لوحة من الخط العربي، إحدى مقتنيات متحف الفن الإسلامي في دبي- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

كل شاعر داخله إله: الفن والدين في عناق أبدي

في القرن السادس عشر، كان هناك إمبراطور هندي مُسلم اسمه "أكبر"، له اجتهاداته في الدين ومُولَع بالفنون أيضًا، كان يرى أن في ممارسة الفن إقرار بالله سبحانه وتعالى.

في كتابه جمالية الرسم الإسلامي، يورد المُستشرق ألكسندر بابا دوبلو، أنَّ الإمبراطور أكبر قدَّم تأويلًا دينيًا يبيح للفنان المسلم أن يرسم الواقع مباشرة، أي بالمنظور الواقعي للفن الغربي، وليس على طريقة التمويه السائدة في المنمنمات والرسوم التوضيحية المصاحبة للكثير من المخطوطات العربية والفارسية؛ في رأيه أنَّ هذا النوع من التصوير مهما بلغ من إتقان يبقى غير قادر على محاكاة الحياة الحقيقية، يقول "لقد بدا لي أنَّ للرسم طريقة خاصة في الإقرار بالله تعالى، لأنه عندما يصور كائنًا حيًا، وعندما يصور أعضاءه عضوًا عضوًا يحس بأنه غير قادر على إعطاء الذاتية لعمله وهو مضطر في هذه الحال إلى التفكير في الله واهب الحياة، وبذلك يزيد حكمته".

منمنمة فارسية-الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

تعكس وجهة نظر أكبر تاريخ الجدل الطويل المصاحِب للفن تحت ظلال الدين الإسلامي لدول وحضارات وسلالات حاكمة متنوّعة، الذي لم يزل مطروحًا بصيغة أو بأخرى، حتى وقتنا الراهن، لا سيما في سياقات أشد سطحية، وذلك كلّما أعلنَ أحد الفنانين اعتزاله العمل في مجاله الفني، وقرنَ قراره ذاك برغبته في الرجوع للدين، بما يعني، صراحةً أو ضمنًا، أنَّ الفن يقع خارج دائرة الدين، إن لم يكونا في صراعٍ على طول الخط.

وغالبًا ما ينجرَّ السجال إلى مجموعة قديمة من الثنائيات المُتعارضة، من قبيل الحرية والتقييد، والإبداع والإتباع، ما يعزز فكرة الصراع ويستبعد إمكانية وجود احتمال ثالث خارج ساحة هذه المعركة، أي وجود أرض مشتركة قديمة وراسخة طالما اجتمعَ عليها الفن والدين، في رحلة الإنسان للبحث عن معنى وجوده وصياغة هذا السَعي بكل طريقة ممكنة.

شعائر الرقص

ترافقَ الدينُ والفن منذ خطوتهما الأولى، وسارا جنبًا إلى جنب ويدًا في يد منذ أن حاول أوَّل إنسان التعبير عن إحساسٍ ما غامض بالقداسة والمهابة أمامَ ظواهر الطبيعة ومخاوف العيش في أحضانها ونشواته، سواء خرجَ تعبيره هذا في صورة حركة أو صوت ثم النقش والرسم والنحت. حتَّى عندما أرادَ الانسان أن يبحث عن سِر الوجود وتحديد كيانٍ أسمى يكون هو مصدر الحياة وسببها، أخذَ يختلق الحكايات الكُبرى التي تربط الأرض بالسماء. وكما اتخذَ لنفسه بيتًا حرص أيضًا على أن يشيد بيتًا للرب، فيصبح هذا الموضع هو همزة الوصل بين السماء والأرض، يتواصل فيه الإنسان مع آلهته بالغناء والرقص والطقوس والشعائر، يقدّم لها القرابين ويصلي لها ويحتمي بها من الأخطار والشرور.

تبدَّلت وجوه تلك الآلهة من زمنٍ إلى آخَر ومن حضارة إلى أخرى، واتخذت صورًا لكائنات من مملكة النبات والحيوان والطير، ثم كانت ذكورًا وإناثًا هُم أقرب إلى الملوك والملكات أو الآباء والأمهات، لكنَّ ما بقي ثابتًا عبر كل تلك التجسدات هو عملُ الإنسان وهو يخطّ ويرسم، ويبني ويكتب، ويرقص ويغني، يزين الوجوه والأجساد، يصمم الطقوس ويبدع الشعائر. وفي مسيرته، من قرنٍ إلى آخَر، يستنطقُ صمت السماء وينتظر إشاراتها في صورة وحيٍ عُلوي. آنَذاك، لم تكن ثمَّة حواجز بين الكاهن أو الرائي وبين المبدع أو الفنان والشاعر.

