وزير التربية والتعليم د. طارق شوقي أثناء زيارة إحدى المدارس الابتدائية- الصورة: الصفحة الرسمية للوزارة

حجب النتيجة بسبب المصروفات: ادفع كي تفرح

فوجئت مريم حسن، التي ألحقت ابنها وابنتها بالمدرسة التجريبية للغات بحي السادس من أكتوبر غرب القاهرة، بحجب نتيجة الطفلين عن امتحانات الترم الأول، وعند استفسارها عن السبب، تم إبلاغها بأنها لم تدفع مصروفات الفصل الدراسي الأول، فلجأت إلى شؤون الطلاب بالمدرسة، الذين أخبرتهم بأنها ستتقدم بشكوى للإدارة التعليمية، لكن قيل لها صراحة "على راحتك".

لجأت الأم لمجلس الآباء والأمناء بالمدرسة، وهي ممتعضة من حجب النتيجة كإجراء قهري ضد طفليها، لكنها فوجئت بأنها ليست الوحيدة التي تعرضت للمشكلة نفسها، ووجدت أن العشرات من زملاء ابنيها، حُرموا كذلك من الاطلاع على درجاتهم بالفصل الدراسي الأول للسبب ذاته: عدم دفع المصروفات، رغم أن المدرسة حكومية بالأساس.

فكرت مريم في اللجوء لفيسبوك، لعرض شكواها لعل صوتها يصل إلى المسؤولين بوزارة التربية والتعليم، لكنها اصطدمت بأن هناك الكثير من أولياء الأمور في المدارس التجريبية يشتكون من الموقف نفسه، الذي وصفته بالقهري، حتى التزمت الصمت.

تعليم وليس تجارة

تقول مريم للمنصة، إنها لم تتخاذل عن دفع المصروفات، بل بادرت بعد انطلاق الدراسة بأسابيع قليلة بطلب دفع المبالغ المستحقة، لكنها فوجئت برفض إدارة المدرسة استلام المصروفات بدعوى أنها لم تشتر الكتب، ولما أبلغتهم بأنها اشترتها من مكتبة خارجية لانخفاض سعرها عن المدرسة، أبلغوها بأنه لا مصروفات مدرسية بدون سداد ثمن الكتب.

رفضت الأم ما اعتبرته "جباية" فرضتها المدرسة، بدفع ثمن الكتب مرتين، الأولى بالمكتبة ذات السعر المنخفض والثانية بالمدرسة، ولم تكن تعلم أنها "سأتعرض للي ذراعي" بعد تعليق النتيجة على جدران المدرسة ووضع دائرة سوداء أمام اسم ابنيها تعني أنهما لم يدفعا المصروفات. "هذا في حد ذاته أذى نفسي ومقدمة لتعرض الطفلين للتنمر من زملائهم ومعلميهم"؛ تقول الأم.

في الماضي القريب، كان حجب النتيجة مقتصرًا على المدارس الخاصة والدولية، للطلاب الذين تأخروا عن دفع مصروفات الترم الثاني، ولكن مؤخرًا قررت المدارس التجريبية، وهي حكومية متميزة بمصروفات اقتصادية، الانضمام لنظيرتها الخاصة والدولية بحرمان من لم يدفع المصروفات من النتيجة.

ويقصر القرار الذي أصدره طارق شوقي وزير التربية والتعليم، في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2020، لتنظيم العلاقة بين المدارس الخاصة والدولية وأولياء الأمور، حجب النتيجة لعدم دفع المصروفات على الترم الثاني فقط، دون التطرق من قريب أو بعيد للمدارس التجريبية، وينص على أنه يحق للمدرسة عند تخلف الطالب عن سداد باقي المصروفات للعام الدراسي كاملًا، حتى الفصل الدراسي الثاني، أن يتم حجب النتيجة نهاية العام وتتخذ إجراءات تحويله وقيده بمدرسة حكومية مع التزام ولي الأمر بسداد المبالغ المستحقة عليه لصالح المدرسة التي كان مقيدًا بها.

وحيث إنه لا وجود لقرار إداري معلن يبيح لمدرسة حكومية ذلك الإجراء، تواصلت المنصة مع مصدر مسؤول بالوزارة، وهو من الدائرة المقربة للوزير، للوقوف على مشروعية حجب النتيجة عن الطلاب الذين لم يدفعوا المصروفات بالترم الأول، سواء بالمدارس التجريبية الحكومية، أو الخاصة، فقال "نعم.. من حق المدرسة حجب النتيجة لأن ولي الأمر عارف إن المدارس دي بمصروفات".

