكتب الخاصة بالصف الرابع الابتدائي تحديدًا، يعود إلى أن الوزارة أجرت تعديلات على منهج الترم الثاني، وقامت بتخفيفه في بعض المواد مثل العلوم والرياضيات، قبل طباعته، ليتناسب مع عدد أيام الدراسة الفعلية، ليتم ترحيل الأجزاء المحذوفة ضمن منهج الصف الخامس الابتدائي.


اقرأ أيضًا: الكتب إجبارية ولو تأخرت: البيزنس يحكم المدارس التجريبية

إحدى مكتبات الفجالة. برخصة المشاع الإبداعي- ويكيبيديا

وبخصوص مناهج باقي الصفوف الدراسية، المطورة بالأساس من الأعوام السابقة أو التي لم تتطور، ورغم ذلك تأخرت الكتب، أجاب القيادي التعليمي في التعليم الابتدائي، بأن "التأخير سببه عزوف الكثير من دور الطبع عن المشاركة، لارتفاع التكلفة والخامات، مقابل الأسعار التي حددتها الوزارة لكل ورقة، لذلك يتم التعامل مع عدد قليل من المطابع".

ويفترض أن الوزارة لا تطبع سوى للصفوف الابتدائية والإعدادية، لأن طلاب المدارس الثانوية لا يتحصلون على الكتب، على اعتبار أن بحوزتهم أجهزة تابلت عليها كل المناهج.

الكتاب الخارجي في المدرسة

ويعاني المعلمون أنفسهم من صعوبة التواصل مع الطلاب، لشرح المناهج الدراسية، بسبب غياب الكتب، ما اضطر بعضهم للجوء إلى الكتاب الخارجي للقيام بهذه المهمة، مع أن الكتب الخارجية محظور تداولها داخل المدارس.

تقول نادية* وهي معلمة بإحدى المدارس التجريبية الواقعة بحي العبور، شرق القاهرة، للمنصة، إنها منذ بداية الفصل الدراسي الثاني، تقوم بشرح المنهج من الكتاب الخارجي الذي اشترته من مالها الخاص، لتهرب من المساءلة القانونية التي قد تطالها لكونها رفضت الشرح بسبب تأخر الكتب الرسمية التابعة للوزارة.

تضيف المعلمة للمنصة "اللي مش قادرة أفهمه، أإزاي الكتب اللي لسه بيتم طباعتها للطلاب، وصلت السوق في المكتبات الخارجية، ومطلوب مني كمعلمة إني أشرح نواتج التعلم لمنهج أنا مشفتهوش غير في كتاب خارجي".

وتتحصل المكتبات على المناهج من دور النشر التي تتعاقد معها الوزارة للمشاركة في تأليف وطباعة الكتب المطورة، لأن مركز تطوير المناهج التابع لوزارة التربية والتعليم، لديه شركاء في دور النشر والتأليف، يقومون بمساعدته في المهمة، نظير عوائد مالية، على اعتبار أن الدار ساهمت في التأليف، ومن ثم من حقها أن تطبع الكتاب لحسابها الخاص.

وكان عضو مجلس النواب أيمن محسب، تقدم بطلب إحاطة في 5 مارس/آذار الجاري، بشأن شكاوى أولياء أمور طلاب الصف الرابع الابتدائي، من تأخر تسليم كتب الفصل الدراسي الثاني، رغم انتهاء الأسبوع الثاني، ما يؤثر على الطلاب، خصوصًا أن مدة الترم الثاني قصيرة، ولا تحتمل تأخر الكتب، ما يجبر أولياء الأمور على شراء الكتب الخارجية في جميع المواد، مما يزيد من الأعباء المالية عليهم نظرًا لارتفاع أسعار الكتب الخارجية.

وعن تلك الأعباء يقول صلاح صبحي، وهو أب لطفل بالصف الثالث الابتدائي، للمنصة، "للأسف، الوزارة عايزة تاخد حقها وبس، مش مهم ولي الأمر يتصرف إزاي مع ابنه، يجيب له كتب خارجية، يديله دروس خصوصية، الكتب توصل ولا متوصلش، المهم ندفع اللي علينا، حتى لو مش هنستفيد، لما تكون مناهج 3 ابتدائي مطورة من السنة اللي فاتت، إزاي يكون فيه أزمة في طباعتها وتوزيعها للنهاردة".

يتساءل صلاح باستنكار "إيه لازمة التطوير اللي حصل في المناهج، وولادنا مش عارفين يوصلوا لها، أنا حاسس إن الوزارة اتفاجئت إن الترم التاني بدأ وهي مش مستعدة، لا لطباعة ولا توفير معلمين".