كلمة الوَحي، على سبيل المثال، يتقاسمها الأنبياء والشُعراء معًا، ورُبطت العبقرية على الدوام بكائنات ما وراء الواقع المادي؛ كما أنَّ كلمة genius مشتقّة من الجِني. حتَّى ولو كانت مصادر الشعراء شيطانية أحيانًا، تظل تنتسب لقوة خارقة، وكثيرًا ما استمدَّ الفنانُ العونَ مِن طاقات نورانية ربَّانية. كتبَ أوفيد "في كلٍ منّا، نحن الشعراء، يكمنُ إله، ونحن على صلة وثيقة بالسماوات، يهبط الوحي علينا من علياء"[1] وقد أوصى بعض قدامى شعراء اليونان والرومان أن يركع الشاعِر ويصلّي بين يديّ ربات الإلهام، كما يُروى أنَّ بعض فناني الأيقونات المسيحية كانوا يخصصون خمس ساعات يوميًا للصلاة والتأمَّل، ومنهم مَن كان لا يستطيع رسم أيقونة الميلاد إلَّا في زمن الميلاد من كل سنة، بعد أن يعيش سرّ التجسد[2].

لآلاف السنين، ومنذ فجر حضارة بلاد الرافدين أو مصر القديمة، ظلَّ الفن خادمًا مُخلصًا في رحاب المؤسسات الدينية، مشيدًا الأهرام والأنصاب، ومسجّلًا ملاحم وقصص التكوين وأناشيد التعبُّد ومتون الموتى، بالكلمة والصورة. وفي الأديان الإبراهيمية الثلاثة، كان الفنان هو مَن يبني المعابد والمساجد، وهو الصوت الذي يؤذن ويرنّم ويرتّل. فَلا يمكننا أن نتخيّل الآن عقيدة عارية من كل حِس إنساني وجهد فني بشري. لولا الفن لتحوَّلت كل عقيدة إلى مجموعة من الأفكار المجردة، لا يشعر بها الإنسان ولا تمس نفسه مهما بلغَ إيمانه. من غير الفن، يصبح الدين بضعة دساتير ونواميس وشرائع، أقرب إلى تقويم سنوي يخلو من مواسم الزرع والحصاد. وإجمالًا فإنَّ حياة بلا فن وبلا دين هي حياة بلا أعياد، بلا أفراح للرُوح الإنسانية.

عشتُ يومًا كالآلهة

ثمّة أرض صغيرة أخرى يلتقي فيها الفنّي بالديني، وهي نشوة الخَلق وفُرصة التأمُّل في صُنْع الله والإقرار بعَظمته حسب تأويل ذلك الإمبراطور الهندي القديم وغيره كثيرين. فإذا كان الله قادرًا على الخلق من العدم، بقوة كُن فيكون، فإنَّ الفنان، بوصفه إنسانًا أولًا هو صورة خلقها الله على مثاله ونفخ فيها من روحه؛ قادر أيضًا على أن يخلق ويبدع في محيط محدود هو الأرض والمادة، فكأنَّه يحوّم بهذا حول المجال القدسي، أو كأنه للحظة يشاركُ سكَّان الأولمب متعة اللعب والتجربة ويشرب مثلهم من كؤوس السِر القديم. في قصيدة للشاعر الألماني هُلدرلين يخاطب ربات القدر، قائلًا:

الروح التي لم تنل حقّها الإلهي في الحياة،

لن تجدَ الراحةَ أيضًا في عالم الظلال،

لكن لو حالفني الحظ في إنشاء القصيد،

وهو الذي أقدّسه ويهيم به الفؤاد –

فمرحبًا بك إذًا، يا سكون عالم الظلال

سأكون راضيًا، وإن لم يصحبني عزف أوتاري

في رحلتي إلى أعماق الحضيض:

لقد عشتُ يومًا كالآلهة، وهذا يكفيني[3].

حتَّى إذا تنازلَ الفنان عن طموح الخَلق والعيش يومًا كالآلهة، يظل أقرب إلى المتصوفين والنسَّاك، ولو من حيث طبيعة الحياة والعطش لبلوغ اليقين. فكَم بدت شخصية الفنان والشاعِر، منبوذًا صعلوكًا خارجًا على القبيلة والعُرف، وكم همشه المجتمع أو أدانه أو تجنَّى عليه واتهمه بالجنون أو الانحلال، فلم تُفتَح أمامه أبواب علية القوم إلَّا بوصفه مهرجًا أو رسامًا وشاعرًا في بلاط هذا الأمير أو تلك الأسرة الثرية. وهو ما نجد له بقايا حتَّى يومنا هذا، في نظرة البعض إلى الفنانين بوصفهم نماذج منحلَّة، وبطبيعة الحال لا ينقذها من هذه النظرة إلَّا اعتزال الفن والرجوع إلى التصور التقليدي والمحافظ للدين.

سقف إحدى كنائس مدينة فالسيا، رومانيا- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

قديمًا كان الفنان يعكتف وينعزل ويبتعد عن الناس وهموم الدُنيا لينصت إلى لُغة الأسرار، وكم تجلت صورٌ له كائنًا مهملًا هائمًا على وجهه مثل ناسك في الصحراء. وكثيرًا ما أحسَّ بعض كبار الفنانين بأنهم مجرد أداة بين أيدي قوى أكبر منهم؛ قوى عُليا تتحدث وتفعل عَبرهم، وهو نفس شعور بعض الأنبياء والقديسين.