وحول سؤال المنصة، بأن هذه العقوبة موجهة للطالب وليس ولي الأمر، فقد تكون ظروفه المادية لا تسمح بالدفع لفترة، أو رفض الأب دفع المصروفات متعمدًا، أجاب المسؤول الذي تحفظ على ذكر اسمه، أن "المصروفات هي مصدر الدخل الأهم والأكبر لأي مدرسة، ومفيش قدامها غير إنها توجه عقوبة لولي الأمر الممتنع عن المصروفات، وتضغط عليه من خلال ابنه.. واللي المدارس التجريبية بتعمله مطابق للكتب الدورية اللي أصدرتها الوزارة، والمدرسة اللي تذيع نتيجة لطالب مدفعش تبقى مخالفة للإجراءات الإدارية".

وقال القيادي التعليمي، إن هناك فتوى من التوجيه المالي والإداري بالوزارة تمنح الحق للمدرسة التجريبية بحجب نتيجة الطالب الذي لم يسدد المصروفات، وهناك فتوى من قطاع التعليم العام تفيد بذلك، لكنها لم تكن مطبقة من قبل، لتخاذل المدارس في ذلك، حتى صدرت تعليمات صارمة بتطبيقها حرفيًا، ولا يمكن للوزارة معاقبة مدير مدرسة تجريبية، أو خاصة، لمجرد أن كلاهما يبحث عن حق مدرسته عند ولي الأمر "وزي الأب ما بيدفع للدروس الخصوصية، يدفع حق مدرسة ابنه".

لكن أحمد الجيوشي، النائب السابق لوزير التربية والتعليم، يرفض الفرضية السابقة مؤكدًا للمنصة "نعم المدارس بها عجز مالي صارخ، وهناك مدراء مدارس ومعلمون يدفعون من جيوبهم الخاصة لتصوير الأوراق وغير ذلك، لكن كان من الأولى على الوزارة، أن توفر للمدارس أموال حتى لا تضعها في مواجهة مع أولياء الأمور.. كان يمكن منحها جزءًا من الأموال التي تُنفق على شراء التابلت، الذي لم يفيد الطالب ولا المنظومة بأي شيء، للأسف المدارس معذورة فيما تفعل ولا تجد أمامها سوى ولي الأمر لتحصل منه على الحد الأدنى من مستحقاتها، ولو بحجب النتيجة".

ويرى الجيوشي أن دفع المصروفات الدراسية واجبًا على كل ولي أمر، لكن في حالة المدارس التجريبية تحديدًا، فليس مقبولًا ربط شراء الكتب بدفع المصروفات، حيث لا يحق للوزارة فعل ذلك، وعليها ترك ولي الأمر حرًا في اختياره، بين شراءها أو الحصول عليها بطريقته الخاصة من المكتبات الخارجية.

وأشار النائب السابق لوزير التربية والتعليم إلى إن الكثير من أولياء أمور طلبة التجريبيات، من الطبقة المتوسطة، أو البسيطة أيضًا، وقد يعجز بعضهم عن دفع المصروفات وشراء الكتب معًا، وهنا يصبح قرار حجب النتيجة عن طالب بادر والده بطلب دفع المصروفات، ورُفض طلبه لأنه لم يشتر الكتب، ليس في محله، ومطلوب مراجعته، لأن هذا تعلم وليس تجارة.


اقرأ أيضًا| الكتب إجبارية ولو تأخرت: البيزنس يحكم المدارس التجريبية


من جانبه أبدى وائل كامل، وهو خبير تربوي وأكاديمي بجامعة حلوان، رفضه تحجج وزارة التعليم بدفع ولي الأمر مبالغ على الدروس الخصوصية، ليتم حجب نتيجة ابنه بسبب المصروفات، مضيفًا "لو الأب شايف إن ابنه بيتعلم صح في المدرسة، مكنش راح للدروس الخصوصية.. ولو الأب شايف إن فيه معلمين في المدارس أصلًا، مكنش دفع للدروس الخصوصية، والحقيقة إن المدارس أصبحت مجرد مكان لعقد الامتحانات لا أكثر ولا أقل".

وأكد للمنصة، أن شريحة من الممتنعين عن دفع المصروفات، ترفض أسلوب المدارس في التعليم، فهي بالنسبة لهم بلا قيمة، وبالتالي رفضهم الدفع يتأسس على مبدأ "مش هدفع من غير ما أخد خدمة تعليمية"، ولو كان ولي الأمر يشعر بأهمية المدرسة، لكان أول شخص يحرص على دفع ما عليه من مستحقات، أما الشريحة الثانية من الأهالي، فهم الذين تعرضوا لأزمة مالية مفاجئة جراء تداعيات جائحة كورونا، فالطبقة الوسطى أصبحت فقيرة، والطبقة الفقيرة أصبحت كادحة، حسب قوله.

