تمثال لامرأة. صورة برخصة المشاع الإبداعي: THX0477- فليكر

عروس الإسماعيلية ليست الوحيدة: الدعم الغائب عن ضحايا العنف الزوجي

هدأت عاصفة ترند "عريس الإسماعيلية" الذي اعتدى على عروسه في الشارع، وسُجل ذلك في فيديو جرى تداوله بشكل واسع خلال الأيام القليلة الماضية، لكن مصير العروس يظل مجهولًا رغم ظهورها إلى جوار زوجها في أكثر من مقطع كدليل على الصلح وإنهاء الأزمة.

تعامل كثيرون مع المقطع المتداول على أنه حادث صادم، وهو كذلك بالفعل، ودُشنت حملة تضامن مع العروس على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن البعض انحرف ليهاجم موافقتها على الصلح مع المعتدي (زوجها)، غير أن ما تسجله الأرقام والدراسات تكشف أن فتاة الإسماعيلية ليست وحدها من اختارت ذلك الطريق، فأغلب المتعرضات للعنف المنزلي لا يذهبن إلى الشرطة من الأساس، أو يتنازلن عن المحضر بعد تحريره.

وبحسب دراسة أعدها المجلس القومي للمرأة بالمشاركة مع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، حملت عنوان العنف ضد النساء في مصر، هناك نحو سبعة ملايين و888 ألف امرأة تتعرض للعنف بجميع أشكاله سنويًا، سواء على يد الزوج أو الخطيب أو أشخاص من الدوائر المقربة لها أو الغرباء في الأماكن العامة، منهن خمسة ملايين و600 ألف امرأة يعانين عنفًا على يد الزوج أو الخطيب سنويًا. وبحسب الدراسة، أغلب هؤلاء الضحايا لا يُبلغن الشرطة، وعدد من يبلغن بحوادث العنف الزوجي لا يتعدى 75 ألفًا.

لماذا تتراجع المعنفات؟

يقول المركز المصري لحقوق المرأة، إن الإجراءات المتبعة في كثير من أقسام الشرطة عندما تحرر زوجة محضر ضرب ضد زوجها، تكون بتحرير الرجل محضر ضرب بدروه ضد الزوجة، ما يساعد على تفشى العنف المنزلي وإحجام النساء عن الإبلاغ.

وأوضح المركز في بيان سابق له أن معنى تحرير الزوج لمحضر، أنها ستقضي ليلة في الحجز لحين العرض على النيابة، وهو ما يزيد من العبء على النساء ويدفعهن إلى التراجع.

بينما ترى رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، المحامية انتصار السعيد، أن تشجيع المعنفات إلى اللجوء إلى جهات التحقيق ضرورة حتى وإن تراجعت بعضهن، مشيرة إلى أن مثل هذه القضايا تردع الأزواج الذين يظنون أنهم في مأمن من الحساب بعد ممارسة العنف، وتابعت أنها شخصيًا حضرت مع نساء أقمن دعاوى عنف زوجي وحصلن على أحكام لصالحهن وتنازلن في الاستئناف، لكن الزوج أصبح يعرف جيدًا أن ما يمارسه جريمة يمكن أن تفضي به إلى السجن لو أقدم عليها ثانية، وبالتالي يفكر ألف مرة قبل أن يعيد ممارسة العنف على زوجته.

وتقول مسؤولة برنامج العنف ضد النساء في مركز النديم لمناهضة العنف والتعذيب، ماجدة عدلي، في حديث مع المنصة، إنه لا يمكن لوم المرأة على تنازلها عن محاضر العنف، أو عدم الذهاب من الأساس إلى الشرطة، موضحة أن النساء يفعلن ذلك لأنهن لا يجدن الدعم القانوني والحكومي والمجتمعي لمواصلة هذا الطريق إذا اخترنه، لافتة إلى أن النساء يسألن الكثير من الأسئلة قبل اتخاذ قرار الإبلاغ؛ ماذا يضمن رد فعل الزوج بعد البلاغ؟ أين المكان الآمن الذي سأذهب إليه؟ كيف سأوفر الأموال؟ كيف سيتعامل معي أهلي؟ وتضيف ماجدة أنها شهدت على وقائع كثيرة تتعرض فيها النساء لعنف مضاعَف بعد تحرير محاضر ضد أزواجهن، سواء من الزوج أو الأهل.

