من غلاف رواية هل تحلم الروبوتات بخراف آلية

الإنسان مقابل الآلة: سؤال الحُب في أدب الخيال العلمي

هل نستطيع أن نحب روبوتًا يمتلك ذكاءً اصطناعيًا؟ وهل يستطيع روبوت أن يحبنا في المقابل؟ هل توجد شروط للحب أصلاً؟ كيف يتكوَّن هذا الحب؟

في مقاربة سؤال الحب الذي ظهر في كثير من أعمال أدب الخيال العلمي، نستطيع أن نرى أن هذا "النوع" لا يحتاج إلى معرفة أو فضول علمي فقط، بل أيضًا إلى مساحة حُرة للتساؤل الفلسفي الجاد حول أمور مستقرِّة في الفهم الجمعي.

الأمر الأساسي الذي يخص الحب داخل سياق الخيال العلمي أن يكون أحد أطرافه مُبرمجًا: إما حُب من قِبَل روبوت حاسوبي، أو كيان ما غير إنساني، مُبرمَج على هذه المشاعر، أو العكس، الشعور بالحب تجاه كيان آلي، غير إنساني. في العادة تحدث مشاكل وعقبات تطور الأحداث جراء هذا الحب عبر النوعي.

كثير من أعمال الخيال العلمي تناولت سؤال الحُب، أبرزهم روايتا هل تحلم الروبوتات بخراف آلية وسولاريس وقصة الدُمى الفائقة تدوم طوال الصيف، الذين نتناولهم في محاولة لفهم أعمق للسؤال.

الحب الإنساني Vs. المُبرمَج

حين يبدي روبوت، أو كائن غير إنساني، حبه، يحدث أن يقتنع الشخص (الإنسان في القصة) أن تلك المشاعر حقيقيّة، لكن عادة ما يكون ذلك خداعًا نرجسيًا، ليس فقط لأنه ربما يكون ابداءً كاذبًا (فيلم Ex Machina كمثال)، بل أيضًا لأنه كي يحبني "الآخر" لابد أن يكون سبب رغبة الحب هذه هو ذاتي نفسها، وليس سببًا خارجيًا (الإجبار أو المقابل المادي هما استعباد أو بغاء وليسا حُبًا)، وصفة الحرية والاستقلال لتلك الإرادة شرطان أساسيان حتى تكون "آخرَ". فكون إرادة الطرف الثاني خاضعة لإرادتي (سواء ببرمجة حاسوبيّة أو تحت تهديد) فهذا لا يجعله آخرَ بل مجرد انعكاس أو امتداد لإرادتي الذاتيّة أو إرادة خارجيّة ما تسيطر عليه. باختصار، الحُب لا يبزغ إلا عند إرادة حرّة خاصة مستقلة بشكل مبدئي.

لشرح ذلك يمكننا تخيل سيناريوهين. الأول رجل وحيد استأجر عاملة جنس ودفع لها كي تقول إنها تحبه في الفراش. هل هذا اعتراف حقيقي بالحب؟ لا، بل تمثيل مدفوع الأجر من ضمن الخدمة المقدمة. الثاني عاشق مهووس استأجر مسدسًا، أو بلطجيًا يحمله، وصوبه نحو رأس محبوبه الذي يرفضه كي يتلفظ بعبارة الحب "أنا أحبك"، هل لو قالها سيبدو صادقًا؟ سيرغمه أن يقسم، سيقسم المحبوب وهو يبكي خوفًا "أقسم أني أحبك". لا فائدة. لماذا؟ لأن إعلان الحب ينبغي أن يكون تلقائيًا وذاتيًا وحرًا. الروبوت، بشكل متناقض، مجبر على الحب لأنه مُبرمج سلفًا بأكواد على ذلك.

أو يحدث في أعمال أخرى العكس، أن يحب الإنسان روبوتًا أو كيانًا غير بشري (فيلم Her مثلاً). لكن ماذا يفرق هذا عن حُب هاتف ذكي أو كوب قهوة أو مكنسة كهربائية؟ هنا تحضر مسألة ذائعة الحضور في أدب الخيال العلمي وهي الذكاء الاصطناعي في مقابل الوعي الذاتي. هل الذكاء الاصطناعي، في صوره المتقدمة والمُركَّبة، كاف كي يُكون وعيًا، وعيًا إنسانيًا بالتحديد؟ ما الذي يكوّن ذلك الوعي الإنساني؟ أي ماذا يفرقه عن وعي الحيوان أو النبات مثلاً أو حتى الجماد؟