أذى نفسي

تتجاوز أسعار كتب المدارس التجريبية المطورة، من رياض الأطفال للصف الرابع الابتدائي، أكثر من ألف جنيه، بالإضافة للمصروفات المدرسية التي تقترب من المبلغ نفسه، فتصل في الصف الأول لرياض الأطفال 1275 جنيهًا ومن الصف الأول للرابع الابتدائي 1005 جنيهات، أما الكتب نفسها فيصل ثمنها في الفصل الدراسي الأول لمرحلة رياض الأطفال إلى 402 جنيه، و460 جنيهًا للأول الابتدائي، و517 جنيهًا للثاني والثالث، و747 جنيهًا للرابع الابتدائي، وفي الترم الثاني المبالغ نفسها.

وتعاني مريم حسن من ظروف مادية صعبة لا تسمح لها بدفع مصروفات طفلين مرةً واحدةً، بالإضافة إلى تكلفة كتب لترمين، كي تعرف النتيجة، وتصل هذه المبالغ قرابة ثلاثة آلاف جنيه، وربما أكثر، فهي مطلقة ولا تتحصل سوى على مبلغ قليل للغاية من النفقة الزوجية التي أقرتها المحكمة، وتكاد توفر لنفسها وطفليها الحد الأدنى من المتطلبات اليومية، لكنها في الوقت ذاته شغوفة بمعرفة نتيجة كل منهما، لتعرف مستواهما التعليمي بالضبط، كما يحتاج الطفلين أيضًا ليفرحا بنتيجة ما أنجزاه.

وهو ما يؤيده وائل كامل، الذي يرى أن حجب نتيجة الطالب، مهما كانت مرحلته العمرية، لمعاقبته على عدم دفع المصروفات، يجلب له الأذى النفسي والمعنوي، وهذا بالطبع يؤثر على تحصيله الدراسي، وقد يعرضه للتنمر من بعض زملائه، مضيفًا "المصروفات حق للمدرسة، ولكن توجيه العقوبة للطفل إجراء خاطئ وغير إنساني، خاصة إن كان والده شخصًا غير مسؤول أو مهتم بدفع المصروفات من الأساس".

الشيء الوحيد الذي لا يجوز للمدرسة التجريبية أو الخاصة فعله، أن تحرم الطالب من دخول الامتحان بسبب المصروفات، وإذا استمر عدم الدفع في الترم الثاني، يتم رفع كشف بأسماء الطلاب الممتنعين عن الدفع لمدير الإدارة التعليمية، لتحويلهم للشؤون القانونية، وإصدار فتوى تجيز للمدرسة أن تقوم بتحويل هؤلاء الطلاب لأقرب مدرسة حكومية عادية، دون الحصول على إذن مسبق من ولي الأمر.

وتختلف المدارس الحكومية العادية، عن نظيرتها التجريبية الحكومية المتميزة، في أن الأولى بمصروفات منخفضة ولا تتجاوز 300 جنيه، ويحق للطالب شراء الكتب أو الامتناع عن ذلك لأن كلها باللغة العربية، ولا يحق للمدرسة حجب نتيجة الطالب الذي لم يدفع المصروفات، فقط تحرمه من استلام الكتب، أما التجريبية فهي مثل الخاصة لغات، من حيث المناهج المترجمة، لكنها مدعومة أيضًا من الحكومة.

يعني ذلك، أن الطالب الذي يُعاقب بالتحويل من التجريبية أو الخاصة، لمدرسة عادية، فإنه يتحول من دراسة اللغات إلى العربية لكل المواد، وبالتالي يتغير مسار تعليمه وتحصيله والدراسي بشكل كلي، وغالبا ما يفشل لأنه يدرس مناهج لم يتأسس عليها أو يتعود على قراءتها وكتابتها ونطقها باللغة العربية، وهو مايراه الأكاديمي بجامعة حلوان يعني "أننا نصنع بأيدينا طالبًا فاشلا، والأدهى من ذلك عندما يرتبط الأمر بعقوبة موجهة للأسرة، يدفع تكلفتها الطالب وحده، فيخسر ما زرعه من معارف وتحصيل أكاديمي ومعرفي، ويخسر أصدقاءه، ويخسر البيئة التعليمية التي نشأ فيها، وتعود عليها، ليذهب إلى أخرى مغايرة تماما في كل شيء، متهالكة، متكدسة، منعدمة الخدمات، بمعلمين مختلفين، بزملاء لم يتعود عليهم، ما قد يجلب له عقدة من التعليم".

