تصميم: يوسف أيمن - المنصة

لمن الطُرق اليوم| السادس من أكتوبر: فوق المحور.. تحت المحور

"حياتي مُقسمة بين أكتوبر والمناشي، وجه حلو وآخر مر"، هكذا يلخص حازم عبد الحميد قصة رحلته اليومية السهلة للذهاب والعودة من مقر عمله بوسط العاصمة إلى سكن عائلته الصغيرة في حي الفردوس، ومعاناته مع الطريق عندما يقرر زيارة مقر ميلاده في ريف الجيزة، البعيد عن الطرق السريعة الممهدة.

يتعامل سكان السادس من أكتوبر بشكل يومي مع العديد من الطرق التي استثمرت فيها الدولة، ولا تزال، المليارات لبناء مجتمع حضري جديد على تلك البقعة الصحراوية، على غرار المحور والدائري وطريق الواحات، أما سكان المساحات الخضراء التي نرى امتداداتها ونحن نعبر بسرعة فوق محور 26 يوليو، فحظهم قليل من هذه الثورة الإنشائية، بعضهم أنشأ طرقًا بالجهود الأهلية لكي يصل إلى محاور الدولة السريعة، والبعض الآخر مضطر للسير بسرعة توكتوك يتأرجح فوق أرض غير ممهدة تمثل الحالة الشائعة في الطرق الداخلية للريف.

طريق الموت

منذ تسع سنوات قرر المصور الفوتوغرافي حازم عبد الحميد الانتقال من قرية المناشي، التي تقع في شمال الجيزة، إلى مدينة الفردوس الأكتوبرية التي تقع على جانب طريق الواحات، حيث المكان الذي شهد تأسيس أسرته الصغيرة، ومن يومها، أصبح انتقاله من وإلى مقر العمل بوسط القاهرة أمرًا يسيرًا، فالواحات طريق سريع أنشأته الدولة منذ عقود لربط القاهرة بالوادي الجديد، واليوم هو وسيلة آلاف الأسر من الساكنين على أطراف أكتوبر للوصول إلى طريق محور 26 يوليو، والأخير بدوره يربط أكتوبر بقلب القاهرة القديمة، فالمحور عبارة عن مجموعة من الكباري المتوالية تنتهي عند كوبري 15 مايو في وسط البلد.

طريق القاهرة- الواحات- الصورة: جوجل مابس

ولأن ارتباطه بعائلته الأم لم ينقطع، يضطر عبد الحميد لزيارة المناشي كل فترة، وهنا يصطدم بحقيقة أن الدولة لا تعطي نفس الاهتمام لطرق الريف. الوسيلة الأسهل للدخول من عالم المدن الحضرية إلى المناشي، أو الخروج منها، هو طريق المناشي - الخطاطبة، وهو الطريق الذي يأخذك من عالم ريف الجيزة إلى طريق مصر الإسكندرية الصحراوي، لكنه يفتقد إلى الكثير من الخدمات، وشهد العديد من الحوادث خلال السنوات الماضية ما دفع الأهالي لأن يطلقوا عليه "طريق الموت".

دفع سوء حالة طريق المناشي – الخطاطبة أعضاء بمجلس النواب لتقديم طلب إحاطة لمناقشة أسباب تأخير محافظة الجيزة في رفع كفاءته حتى الآن، في ظل الحوادث المتكررة والضحايا التي يحصدها هذا الطريق، لذا يتجنب عبد الحميد السير على طريق الموت، ويختار الوسيلة الآمنة وهي الطرق الريفية الداخلية التي تصل به إلى المناشي.

في ظهر الدائري

بدأت الدولة في إنشاء الطريق الضخم المحيط بالقاهرة، والمعروف بالدائري، منذ الثمانينيات، كواحد من حلول الطرق السريعة التي تربط شرق القاهرة بغربها. ولاحقًا، اتجهت لإنشاء الدائري الإقليمي، الذي افتتح في 2018، واستهدف ربط الطرق الرئيسية للعديد من المحافظات ببعضها بهدف تيسير حركة نقل البضائع وتخفيف الضغط على الدائري القديم.

ومثل الكثيرين، ضحّى بعض سكان قرية بني سلامة بجزء من أراضيهم في سبيل المنفعة العامة لصالح إنشاء الدائري الإقليمي، لكن بعد أن زال غبار الإنشاءات وافتتح الطريق، أدرك سكان القرية أنه لا توجد وصلة مباشرة بينهم وبين ذلك الجسر السريع الممهد.

قرية بني سلامة- الصورة: جوجل مابس

"اضطر الأهالي لإنشاء طريق بالجهود الذاتية يصلهم بالدائري الإقليمي، ومنه يصعدون إلى الدائري بشكل عكسي وهو ما يمثل خطورة كبيرة، لكنه الطريقة الوحيدة أمام الأهالي الذين يشعرون أن الحكومة تجاهلتهم" كما يضيف عبد الحميد، الذي يتابع أحوال بني سلامة باعتبارها من القرى المجاورة لقريته.

سكان منشأة رضوان، الواقعة شمالي الجيزة، أفضل حالًا من المناشي وبني سلامة، بعدما اقتربوا أكثر من أي وقت مضى من طريق رئيسي كالدائري الإقليمي، فحتى سنوات قريبة، كانوا يقضون قرابة 120 دقيقة، يعبرون خلالها طرقًا ريفية مزدحمة مثل نكلا والمناشي، حتى الوصول لأول طريق المدنية عند حي إمبابة.