يشير بعض الاختزاليين (الذين يرفضون مفهوم العقل المثالي في مقابل الدماغ المادي) أنه لا فارق إذا كان الجهاز القائم على التفكير وإحداث الوعي مصنوع من الدهون أو السيلكون. وهذا صحيح نظريًا، لكن النقطة هنا، مرة أخرى، هي إذا كانت الدهون أو السيلكون يستطيعان أن يعيا ذاتهما ويكتسبان بذلك صفتي الاستقلاليّة والحريّة. فالحب الإنساني، أو حتى ما يكافئه، يستلزم آخرَ مماثلاً واعي ذاتيًا بنفسه (أي عاقل مُستقل حُر)، كي يستوفي شروط وجوده. وبذلك يكون السؤال: هل تقدر الروبوتات على اكتساب مثل هذا الوعي؟

إنسان هيجل

طرحت الفلسفة الوعي الإنساني بصفته الوعي الذاتي، الوعي الذي يعي ذاته كوعي، وهو ما يفرِّقه عن الوعي الحيواني أو عن الجمادات التي من المفترض أنها بلا وعي بالأساس. فيشير هيجل في فيمينولوجيا الروح إلى أن اكتمال الوعي الذاتي يتم عبر عمليّة جدليّة طويلة، تصل إلى ما أسماه "جدليّة السيد والعبد"، حيث تحدث مواجهة (صراع) بين وعيين ذاتيين يتم من خلالها الاعتراف بالطرف المنتصر (السيد) على أنه وعيٌ ذاتي من قِبل الطرف الآخر المهزوم (العبد).

لكن سرعان ما يكتشف الطرف المنتصر أن هذا الاعتراف منقوص وغير فعال، لأن الطرف الثاني لا يملك وعيًا ذاتيًا فيكون قادرًا على تحديد كينونته، وكذلك لأنه أجُبر على ذلك الاعتراف خوفًا من الموت وبذلك يكون الاعتراف باطلاً. تمر مرحلة تُقلب فيها الآية؛ يكتشف السيد أنه يعتمد على اعتراف العبد في وجوده، ويكتشف أيضًا أنه يعتمد على عمله (في الطبيعة) كي يعيش، وأنه انفصل عن الطبيعة التي قام العبد بالسيطرة عليها وتشكيلها وتطويعها لرغبات السيد وأصبح على دراية وصلة وثيقة بها. يدرك العبد أيضًا ذلك الأمر الذي أدى إلى تدهور السيد وصعوده هو، فيدخل في مفاوضة جديدة على الاعتراف به كوعي ذاتي مثله، ويحدث في تلك اللحظة اعتراف متبادل ومتساوي.

النقطة الأساسيّة والمضيئة في طرح هيجل بالنسبة لموضوعنا، هي أن هذا الاعتراف كي يكون فاعلاً لابد أن يأتي من نِدٍّ مُساوٍ، واعٍ ذاتيًا، ترى فيه الذات نفسها أو ما يكافئها، أي يُشترَط أن يملك الآخر أيضًا وعيًا ذاتيًا مماثلاً ويتم التعرف عليه بذلك؛ بقول آخر، لا يمكن التأكيد أنني إنسان إلا عبر اعتراف إنسان آخر بذلك.

هل يمكن أن يحدث هذا التأكيد في سياق غير إنساني: أن روبوتًا له وعي ذاتي؟ حتى الآن الإجابة لا، لأن تلك العملية تحدث تحديدًا عن طريق المُماثلة والإسقاط: هذا الكيان مثلي، له وعي ذاتي مثلي، وأعرف ذلك لأن أفعاله تشبه أفعالي الواعية ذاتيًا (المستقلة والحرة)، والروبوتات ينقصها تلك المُمَاثلة والتشابه النوعي في الأفعال.

الحب في عدسة التكرار

في ستينات القرن الماضي، صدرت روايتا هل تحلم الروبوتات بخراف آلية وسولاريس وقصة الدُمى الفائقة تدوم طوال الصيف، في وقت كان يشهد مراجعة جذرية في المجتمعات الغربية، بعد حربين عالميتين كبريين وبزوغ حرب كونيّة باردة، حول أمور أساسية مثل الأيديولوجيا (الرأسماليّة)، والتنظيم الاجتماعي ومعنى الوجود الشخصي في ظلها. ونتيجة لذلك، ظهرت على الأرض موجات من الثقافات الفرعيّة المضادة لما هو مستقَر وراسخ، ويجدر الإشارة إلى أن إنتاج الخيال العلمي وتفلسفه آنذاك لم يكن منفصلاً عن ذلك السياق الجوهري والحيوي.