مواجهة مع القانون والمجتمع

وتقول السعيد للمنصة إن النساء اللائي يتعرضن للعنف الزوجي يواجهن موروثًا ثقافيًا ومجتمعيًا؛ يمنعهن من ممارسة حقهن الطبيعي في التقاضي وتقديم شكوى، تحت دعاوى كثيرة بينها أن ذهاب الزوج المعنف إلى المحكمة يؤدي إلى هدم الأسرة، مشددة على أن هذا غير صحيح، وإنما عدم الإبلاغ والسكوت على هذه الجرائم هو ما يهدمها.

وتضع منظمة الصحة العالمية من بين الأسباب التي تؤدي إلى وجود عنف ضد الزوجة "المعايير المجتمعية التي تمنح الرجل امتيازات أو ترفع من قدره وتحط من قدر المرأة"، وكذلك "تدني مستويات المساواة بين الجنسين (القوانين التمييزية)".


اقرأ أيضًا: لماذا قد تحافظ سيدة على العلاقة برجل اعتدى عليها؟

تصميم: يوسف أيمن- المنصة

ولا يوجد مسمى للعنف الأسري في القانون المصري، وبالتالي ليس من عقوبات عليه، ورغم إمكانية تطبيق مواد الضرب الموجودة في قانون العقوبات على من يعتدى على زوجته، فإنه في الغالب تُنْفذ المادة 60 من القانون ذاته ضد مرتكبي العنف الأسري، وهي مادة تمنح الجانى الرأفة إذا أثبت أن ما ارتكبه كان "بنية سليمة"، وتنص المادة على أنه "لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملًا بحق مقرر بمقتضى الشريعة".

ويجرى استغلال هذه المادة في مساعدة الأزواج المعنفين لزوجاتهم، وكذلك المادة 7 من قانون العقوبات التي تنص على أنه "لا تخل أحكام هذا القانون في أي حال من الأحوال بالحقوق الشخصية المقررة في الشريعة الغراء"، وهذا النص كان واردًا في المادة الأولى من قانون العقوبات المصري الصادر سنة 1883، ونقل إلى قانون العقوبات الحالي الصادر سنة 1937 بالنص نفسه.

وتعتمد بعض الأحكام الفاصلة في قضايا ضرب النساء على هذه المادة، معتبرة أن ضرب الزوجات من الشريعة، وتأخذ بها كذلك كأحد أسباب الرأفة في قضايا الاعتداء على الزوجات والأبناء.

غير أن هناك من يرى عدم صحة هذا التفسير، ففي بحث أعده أستاذ القانون الجنائي في كلية الحقوق جامعة الإسكندرية، الدكتور فتوح الشاذلي، تحت عنوان جريمة ضرب الزوجة في القانون المصري، خلص إلى أن "تأديب الزوجة الذي تقرره الشريعة الإسلامية، ويعترف به قانون العقوبات المصري في مادته السابعة، يستند إلى نص قرآني يساء تفسيره عن قصد".

وأوضح أستاذ القانون أنه حتى باعتبار تأديب الزوج لزوجته حق شرعي، فيبقى أن قانون العقوبات يجرّم الضرب كفعل، وعليه لا يجوز استعمال الضرب كوسيلة لممارسة أحد الحقوق التي يعترف بها القانون، وبذلك لا يكون الضرب مباحًا إلا إذا استثنى القانون من العقاب حالة ضرب الزوج لزوجته تأديبًا لها، لأن القاعدة القانونية تقول إن مصدر التجريم يجب أن يكون هو ذاته مصدر الإباحة.

وعليه أكد أستاذ القانون الجنائي أن الاعتداء على الزوجة جريمة ضرب تستوجب عقاب الزوج قانونًا بالعقوبات المقررة لجريمة الضرب في قانون العقوبات، وحسب النتيجة التي يسفر عنها، أي إذا كان ضربًا بسيطًا أو نشأ عنه مرض أو عجز عن الأشغال الشخصية مدة تزيد على عشرين يومًا، أو نشأت عنه عاهة مستديمة، أو أفضى إلى الموت، ففي هذه الحالات يعاقَب الجاني بحسب مواد قانون العقوبات أرقام 242 و241 و240 و236، التي تتدرج فيها العقوبة بحسب أثر الضرب.

ورغم هذا التفسير للقانون الحالي، ونفيه قانونية ضرب النساء بدعوى الشريعة، تدعو منظمات نسائية إلى إصدار تشريع خاص يجرم العنف الأسري، ويفسر المقصود منه ويحدد العقوبات الخاصة به ويضع آليات لتييسر التبليغ، وحماية الشهود والمبلغين وضمانات سريتهم.

