تصميم: أحمد بلال - المنصة

المعدية وأطفال التراحيل: بعيدون عن المونوريل.. قريبون من مساره

في ظل هيمنة خطاب "الإنجازات" وأحاديث "الإصلاح الاقتصادي الهيكلي الناجح" و"المشروعات العملاقة" التي تبنى على أرض مصر، سقطت سيارة ربع نقل كانت تقل أطفالًا عمال تراحيل من عزبة التفتيش التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، من فوق معدية منشأة القناطر التي تربط بين محافظتي الجيزة والمنوفية، وغرقت في مياه النهر.

سقطت السيارة في الوقت الذي كان الرئيس يتحدث فيه أمام ثلاثة آلاف شاب من العالم في شرم الشيخ عن الإنجازات، لتخلف ثمانية غرقى جميعهم من الأطفال لا يتجاوز عمر أكبرهم 17 سنةً، من بين 28 طفلًا يعمل بعضهم في جمع البيض من مزارع الدواجن وبعضهم الآخر يجمع الفلفل الأخضر من مزارع الصحراوي.

يتنقل هؤلاء الأطفال، كغيرهم من أطفال التراحيل، يوميًا من قراهم إلى الحقول التي يعملون فيها، في ظروف عمل شديدة السوء، تكشف بعضًا من الضوء على العنف الهيكلي الذي يمارس بشكل ممنهج ضد الغالبية السكانية الأكثر فقرًا، من خلال سياسات عامة تستبعدهم من جميع خطط التطوير والتحديث التي لا يتمكن من قطف ثمارها إلا الشريحة الأعلى من الطبقة الوسطى وما فوقها، ما يجعل ثنائية شباب "البرنامج الرئاسي" وشباب وأطفال "عزبة التفتيش"، أكثر من مجرد مفارقة بلا معنى.

ليست حالة فردية

"طالعين ليه؟ لا لاقيين يأكلوا ولا يشربوا ولا أهلهم قادرين تصرف عليهم". بهذه الكلمات عبرت إحدى قريبات ضحايا المعدية الذين بلغ عددهم ثمانية من أطفال التراحيل عاملات وعمال المزارع عن الأسباب التي دفعت الأطفال للعمل في الزراعة. تجيب، بوضوح شديد، عن تساؤلات استنكارية تحمِّل الأسر مسؤولية خروج أطفالهم الصغار للعمل.

هناك محاولات عديدة لشرح الحادث وتتبع ردود فعل أسر الضحايا وتحديد المسؤولين عنه مسؤوليةً مباشرة، وهي محاولات هامة للوقوف على أسباب وقوع الحادث وآثاره على الناجيات والناجين وأسر المفقودين، ولكن عمال وعاملات التراحيل والموت على طريق العمل هي ظاهرة اجتماعية متنامية، إذ يقدّر حجم عمالة الأطفال في مصر بنحو 1.6 مليون طفل، 83% منهم يعملون في الريف مقابل 16% في المدن. بالتالي فهي ليست ظاهرة اجتماعية فقط، ولكنها أيضًا مرتبطة بالريف، ما يعني ضرورة النظر إليها بمنظار أكثر اتساعًا من كونها "حالة خاصة" أو "وضعًا استثنائيًا".

عمالة الأطفال، وخاصة الفتيات، في القطاع الزراعي الاستثماري وصعوبة ظروف العمل وصعوبات التنقل في المناطق الريفية، ظاهرة قديمة نسبيًا، لكنها تنامت في الثلاثين سنة الأخيرة. هذا النمو مرتبط بنمو الزراعات الاستثمارية خلال الفترة نفسها، مع نمو المزارع الاستثمارية على تخوم الدلتا والوادي. لكن الدراسات الميدانية والبحوث الاستقصائية تظل قليلة. كان هذا الموضوع نطاق بحث مقارن بين مصر وتونس والمغرب شاركت فيه بالتعاون مع الباحثتين زهور بوزيدي ووداد مؤمن في عام 2009، وكان نطاقه الجغرافي في مصر منطقة غرب الدلتا التي لا تبعد كثيرًا عن العزبة المنكوبة.

الدراسة المنشورة عام 2011 ورغم قدمها النسبي، تلقي ضوءًا على بعض خصائص عمالة الأطفال وظروف العمل بالمزارع الاستثمارية، إذ أوضحت أن متوسط أعمار الفتيات يتراوح بين 13 إلى 19 سنة، وأنهن يعملن تحت إشراف مسؤول (مشرف)، وأن من ينقلهم بسيارته هو عادة مقاول الأنفار أو مندوب عنه، يطلقون عليه لقب "الريس".

وفي حال عدم التزامهن أثناء العمل يتم عقابهن من قبل المشرف الذي يحصل على نسبة من أجرهن تتفاوت بين 30% إلى 40%، وفي حالات كثيرة يسلم مقاول الأنفار الأجرة إلى الأسرة (الوالد أو الوالدة) وليس إلى الفتيات. يمارس "الريس" سلطة أبوية على من تعملن تحت إشرافه ومع ذلك لم يكن يعترضن، أو يحاولن الخروج من هذه العلاقة الأبوية والاستغلالية، حيث تختار الفتيات هذا الاستغلال لضمان العمل لأكبر عدد ممكن من الأيام في السنة، إذ يعني غضب "الريس" على أيٍّ منهن أنها فقدت فرصة العمل معه.