تريللر فيلم سولاريس لأندريه تاركوفسكي


في سولاريس (1961) للكاتب البولندي ستانيسواف لِم (التي تحولت لـفيلم بنفس الاسم للمخرج آندريه تاركوفسكي) يصل كريس كلفين، العالم النفسي، إلى المحطة الفضائيّة بقرب كوكب سولاريس ليقيِّم وضع ثلاثة علماء يكوِّنون فريقًا بحثيًا يحاول التواصل مع الكائن/المحيط الذي يمثل عقل الكوكب، والذي في أحد التجارب أطلقوا عليه شعاع-X في محاولة لحثُّه على التواصل معهم، ليواجهوا ظاهرة غريبة أحدثها الكائن/المحيط وهي مقابلتهم بأشخاص (أو نماذج مشتقة لهم) مُجسدين من مادة ذكرياتهم أسموهم "الضيوف".

يواجه كلفين سريعًا الظاهرة نفسها: تزوره حبيبته الميتة هيري التي يشعر بالذنب تجاه انتحارها بعد هجره لها، فيما يبدو كفرصة جديدة لاسترجاع ما ضاع، لإصلاح الماضي وعودة الحب المفقود. في البداية يقاوم كلفين الإغواء، ويتخلص من الضيف بوضعها عن طريق خدعة في صاروخ وإطلاقه بعيدًا، لتظهر نسخة جديدة لها لا تتذكر ما حدث، لكنها تستطيع إدراك طبيعتها الطيفية وتحاول الانتحار بشرب الأكسجين السائل. ينهزم آخر الأمر أمام حيلة عقل سولاريس؛ يحبها ويقول لها إنها مختلفة عن أصلها، ولذلك أحبها، أو استطاع أن يحبها.

هل أحبها كلفين لأنها مختلفة فعلاً؟ ماذا عن التطابق/التماثل الواضح مع أصلها المفقود هيري الإنسانة؟ ما فرديتها تحديدًا في هذه الحالة؟ الفردية التي ادّعى أنه استطاع أن يحبها بسببها؟ هل نحب أشخاصًا لأنهم مختلفين عن أحبائنا السابقين أم لأنهم يذكروننا بهم؟ هل نحب في مسار حياتنا وفق تكرارات لنماذج أولية اختبرناها (بمعنى فرويدي ما)؟ بشكل عام، هل نحاول بالحاضر إصلاح الماضي؟ ما هي سلطة الماضي تحديدًا علينا؟ هل الجديد يأتي فقط عن طريق التكرار؟

رغم ادعاء كلفين فالتكرار يحاصره، ليس فقط في المستنسخ الفضائي لحبيبته الميتة، بل تكرار فعل الانتحار نفسه؛ فكما حاولت هيري الأولى الانتحار، حاولت هيري المستنسخة التخلُّص من وجودها أيضًا. تُطرح فكرة التكرار نفسها في نهاية الرواية، تكرار الحياة ككل، التكرار الذي يزيد من الألم والعبث النابعين من ذاته "تعلم أنها مكررة للمعاناة التي تُحس أعمق كل مرة أثناء ما تزداد هزلية بسبب التكرار المتعدد. حسنٌ أن تكرِّر الوجود البشري، لكن أن تكرره كما يكرر السكير لحنًا معروفًا شائعًا وهو يرمي في كل مرة المزيد من العملات المعدنية في عمق صندوق الموسيقى؟" (ترجمة هاتف جنابي، دار الكرمة، 2021)

الحب كمرادف للوحدة

ترسم قصة الخيال العلمي القصيرة الدُمى الفائقة تدوم طوال الصيف (1969) للكاتب الإنجليزي براين ألديس (وهي التي أصبحت فيلم الذكاء الاصطناعي (2001) للمخرج ستيفن سبيلبرج) عالمًا مستقبليًا يقوم على تطوير الروبوتات لتلبية احتياجات البشر تحت سيطرة صفوة تعيش في رخاء وسط عالم مزدحم وجائع. نجد على خلفية هذا العالم أزمة تواصل أم مونيكا مع ابنها الصغير ديفيد، لنكتشف في النهاية أنه ليس إلا روبوتًا به بعض الأعطاب اشتراه الأبوان لحين حصولهم على "يانصيب" الإنجاب من وزارة السكان.