نقص المعلمين

تعاني المدارس، من نقص حاد في المعلمين، وتحديدًا الصفوف الابتدائية، فيما يصل عجز المعلمين في عموم المدارس إلى 320 ألف مدرسة موزعين على مختلف الصفوف الدراسية، وتشمل تلك الأزمة المدارس العربية واللغات على حد سواء.

وتخطط وزارة التربية والتعليم لأن تكون أولوية التعيين في مسابقة المعلمين، خلال العام الأول منها (2022)، لمعلمي الصفوف الابتدائية الأولى، بالمدارس الرسمية الحكومية، والتجريبية للغات، نظرًا لزيادة العجز فيها، وهو ما سبق وأكده وزير التربية والتعليم.

وقالت ولاء محمد، وهي أم لطفلين ملتحقين بمدرسة باك لاين التجريبية بحي العبور، أحدهما بالصف الثالث الابتدائي، والآخر بالصف السادس، إن ابنيها كثيرًا ما يشتكيان لها عدم دخول معلمين لهما في أكثر من حصة على مدار اليوم، وعندما اشتكت لإدارة المدرسة، قيل لها إن هناك عجز في المعلمين بالمدرسة، وهناك معلمون يتم تقسيم أوقاتهم بين مدرستين لتعويض النقص الحاد في المعلمين بمدارس الإدارة التعليمية.

أضافت للمنصة، أنها صارت لا تعتمد كثيرًا على المدرسة في تعليم ابنيها، بل تركز جهودها في الدروس الخصوصية، لكن المعضلة أن المدرسة تهدد الطلاب بالفصل إذا تجاوزا عدد أيام الغياب، ولولا هذا التشتت لما ذهبوا إليها يومًا واحدًا، طالما لا توجد كتب، ولا حل جذري لمشكلة نقص المعلمين.

حلول مؤقتة

ولجأت الوزارة مطلع العام الدراسي إلى الاستعانة بمعلمين متطوعين بلا أجر، ومعلمين آخرين بالحصة مقابل 20 جنيهًا للحصة الواحدة، بشرط توافر الخبرة.

الأزمة، أن الوزارة اشترطت على الإدارات والمديريات التعليمية، الراغبة في التعاقد مع معلمين بالحصة، أن يكون لديها موارد مالية مخصصة لهذا البند، لأن الوزارة ليس لديها ما يكفي من موارد مالية لمنحها للمديريات نظير صرف مكافآت معلمي الحصة، وهناك إدارات اضطرت لعدم إكمال إجراءات التعاقد بسبب الشح المالي.

وقال مصدر مسؤول بالوزارة للمنصة، وهو من المعنيين بملف المعلمين، "لما ما يكونش عندي (الإدارة التعليمية) فلوس، يبقى طبيعي مكنش قادر أتعاقد مع معلمين".

ويعتقد الخبير التربوي والأكاديمي بجامعة حلوان وائل كامل، أن غياب الكتب والمعلمين عن المدارس، يعكس تخبط الأولويات لدى وزارة التربية والتعليم، ويوحي بوجود عدم إحساس بالمسؤولية، لأن التعليم بالمدرسة قائم على الكتاب والمعلم والطالب، وإذا غاب أحدهم، اختلت المعادلة، وأصبحت المدرسة بلا هوية ولا أهمية تذكر.

ويضيف للمنصة، أن غياب المساءلة للعناصر القائمة على مهمة توفير الكتب في المدارس، تسبب في تكرار الأزمة نفسها كل عام، دون إدراك لتأثير ذلك وانعكاساته السلبية على الطلاب أنفسهم، قبل أولياء أمورهم، مستنكرًا وجود وقت كافٍ أمام الوزارة للانتهاء من مهمة الطباعة وتوزيع الكتب.

إن كانت الأزمة كما تبدى تعود لغلاء الأدوات اللوجيستية في الطباعة من دون أن تجد وزارة التربية والتعليم حلًا جذريًا لها، وفي ظل نقص المدرسين، فإن مريم وولاء وصلاح سيعانون الأمر نفسه مع أبنائهم خلال العام المقبل، وهي أزمة ربما ستتفاقم مع التطوير المستمر للمناهج الذي تمارسه إدارة الوزير طارق شوقي، ما يعني أن الكتب القديمة لن تكون صالحة لإعادة الاستخدام، فيما سيواصل المعلمون اللجوء للكتب الخاصة في الخفاء خوفًا من المسائلة.


* اسم مستعار.