كتبَ الشاعر الفرنسي آرتور رامبو في رسالته إلى جورج إيزامبار، "أريدُ أن أكونَ شاعرًا، وأعملُ على أن أصبحَ رائيًا. لن تفهمَ أبدًا، وربما لن أعرف أنا نفسي أن أوضَح لك. المسألة هي الوصول إلى المجهول بتعطيل الحواس كلها. هو عذابٌ هائل، ولكن على المرء أن يكون قويًا، أن يكون وُلدَ شاعرًا. فمن الخطأ القول: أنا أفكّر، والأحرى أن يقال: يُفكَّر فيَّ. أنا هي آخَر (Je est un autre) – وليكن ما يكون إذا ألفى الخشبُ نفسه كَمنجة"[4].

بالتأكيد ليس كل الخشب صالحًا لأن يكون آلات كَمان، فهذا هو إحساس الفنان والشاعر حينما يكون أهلًا لرِحلة معانقة المجهول ولقاء المستحيل، ومحاولة التعبير عنهما، حينما يكون أدنى ما يمكن من ذلك المجال السحري النوراني. أمَّا الفن التجاري (ولنسمِه الدنيوي مثلًا)، الذي ينتِج سلعًا بالجُملة للاستهلاك السهل، أعمالًا مكرَّسة للنسيان السريع ولا تكترث بالنَفس الإنسانية إلَّا بقدر تحريك غرائزها الأساسية أو استلاب انتباهها للتسلية الخفيفة، وهي ممارسات فنية لها وصفاتها الجاهزة وجمهورها العريض، ولها أيضًا كل الحق في الوجود، دون أن نغفل واجبَ انتقادها بالمعايير الفنية وليس من باب حُرمتها أو مخالفتها للأديان والأخلاق، فهذه معركة لا ينتصر فيها أحد، لا الفن ولا الدين.

أصداء النبوة

الاعتراف بالمقدّس داخل محراب الفن والترحيب به يتطلّب أكثر من الفن للفن أو الفن للتسلية، يتطلّب إقرارًا بفكرة طالما تمَّ ابتذالها أو المتاجرة بها، وهي فكرة الرسالة التي تُردد أصداء النبوة من بعيد. والرسالة هنا لا يجب أن تكون بالضرورة ابنة أيديولوجية مستقرة وراسخة، بقدر ما تنبع من حرارة التساؤل ولَوعة التطلع إلى أفراح السماء والمجد الإنساني الذي يعكس صورَ الآلهة.

وعلى الجانب الآخَر فإنَّ الاعتراف بقيمة الفن ودوره وحريته وسُموه يحتاج أكثر من مجرد رجل دين، أي أكثر من مجرد حافظ للتراث ومتمسك بالعقيدة وحريص على المقدسات، الاعتراف بسؤال الفن يحتاج لمتصوف فهو القادر على رؤية السر الخفي وراء الأديان جميعًا، ليكن اسمه الحق أو الحب أو النور أو أيًا كان اسمه. إذ يعرف رجلُ التصوّف أنَّ الوجود نفسه نوع من الفن، نوع من الرسالة المرمَّزة، أو على الأقل سِر باطني دفين مخفي وراء مهرجان الصور والظواهر البراقة الخاطفة، وأنَّ ثمة واحد فقط وراء التعدّد والتنوع، وأنَّ الوصول إلى هذا الواحد يقتضي مبدئيًا تجاوز عالَم الظاهر، ولو بالخوض في أمواج الحواس حتَّى الثمالة، لحين الوصول إلى بر الأمان.

يدركُ كلٌ من المتصوف والفنان أنَّ السِر أكبر من أن يضمّه معبدٌ واحد أو كتاب واحد، وأنَّ الوجود كله مجموعة من الرموز، وأنَّ الإنسان مركز وبوتقة تلك الرموز. رحلة الفن العميق والأصيل تمضي يدًا بيد مع رحلة الدين في كافة تجلياته وتحولاته، رحلة لها الهدف ذاته، وهو التعبير بلغة الأرض عمَّا تهمسُ به السماء، الإحاطة بما لا يمكن أن نحيط به، هدف أقرب ما يكون إلى تعبير أبي الطيب المتنبي في بيته:"يفنى الكلامُ ولا يحيط بوصفكم .... أيحيط ما يفنى بما لا ينفدُ


[1] أوفيد، فن الهوى، ت د.ثروت عكاشة، الكتاب الثالث.

[2] مطر من ورد (دراسة في ثنائية الدين والفن، ونصوص مختارة) د. جوزِف طانيوس لبَّس (دار المشرق – لبنان – 2012).

[3] المرجع السابق، والقصيدة بترجمة د. جوزِف طانيوس لبَّس.

[4] رامبو، الآثار الشعرية، ترجمة كاظم جهاد.