تريللر فيلم الذكاء الاصطناعي


تزيد الدُمى الفائقة من التأثير العاطفيّ على القارئ عبر تقنيات وحيل كتابيّة. بداية تجعل من الشخص غير الإنساني، طفلاً له هيئة وسلوك طفل حقيقي، طفلاً مليئًا بالحب والرغبة في الحصول على حب أمه، ومثل الأطفال الذين لا يلقون الرعاية المناسبة يبقى عاجزًا وتائهًا. ومن ثم نرى الصراع النفسي عند مونيكا في التعامل مع الطفل/الماكينة، مما يطرح أسئلة داخل عقل القارئ حول حدود التعاطف ودور الأمومة ومعنى البنوة.

تقنية أخرى يستخدمها ألديس وهي الموازاة: يصنع لديفيد كيانًا موازيًا هو الدب اللعبة تيدي ذو الذكاء الاصطناعي البسيط، مما يجعله بالمقارنة أكثر إنسانيّة، ويستخدم موازاة أخرى مع خادم آلي متطور بارد المنطق جاف الطباع على عكس ديفيد العاطفي المرتبك بل والحزين.

في حيلة سردية إضافية يُنهي ألديس القصة من منظور الطفل الآلي، يقطف الولد وردة وينام وهو يحتضنها رائيًا فيها جمال أمه بعيد المنال، منتظرًا مصيره الذي يعرف القارئ أنه على الأرجح سيكون التخلص منه.

يثار التساؤل لماذا اختار الكاتب أن يجعل القرَّاء يتعاطفون مع الولد الصغير، وليس الأم مثلاً، وهو مجرد ماكينة؟ هل ليختبر المشاعر الإنسانيّة بتوسيع مجالها لغير البشري؟ هل يشير إلى خطورة المضي في طريق تطوير الذكاء الاصطناعي للروبوتات؟ هل يريد أن يعكس الوحدة الإنسانية في مرآة الآلة؟ القصة في النهاية هي قصة الوحدة في عالم صاخب ومزدحم والجوع للحب نتيجة ذلك.

يقول الزوج في خطبة عشاء عمل يَعلن فيها عن الجيل الجديد من الروبوتات "وسط كل نجاحات حضارتنا -نعم ووسط كل مشاكل الاكتظاظ السكاني الطاحنة أيضًا- من المحزن التفكير في عدد الملايين من الناس الذين يعانون من الوحدة والعزلة المتزايدتيْن. رجلنا الخادم سيكون نديمًا لهم: سيجاوب دائمًا، وأكثر الأحاديث بواخة لن تضجره". (ترجمة الكاتب، موقع كتب مملة، إبريل 2020)

الإشارة هنا أن التقدم التكنولوجي لن يحل مشكلة وجوديّة أساسيّة وهي الوحدة، لكن هناك إشارة إدانة أخرى أكثر ضمنية، وهي أنه على الرغم من الملايين (بل المليارات) من البشر في العالم، فمازال هناك من يشعر بالوحدة ويحتاج إلى الحديد والتروس من أجل أن يجد الصحبة والونس والحب.

الحب دون تعاطف؟

أما في رواية هل تحلم الروبوتات بخراف آلية؟ (1968) للكاتب الأمريكي فيليب ك. ديك، التي تحولت إلى فيلم شهير بعنوان بليدرانر للمخرج ريدلي سكوت، وتدور في إطار ما بعد أبوكالبتيكي بعد خراب الحياة على الأرض بسبب حرب نووية شاملة، فالتركيز يكون على شعور التعاطف نفسه.

تريللر بليدرانر


يبدأ ريك ديكارد، صائد الجوائز مهمته لتصفية ست روبوتات هربوا من مستعمرة المريخ إلى الأرض من أجل أن ينعموا بحريتهم من عبودية البشر. الذكاء الاصطناعي هنا خلق مشكلة لم تكن في الحسبان. فالتكنولوجيا بالتعريف مُسخَّرة لخدمة البشر، لكن ماذا إذا أصبح لها تفكير مستقل ومشاعر؟ ما الحكم الأخلاقي في استغلالها واستخدامها؟ هل تنطبق الأحكام الأخلاقية أيضًا على الجمادات؟ هل ستكون في موقف "العبد الهيجلي" الذي يكتشف قوته وتفوقه على سيده ويفاوضه من أجل الاعتراف بوعيه الذاتي؟