"الحياة كانت صعبة بالنسبة لنا كسكان قرية جيزاوية قريبة من الحضر، ننحصر في طرق مباشرة مزدحمة وأخرى غير مباشرة تستهلك الكثير من الطاقة والوقت، حتى ساهم الدائري الإقليمي في تيسير الوصول" يقول محمد حسن، صاحب الـ32 سنة، الذي يعمل حاليًا في مجال العقارات للمنصة.

في أكتوبر الوضع مختلف

لأن أكتوبر من المجتمعات القديمة نسبيًا، فإن أحياء مثل الشيخ زايد استفادت بشكل متراكم على مدار وقت طويل من طريق المحور، ما جعلها في الوقت الراهن شديدة الحياة بشكل أشبه بوسط البلد، وفقًا لسامح محمد، خبير التسويق العقاري الذي يسكن زايد.

ويوضح محمد للمنصة، أن المرحلة الحالية من تطوير الطرق تستهدف إحياء مناطق أبعد من زايد بكثير "هناك أحياء حولتها الطرق الجديدة من مجرد مبان خاوية في قلب الصحراء إلى مناطق صالحة للسكن كحدائق أكتوبر، وأكتوبر الجديدة، بالحد الذي رفع سعر متر الشقة بها خلال فترة قصيرة من 1500 جنيه إلى أربعة آلاف جنيه، بفضل الطريق الإقليمي والأوسطي والواحات".

لا ينفي ذلك أن بعض التطويرات الأخيرة كانت تستهدف رفع جودة الحياة بشكل أكبر حتى في الأحياء القديمة نسبيًا بأكتوبر، فالدولة منزعجة من ازدحام طريق المحور وتعمل على توسعته في الوقت الراهن، بعد أن انتهت من إنشاء طريق بديل أيضًا وهو محور روض الفرج- الضبعة، الذي يبدأ من مدينة 6 أكتوبر ويمتد بشكل عرضي للساحل الشمالي، وهو الطريق الذي يسلكه سامح محمد، في فترات الشلل المروري على المحور.

إبراهيم جابر، صحفي، وأحد الذين راهنوا على الاستفادة من استثمارات الدولة بالانتقال للسكن في حي أكتوبر، ويرى أن رهانه كان صائبًا. قبل الذهاب إلى أكتوبر، كان جابر يسكن حي فيصل، وهو من الأحياء التي تعاني ازدحامًا مروريًا مستدامًا، وتحيط به العديد من المناطق الشعبية المكتظة لدرجة تجعل الخروج منه أمرًا يستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين، بينما يستفيد جابر في الوقت الراهن من طريق الواحات والدائري القديم، اللذين جعلا رحلته اليومية من وإلى مقر عمله في الدقي أكثر راحة، وهو ما يعوضه عن نقص الخدمات في محيطه السكني.

"لا أنظر إلى خدمات المنطقة الآن، هي شقة للمستقبل أكثر منها للحاضر، قريبًا سيصل المترو إلى حدائق أكتوبر، والاعتماد على الطريق الدائري الآن حتى وإن زاد عدد المواصلات التي أستقلها وارتفعت الميزانية المخططة لها، لكنه يجنبني معركة الزحام اليومية بشارع فيصل"، يقول جابر للمنصة.

ثقة جابر في أنه سيكون ضمن المحظوظين بخدمات الدولة تعززت مؤخرًا، مع إنشاء كوبري ونفق جديدين بطريق الواحات، الذي يعد همزة الوصل بين الطريق الدائري وأحياء عدة بأكتوبر، بتكلفة بلغت 2,2 مليار جنيه، ووفقًا لتصريحات صحفية لعادل النجار، رئيس جهاز مدينة 6 أكتوبر، فإن حجم ما تم إنفاقه على مشروعات الطرق بمدينة 6 أكتوبر منذ 2014 يصل لـ 10 مليارات جنيه.

هيثم الشرقاوي سيستفيد أيضًا من تطويرات طريق الواحات، فبعد سبع سنوات من السكن في هضبة الأهرام يستعد للهروب من الزحام الذي كان يعاني منه في شارعي الهرم وفيصل، إلى حي الأشجار في أكتوبر، الذي سيسهل الانتقال إلى قلب أكتوبر أو وسط المدينة.

"تطوير الطرق كان له أثر على سعر شقتي، التي بدأت في سداد أقساطها قبل سبع سنوات وكانت قيمتها آنذاك 700 ألف جنيه، الآن يتجاوز سعرها المليون جنيه"، كما يقول الشرقاوي الذي يعمل معدًا تلفزيونيًا للمنصة.

تبدو شهادات المواطنين متفاوتة بشكل كبير، بين المحظوظين على امتداد المحور بالاهتمام الحكومي، والآخرين المضطرين للسير على طرق غير ممهدة وخطرة ولا يرون أفقًا قريبًا لحل مشاكلهم. لذا لا يزال حازم حسين يحسب ساعتين إضافيتين على الوقت الذي سيحتاجه لزيارة أسرته في المناشي، معتمدًا "على الميكروباصات" كي يعبر شوارع قرى مثل القراطيين، غير الممهدة والمظلمة، حتى يصل إلى الدائري؛ طريق المحظوظين.


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.


اقرأ أيضًا: 30 كيلومترًا في "ميت برة" خارج "سيادة الدولة"

تصميم: يوسف أيمن - المنصة