ادفع لتفرح

إن كانت المدارس التجريبية الحكومية، تحجب النتيجة لمجرد رفض ولي الأمر دفع مصروفات الترم الأول، فإن المدارس القومية أيضًا تمارس الإجراء نفسه ضد أولياء الأمور، حتى هؤلاء الذين دفعوا جزءًا من المصاريف دون باقي الأقساط رغم مخالفة ذلك للقرارات الوزارية، بل إن هناك مدارس تشترط دفع الأب مصروفات العام الدراسي دفعة واحدة، خلال الترم الأول، بالمخالفة لكل التعليمات الصادرة عن الوزارة، أو لقرار عام 2020، والذي نظم طريقة دفع المصروفات للمدرسة الخاصة.

حيث رفضت المدرسة القومية بالمهندسين، منح محمد سرحان*، نتيجة أولاده الثلاثة، عن الترم الأول، لأنه تأخر عن دفع جزء من مصروفات الترم الثاني، وعندما لجأ للإدارة التعليمية، لمعرفة النتيجة بشكل ودّي، قوبل طلبه بالرفض، وهو الأمر نفسه الذي فعلته مريم، التي قالت "لما عرفت إن فيه ناس جابت النتيجة من الإدارة من خلال معارفهم وعلاقاتهم مع إنهم مدفعوش المصاريف، قلت أعمل زيهم، لكن أنا معرفش حد يجيبهالي، وولادي الاتنين زعلانين منّي علشان مفرحتهمش بيها، وظروفي دي الوقت متسمحش أدفع الفلوس دي كلها.. أنا بس خايفة يكون واحد فيهم عنده ملحق في أي مادة ومعرفش هو له دور تاني ولا ناجح ولا ظروفه إيه".

لكن بدوي علام رئيس جمعية أصحاب المدارس الخاصة، أكد للمنصة، أن الطالب المحجوبة نتيجته بسبب المصروفات، إلزامًا على المدرسة أن تبلغ والده بأنه راسب في المادة، وعليه دخول الدور الثاني، لكنه لا يعرف باقي النتيجة لحين دفع المستحقات المالية، مضيفا "المدارس الخاصة بتدفع ضرائب وعليها التزامات ورواتب معلمين وتكاليف كثيرة بحاجة لأموال، ولا تملك سوى حجب النتيجة لإجبار رب الأسرة على الدفع، ومن لا يستطيع فعل ذلك، أمامه المدارس الحكومية المجانية".

ورغم أن محمد سرحان، يعمل صحافيًا ولديه قاعدة علاقات تسمح له بالتوسط لدى الإدارة التعليمية لمعرفة نتيجة أولاده، لكنه فشل في المهمة، لكون المدرسة تابعة للوزارة أيضًا، ويخشى مسؤولو الإدارة تسريب النتيجة له، فيتعرضون للأذى، فالمدرسة ورغم كونها قومية، لكنها إداريًا وتنظيميًا تدار من خلال المعاهد القومية التي تخضع لسيطرة الوزارة، لأنها من نوعية المدارس الاستثمارية، وتتعامل بعقلية المدارس الخاصة.

يقول الأب للمنصة، إنه وصل به الحال لمحاولة إقناع المدرسة بالتوقيع على إيصالات أمانة بقيمة المصروفات، مقابل معرفة النتيجة، لكن المسؤولين بالمدرسة رفضوا المقترح، وطالبوه بالدفع الفوري مقابل الحصول على درجات أولاده، غير أن ظروفه المادية صعبة، في حين تتجاوز مصروفات أولاده الثلاثة 45 ألف جنيه عن السنة كلها.

ما يخشاه محمد ومريم، أن تنفذ مدارس أولادهم تعليمات وزارة التعليم، بتحويل المتأخرين عن دفع المصروفات حتى منتصف الترم الثاني، لمدارس حكومية عادية إذا استمرت الظروف المعيشية الصعبة، وهذا حال الكثير من أولياء الأمور المحجوب نتائج أولادهم لمجرد أنهم فجأة صاروا عاجزين عن الدفع لظروف مادية مفاجئة عصفت بالأسرة، وبدلًا من فرحة بالنتيجة تنسيهم ذلك الهم، تطلب منهم وزارة التعليم أن يدفعوا كي يفرحوا بأولادهم.


* اسم مستعار.