يعرف ديكارد إذا كان من أمامه روبوتًا أم بشريًا من خلال اختبار يجريه للتعاطف، وبذلك يطرح فيليب ديك الاختلاف الجوهري بين الإنسان والروبوت بصفته مسألة تتعلق بالقدرة على الإحساس بالتعاطف. ثقافة عالم الرواية تشجع على التعاطف، بغية منع حرب جديدة تحدث، والتعبير عنه باقتناء الحيوانات مثلاً (يصدر ديك الرواية بخبر عن وفاة سلحفاة تاريخيّة عاشت مائتي عام)، مما أظهر دينًا جديدًا يعتمد على التكنولوجيا يدعى الميرسريّة، تُستخدم فيه عُلب التعاطف للالتحام داخل واقع افتراضي مع شخصية تدعى ويلبور ميرسر، الذي يصعد أبدًا على تل بينما يقذف بالحجارة في حالة من المُعاناة الجمعيّة المشتركة القائمة على التعاطف.

في مقابل الروبوتات المستحدثة عالية الذكاء هناك البشر الذين تأثروا من الإشعاعات الضارة وأصبح ذكائهم منخفضًا لدرجة ألا يسمح لهم بالخروج من الأرض. يحاول شخصية من هؤلاء جون إزيدور مصادقة الروبوتات الهاربة ويقع في حب واحدة منهم لكنه يفزع من قسوتهم في تعذيب وقتل عنكبوت من أجل التسلية.

الحيوانات في الرواية تلعب دور "الآخر" الأضعف الذي يقع عليه التعاطف والحب، الآخر الواقعي للآخر المتخيل في الروبوتات، مع ذلك، يسحب ديك من الحيوانات القدرة على التعاطف "من الثابت أن التعاطف موجود فقط داخل المجتمع البشري، بينما يمكن العثور على الذكاء إلى حد ما في كل شعبة ورتبة بما في ذلك العنكبوتيات. لسبب واحد وهو أنه ربما تطلبت ملكة التعاطف غريزة جماعية غير معيبة؛ كائن فردي، مثل العنكبوت، لن يجد لها فائدة؛ في الواقع ستميل إلى إجهاض قدرة العنكبوت على البقاء. ستجعله يعي رغبة العيش عند فريسته. ومن ثم فإن جميع الحيوانات المفترسة، حتى الثدييات عالية التطور مثل القطط، سوف تتضور جوعًا". (ترجمة الكاتب من الإنجليزيّة).

بغض النظر عن دقة هذه النظريّة، فديك يُعلي من شأن التعاطف ويحصر الفرادة الإنسانيّة فيه. الأمر اللافت أنه على الرغم من صعوبة الروبوتات في التعاطف لكنه جعلهم قادرين على الإغواء والحب؛ يقع ديكارد في شِراك الروبوت ريتشِل ويمارس معها الجنس، فتخبره أنها تغوي صائدي الجوائز حتى يكفَّوا عن مطاردة الروبوتات، أي هناك استغلال لقدرة البشر على التعاطف من أجل ردعهم. يقاوم ديكارد مشاعره ورغبته في قتلها (لأنه أحبها، تعاطف معها؟)، وينجح في اصطياد وتصفية بقية الروبوتات الهاربين، لكننا نكتشف أن ريتشِل أحبته، فهي بدافع الغيرة والأسى تقتل عنزته الثمينة بإلقائها من السطح. يترك فيليب ديك لنا السؤال مفتوحًا عن كيف لكيان أن يقدر أن يحب دون أن يكون قادرًا على التعاطف.

من الممكن، إذن، لأعمال أدب الخيال العلمي، الجيد منها على الأقل، أن تتناول بشكل شائق وحكائي، مسائل ذات طبيعة فلسفيّة، وضمنها بالطبع مسألة الحب كما رأينا. وذلك عبر طرح شرط إنساني جديد (تحور جيني، اختلاف زمني، إلخ..) أو، بحسب الأمثلة السابقة، استجلاب آخر غير إنساني (روبوت، كيان فضائي، إلخ..) لمقاربة حدود ومضامين مفهوم أو مبدأ معين. لكن في النهاية يبقى الأدب داخل سياق تاريخي-اجتماعي مُحدَّد، ويتناسب مع مدى اتساعه وانفتاحه وتوجهاته، لأنه كمجال معرفي مرتبط بحركة فكريّة أوسع يكون فيها مساهمًا لا غنى عنه في تحويل المبادئ والأفكار إلى لحم ودم ونسيج حيوي ثلاثي الأبعاد.