أين قانون العنف الأسري؟

تقول ماجدة عدلي إن هناك الكثير من مشروعات القوانين التي سبق وقدمها مركز النديم وغيره من المراكز المهتمة بقضايا المرأة إلى البرلمان قبل ثورة 25 يناير وبعدها، ورغم ذلك لم يتحرك أحد.

وأوضحت أن النديم سبق وقدم مشروع قانون إلى مجلس الشعب، وتبناه نواب ووقع عليه فتحي سرور وأحاله إلى لجنة مشتركة من لجنتي الشؤون الدينية والتشريعية، ثم اختفى المشروع، وبعد الثورة لم يظهر مرة أخرى، وأعيد تقديم مشروع قانون إلى حكومة ما بعد الثورة، "ورغم أننا كنا نرى أنها حكومة ثورية أبلغونا بأنه يمكن مناقشة قانون عن التحرش الجنسي، لكن من الصعب الحديث عن قانون للعنف الأسري" تقول عدلي.

وفي 2018 تقدمت سبع منظمات نسوية بمشروع قانون موحد لمناهضة العنف ضد النساء، وفي الفترة ذاتها تقدم المجلس القومي للمرأة بمشروع قانون معني بحماية المرأة من كل أشكال العنف، التى تتعرض لها سواء فى نطاق الحقوق الشخصية أو الحقوق الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، وكل هذه المشروعات لم يلتفت لها البرلمان، بل ولم يعد هناك حديث عنها. ولذلك ترى ماجدة أن هذا التجاهل يمكن أن نراه تواطؤًا ضد النساء، مشيرة إلى ضرورة أن يكون هناك إرادة سياسية حقيقية لمواجهة هذه الجرائم.

وترى ماجدة أن في النهاية القانون وحده ليس كافيًا لردع مثل هذه الجرائم، وإنما يجب أن تكون هناك رسالة واضحة من الدولة برفضها، وتشجيع الضحايا على مواجهتها.

ويتفق المحامي حسن الأزهري مع ذلك الرأي، مشيرًا إلى أن الأزمة في الكثير من القضايا مثل العنف ضد النساء أننا نرى نهاية الطريق قبل بدايته، لافتًا إلى أن مثل قضايا العنف الزوجي لا يردعها القانون فحسب، وإنما يجب تفعيل دور مؤسسات الأبحاث والدراسات لمعرفة الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذه الجرائم، وهل لها علاقة بالأوضاع الاقتصادية أو غير ذلك، إلى جانب العمل على زيادة الوعي لدى المجتمع لخطورة هذه الأفعال على المرأة، ثم يأتي القانون ومن بعده جهات إنفاذ القانون.

وفي سبتمبر/ أيلول الماضي أصدر رئيس الوزراء، الدكتور مصطفي مدبولي، قرارًا بإنشاء وحدة تسمى الوحدة المجمعة لحماية المرأة من العنف، على أن يكون هدفها تلقي الشكاوى والبلاغات المتعلقة بقضايا العنف ضد المرأة، عن طريق ممثلي الوزارات والجهات المعنية بالوحدة، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لفحصها والتصرف فيها.

بينما لدى وزارة التضامن الاجتماعي ثمانية مراكز استقبال للنساء ضحايا العنف ودعمهن قانونيًا ونفسيًا واقتصاديًا وإعادة دمجهن بالمجتمع.


اقرأ أيضًا: الهجالة: بماذا يخبرنا الصعيد عن العنف الزوجي؟

إحدى الناجيات اللاتي قابلن معدة التحقيق. الصورة: رشا هاشم

وتقول عدلي إن هذه المراكز عددها قليل جدًا، وسعتها السريرية محدودة، بالإضافة إلى أنها تعاني من مشاكل كبيرة في تدريب العاملين فيها، وتابعت "يقاس نجاح الدار على مصالحة النساء المعنفات على أزواجهن، وكأنها مجالس عرفية".

وتلفت إلى أنه وفقًا لما يحدث حاليًا يتاح لنزيلة هذه المراكز الإقامة لثلاثة أشهر وتجدد لمثيلتها، ويفترضون أنه هذه الفترة تكون المرأة المعنفة هدأت نفسيًا وجرى تمكينها اقتصاديًا، والحقيقة، أن هذه فترة غير كافية.

متى تتحرك النيابة العامة

في 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 استحدث النائب العام حمادة الصاوي إدارة جديدة داخل النيابة العامة تحت اسم وحدة الرصد والتحليل، تضمن قرار الإنشاء، دورين محددين؛ "رصد كافة ما ينشر في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ويتعلق بالنيابة العامة"، و"رصد وتحليل التعليقات والآراء على الأخبار المنشورة المتعلقة بالنيابة العامة، وإبداء الرأي، فيما يستوجب إصدار بيانات أو إعلانات أو الرد عليه بتعليقات من قبل الإدارة".

