فلاديمير بوتين. برخصة المشاع الإبدعي: Jedimentat44- فليكر

لنحتل هذا البلد الآن: طريقة بوتين المفضلة للحوار

قرار بوتين بشن الحرب على أوكرانيا لم يكن مجرد قرار "مجنون" أو "انفعالي"، وإنما يأتي في إطار حلم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتأسيس الدولة "البوتينية"، هذا المصطلح الذي تردد كثيرًا خلال السنوات الأخيرة؛ دولة لا قيصرية ولا سوفيتية ولا حتى اتحادية (ما بعد الاتحاد السوفيتي)، دولة قوية لا يهم أن تكون رأسمالية ولا شيوعية، لكنها يجب أن تكون غاشمة تفرض سياستها ورؤيتها على دول الجوار، وتساعد الأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط، وتمنع شعوبها من التحرر، معتقدًا بذلك أنه يعيد روسيا لدورها كلاعب أساسي في السياسة الدولية.

لكن ما كانت تملكه روسيا في الماضي لا يملكه بوتين الآن، بحسب حديثي مع أكاديمي عربي يعيش في روسيا منذ الثمانينيات، ويدرس في جامعة الصداقة بين الشعوب، تحدث لي بشرط عدم ذكر اسمه، موضحًا أن "روسيا القيصرية كان يهمها نشر الأرثوذكسية السلافية وتمكين كنيستها من أن تصبح وتظل وريثة الإمبراطورية البيزنطية، وكان لذلك تأثير ديني، ونجحت نوعًا ما فيه، أما روسيا السوفيتية فكان يهمها نشر الاشتراكية ومصطلحاتها عن الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال لكسب مؤيدين لها ونجحت أيضًا في ذلك".

ولتحقيق هذا كانت كتب الأدباء والفلاسفة والمفكرين الروس تباع بأرخص الأسعار، على أرصفة مدن الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية ودول أوروبا الشرقية، وكانت فرق البالية والأوبرا الروسية تجوب العالم العربي، وكذلك كانت المنح التعليمية السوفيتية للطلاب العرب والأفارقة، إلى جانب توجه الاتحاد لدعم حركات التحرر الوطني ودعم استقلال الدول ومساعدتها في بناء اقتصادياتها بعد الاستقلال.

بهذه الأفكار والتحركات تمكنت الدولة الروسية السوفيتية من خلق تيار كبير مؤيد لها في أغلب مناطق العالم، لدرجة أن عاملًا سابقًا بشركة العبوات الدوائية في القاهرة حكى لي كيف كان هناك عمال يشجعون منتخب الاتحاد السوفيتي لكرة القدم في كأس العالم عام 1990، لافتًا إلى أنهم "لم يكن لهم في الكرة لكنهم كانوا يشجعون روسيا في أي شيء".

من الذي دفع للزمار؟

مع انتباه الغرب وأمريكا لهذا السلاح، اعتبروه أحد أهم أسلحتهم في الحرب الباردة، لمواجهة أفكار الاتحاد السوفيتي، وترصد الكاتبة الإنجليزية فرانسيس ستونر سوندرز، في كتابها من الذي دفع للزمار؟ (ترجمة طلعت الشايب عن المركز القومي للترجمة - 2009)، أنه منذ 1947 عملت المخابرات المركزية الأمريكية لمواجهة التغلغل الروسي، من خلال بناء اتحاد له واجب مزدوج؛ تحصين العالم ضد وباء الشيوعية وتمهيد الطريق أمام مصالح السياسة الخارجية الأمريكية في الخارج.

وسعت إلى السيطرة على "عقل العالم" وتحديد رؤيته وذائقته بسلاح الثقافة والفن، من خلال ميزانية مفتوحة لإصدار الكتب والمجلات، والصحف، والأفلام، وإقامة المعارض، والحفلات، والجوائز، والمنح العلمية، وعقد المؤتمرات والندوات.

وساعدها في ذلك سياسة "الجلاسنوست" (الانفتاح وحرية التعبير)، التي اتبعها ميخائيل جورباتشوف، آخر زعيم سوفيتي، والتي من خلالها فُتح أرشيف الاتحاد السوفيتي المغلق، وتعرّف أبناء الجمهوريات التابعة للاتحاد إلى ما تعرض له أجدادهم من قمع قومي، ومن بينها جريمة المجاعة الأوكرانية (1932-1933)، التي راح ضحيتها ما بين 2.2 و 3.5 مليون.