وظهرت هذه الوحدة في كثير من القضايا التي أثيرت على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بينها قضايا العنف الزوجي، إذ نشرت النيابة في أغسطس/ آب 2020 بيانًا جاء فيه أنها تحركت للتحقيق في اعتداء رجل على زوجته في شرفة مسكنهما، في حلوان، بعد تداول فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي سجل الواقعة، ولم يشر بيان النيابة إلى تلقيها أي بلاغ بشأن الواقعة وأنها تحركت للتحقيق في الفيديو بعدما "أبدى رُوَّاد تلك المواقع استياءَهم من فعله مطالبين بالتحقيق معه".

وبالفعل ألقي القبض على الشخص الذي ظهر في الفيديو وجرى التحقيق معه، وأكدت الزوجة في التحقيقات أن سبب تعدي زوجها عليها بالضرب والسبِّ خلافات زوجية بينهما، نافية قصده قتلها.

وهناك وقائع أخرى تؤكد تحرك النيابة العامة في قضايا شغلت مواقع التواصل الاجتماعي، لكنها لم تتحرك بشأن فيديو الاعتداء على عروس الإسماعيلية. وهنا يرى حسن الأزهري أن ثمة خطأ في تفسير دور النيابة العامة، إذ من المفترض أن يقتصر دور النيابة العام على التحقيق والإحالة إلى المحكمة، وليس من بين اختصاصاتها حراسة العلاقات الأسرية أو القيم المجتمعية كما يتعامل معها البعض الآن.

ويقول الأزهري للمنصة إن الجرائم الأسرية بشكل عام هي قضايا معقدة، خاصة مع عدم وجود آليات قانونية واضحة لحماية المبلغ وضحايا العنف الأسري، ولا توجد مؤسسات اجتماعية تدعم هؤلاء الضحايا، لكن هذه ليست وظيفة النيابة العامة، التي يقتصر دورها على التحقيق.

بينما تقول انتصار السعيد، إنه يمكن التحرك في مثل هذه القضايا دون أن تتقدم الضحية ببلاغ، خاصة مع تداول فيديو للواقعة على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن قانون الإجراءات الجنائية نص في مادته 25 على أنه "لكل من علم بوقوع جريمة- يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى أو طلب- أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي عنها".

مجلس المرأة لم يتحرك

ورغم حالة الجدل التي صاحبت حالة عروس الإسماعيلية فإن المجلس القومي للمرأة ظل غائبًا عن المشهد، ككيان رسمي مهمته الأساسية والأصيلة الدفاع عن المرأة، ولم يصدر المجلس حتى بيان للتضامن مع الضحية، واكتفى المجلس بمشاركة تعليق كتبته رئيسة المجلس مايا مرسي في بوست على صفحتها الشخصية على فيسبوك، انتقدت فيه تصرف العريس دون أن تعلن عن أي تحرك للمجلس في القضية.

وفي الوقت الذي يحق للمجلس، وفقًا لقانونه "إبلاغ السلطات العامة عن أي انتهاكات لحقوق وحريات المرأة"، قالت أمل عبد المنعم مديرة شكاوى المجلس في مداخلة هاتفية مع قناة سي بي سي، إن "المجلس لا يستطيع التحرك إلا إذا تقدمت (المعنفة) بشكوى"، موضحة بأن هناك قضايا أخرى يتحرك فيه المجلس دون التقدم بشكوى، دون أن توضحها.

وحاولت المنصة التواصل مع عبد المنعم لمعرفة طبيعة القضايا التي يمكن للمجلس التحرك فيها دون شكوى الضحية، لكنها لم ترد على هاتفها أكثر من مرة.

وقالت عبد المنعم في المداخلة الهاتفية إنه "بشأن حالة عروس الإسماعيلية فالبنت قالت إنها تصالحت خلاص"، مشددة على أن المجلس في النهاية ملتزم بالقوانين الموجودة حاليًا.

وبذلك تبقى عروس الإسماعيلية، وغيرها الملايين من نساء مصر، في انتظار أن تتحمل مؤسسات الدولة مسؤولياتها بإصدار تشريعات واضحة وعصرية، وزيادة وعي المجتمع، عسى أن يؤدي ذلك لحماية النساء من واقع مؤلم، تلام فيه الضحية، ويبرَّر الاعتداء عليها، ويحمي القانون فيه المعتدي.