ميخائيل جورباتشوف. برخصة المشاع الإبداعي- ويكيبيديا

كشف تلك الجرائم أدى إلى تعزيز النزعة القومية في الجمهوريات السوفيتية، وما أن استقال جورباتشوف من منصبه كآخر رؤساء الاتحاد السوفيتي في 25 ديسمبر/ كانون الأول 1991، انعقد في اليوم التالي مجلس السوفيت الأعلى، واعترف رسميًا باستقلال 15 دولة كانت تابعة للاتحاد السوفيتي لينهي بذلك وجود الاتحاد إلى الأبد.

هكذا استغلت أمريكا حالة الترهل التي كان يعاني منها الاتحاد السوفيتي، وصدرت رسالة واحدة بأن بأن سقوط النظام الاشتراكي هو طوق النجاة الوحيد، وأول طريق لحل كل المشاكل، ومن خلال هذا الخطاب تمكنت من خلق تيار واسع مؤيد للنموذج الأمريكي داخل الدول التابعة للاتحاد السوفيتي، وبالتالي مع انهياره وتفككه، بدت هذه الدول الجديدة أقرب إلى النموذج الأمريكي.

الحرب التي لا يريد بوتين دخولها

عندما جاء بوتين على رأس السلطة بدا واضحًا أنه يحاول استعادة اللحظة التي سبقت حل الاتحاد، وبدلًا من أن يقيم علاقات متوازنة ومتفهمة مع الجمهوريات المستقلة، يضمن بها أمان بلاده ويصلح ما أفسده سابقوه، تعامل معها على أنها مجرد مقاطعات يجب أن تبقى في فلك الدولة الأم.

فبوتين الذي تولى رئاسة الحكومة في أغسطس/ آب 1999، يعتبر أن الحرب هي أسهل القرارات، فبعد شهرين من توليه هذا المنصب وتحديدا في أكتوبر/ تشرين الأول 1999، دخلت القوات الروسية الشيشان للقيام بما أطلق عليه وقتها "عملية مكافحة الإرهاب"، ثم جاءت الحرب على جورجيا والتي تعد أول الحروب الأوربية في القرن الحادي والعشرين، ففي 2008 هاجمها الجيش الروسي بنفس الحجج التي تساق اليوم في حربه على أوكرانيا. وكانت الحرب بدعوى حماية إقليمي "أبخازيا" و"أوسيتيا الجنوبيّة" من الأعمال الإرهابية، وهي نفس الحديث على أوكرانيا حماية "دونتسك" و"لوجانسك" من الإرهاب.

لكن الحقيقة أن الحرب البوتينية على جورجيا في خلفيتها رغبة الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي، المنتخب لدورتين (2004 – 2013) في التقرب من الاتحاد الأوروبي والانضمام إلى حلف الناتو، ثم جاء الدور على أوكرانيا (2014) بعد إسقاط حليفه الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، وميل السلطة الجديدة ناحية الغرب فتحركت روسيا لدعم إجراء استفتاء على استقلال منطقة شبه جزيرة القرم وانفصالها عن أوكرانيا، وبالفعل جاءت النتيجة لصالح الانفصال والانضمام إلى روسيا، وعليه تحركت روسيا وسيطرت على شبه جزيرة القرم، وتمكن في الوقت ذاته انفصاليون مدعومون من روسيا من السيطرة على منطقتي دونيتسك ولوجانسك في إقليم دونباس.

هكذا يبدو أن بوتين يعتبر الحرب أفضل القرارات له، تلك الحرب التقليدية التي تتحرك فيها الجيوش وتقتحم وتضرب وتقصف، ولم يساير الغرب في فكره الجديد عن الحروب، والتي تغيرت بعد الحرب العالمية الثانية ثم حرب فيتنام، باستبعاد خيار المواجهة العسكرية واستبدال حروب أخرى بها؛ استخباراتية وسيبرانية واقتصادية ودبلوماسية وثقافية؛ لفرض هيمنتها على الدول بل وإسقاط أنظمة بالفعل، وحتى إن لم تسقط هذه الأنظمة تبقى في مواجهة مع هيمنة ثقافية غربية تنتشر فيها الأفكار والرؤية الغربية لكل القضايا، بداية من شكل النظام السياسي المرجو إلى طبيعة العلاقات الخاصة بين البشر ووصولًا إلى شكل الجسم المثالي.

هكذا تبدو تلك الحروب ذات تأثير كبير على أرض الواقع، إذ نرى الأجندات الاجتماعية الغربية باتت على رأس اهتمامات الشعوب خلال السنوات الماضية، بما فيها في الداخل الروسي نفسه.

في المقابل بدا أن روسيا البوتينية لم تنشغل بهذا الملف، فرغم التضخيم الغربي للدور الذي يلعبه الإعلام الروسي وكالة نوفوستي، وموقع ووكالة سبوتنيك وشبكة روسيا اليوم، التي تقول عن نفسها إنها القناة الإخبارية الأعلى مشاهدة على يوتيوب، يبدو للمتابع ضعف تأثير هذه الوسائل، ولا توجد إحصائيات رسمية عما تنفقه روسيا على إعلامها الموجه مثلًا، لكن في 2019 قال جون لانسينج، مدير الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي، التي تدير البث الدولي، إن ميزانية الإعلام الروسي تصل لقرابة ثمانية مليارات دولار، وهو ما سارعت قناة آر تي لتكذيبه مؤكده أن ميزانينتها إلى جانب وكالتي نوفوستي وسبوتنيك نحو 440 مليون دولار في وقت بلغت ميزانية الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي نحو 888 مليون دولار.


اقرأ أيضًا: أوكرانيا: حربٌ في أوروبا.. حربٌ في العالم؟

دبابات روسية. الصورة: الصفحة الرسمية للرئيس الروسي بوتين على فيسبوك

ورغم أن الميزانية الكبيرة لوسائل الإعلام تنعكس بشكل أو بآخر على قدرتها على المنافسة فإنها ليست مؤشرًا على التأثير، ومن الواضح أن الأزمة ليس في التمويل فحسب، وإنما في رؤية النظام الروسي لدور هذه الوسائل، أو في عدم اهتمامه من الأساس بالتأثير في الجماهير، مكتفيًا ببعض الأنصار في السوفيتات السابقة ودعم شخصيات قريبة منه للوصول إلى الحكم، أو التوجه إلى القرار العسكري الذي يبدو أنه مفضل إليه.

قال لي أكاديمي عربي يدرس الحقوق في جامعة موسكو الحكومية، طلب عدم ذكر اسمه بسبب ما تتعرض له التيارات المعارضة للحرب الأوكرانية من قمع حاليًا، إن السياسة البوتينية تعتمد على "دعاية الضحية" الذي يواجه الجميع وحده، لكن مع انتشار وسائل الإعلام وتطورها وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، بدا أن هذه الدعاية غير مجدية، فكل شيء أصبح على الهواء مباشرة.

وتابع الأكاديمي "عدم وجود مشروع حقيقي لدى بوتين جعل موقفه أكثر صعوبة، خاصة، وأن النموذج الأمريكي، يبقى مبهرا للكثير من شعوب العالم، حتى مع تحفظنا عليه".

ويحكي إبراهيم حسن، وهو مرشد سياحي مصري عاش في روسيا في الفترة ما بين 2009 و2013، وزار جورجيا وبولندا وأوكرانيا، عن حالة تبدو عامة في هذه الدول ترفض وصاية الدولة الروسية، مشيرًا، في حديثه معي إلى أن المواطنين في هذه الدول، أو على الأقل من قابلهم، يحملون عداءً كبيرًا لروسيا، ويرونها سببًا مباشرًا لكثير من أزماتهم، وبرر ذلك بأن مواطني هذه الدول يجيدون التحدث بالروسية لكنهم لا يرغبون التحدث بها، ويفضلون الإنجليزية. وهو موقف يكشف حجم التأثير الغربي على تلك الدول التي كانت لفترة قريبة تحت لواء الاتحاد السوفيتي.