لا تبعد عزبة التفتيش وأخواتها كثيرًا عن مسار المونوريل لكنها تبعد كثيرًا عن مخططات الدولة وأولوياتها في التنمية العقارية وتسهيل سبل العيش الفئات الأعلى دخلًا.

كانت الأعباء الاقتصادية هي السبب الأساسي لخروج الفتيات للعمل في الزراعة وأوضحت الدراسة أن غالبية فتيات عينة الدراسة يعمل آباؤهن في مجال الزراعة عمالًا زراعيين بلا أرض، ولا تعمل أمهاتهن، ويعشن في أسر مكونة من أربعة إلى خمسة افراد. وأغلبهن لم يتممن تعليمهن (80%)، حصلن على تعليم أساسي فقط أو تسربن خلال هذه المرحلة.

ما تخبرنا به هذه الدراسة التي جرت منذ أكثر من 13 سنة لا يختلف كثيرًا عمّا تلمح إليه الشهادات القادمة من العزبة المنكوبة. العديد من الفيديوهات والتسجيلات الحية التي تم تصويرها خلال الأيام القليلة الماضية مع أهل القرية وأسر الضحايا توضح تدهور سبل العيش في القرية حيث الآباء إما عمال زراعيين أو عاطلين عن العمل، ولا تكفي إعانة تكافل وكرامة في سد احتياجات الأسر. أما مجموعة اللقاءات المصورة وجولة الكاميرات داخل عزبة التفتيش المنكوبة، فتعطينا صورة أكثر عمقا عن التهميش والاستبعاد الاجتماعي غير المرئي، الذي يتعرض له الآلاف من الأطفال وأسرهم.

في أصول العنف الهيكلي

في حديثه للمصري اليوم يقول أحد أقارب الضحايا "لحد إمتى هيفضل يموت مننا ناس، قريتنا في المنوفية كلها عِمَالة بتعدى الصبح في معديات وآخر النهار عشان لقمة العيش وضيقة الحال. اللى ماتوا ذنبهم الوحيد إن أهلهم على قدهم وخارجين يساعدوا عشان يقدروا يعيشوا".

وفقًا لموسوعة العنف والسلام والصراع، يعرَّف العنف الهيكلي بأنه مفهوم اجتماعي يشير إلى الضرر الذي تسببه السياسات العامة لمجموعة معينة من المواطنين من تهميش واستبعاد اجتماعي؛ وينشأ هذا العنف من التوزيع غير المتكافئ للسلطة والموارد ويتجلى في الفجوة الهائلة بين الأشخاص الذين لديهم نفوذ وموارد مادية وأولئك الذين لا حول لهم ولا قوة نسبيًا.يبدو الحادث في عيون أهل القرية كعنف هيكلي ناتج من سياسات تستبعدهم اجتماعيًا وتزيد من إفقارهم أو في أحسن الأحوال تعيق خروجهم من الفقر.

هنا تصبح المفارقة بين المرافق المتهالكة المخصصة للفقراء في الريف والمليارات التي تنفق لتحسين جودة حياة الأغنياء، مفارقة ذات مغزى، فالإصلاح الاقتصادي القائم على التقشف وتقليص الانفاق على الصحة والتعليم ورفع أسعار الوقود والمياه بما يزيد دون شك من معاناة سكان القرى النائية، وإنفاق 70.6 مليار جنيه مصري على مشروع قطار كهربائي (مونوريل) يربط العاصمة الإدارية الجديدة بالشيخ زايد والقاهرة، في الوقت الذي تحتاج فيه عزبة التفتيش وغيرها إلى كوبري لن تتعدى تكلفته بضعة آلاف من الجنيهات، كلها أمور توضح مدى التفاوت واللامساواة.

موقع عزبة التفتيش في وسط الطريق بين العاصمة الادارية الجديدة ومدينة الشيخ زايد. خرائط جوجل

نلمح في أحاديث أهالي عزبة التفتيش كلامًا عن صعوبة التنقل وتكرار الحوادث وحاجتهم إلى كوبري منذ سنوات. لا تبعد عزبة التفتيش وأخواتها كثيرًا عن مسار المونوريل لكنها تبعد كثيرًا عن مخططات الدولة وأولوياتها في التنمية العقارية وتسهيل سبل العيش الفئات الأعلى دخلًا، فإتمام مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة وربط أحياء الصفوة في شرق القاهرة وغربها يمثل أولوية للدولة عن ربط محافظتي الجيزة والمنوفية ما بين أشمون ومنشأة القناطر، لتسهيل تنقل الفئات الأكثر هشاشة من قراهم إلى مناطق التشغيل، وتقليل إعداد وفياتهم في حوادث الغرق.

في أحاديث أهل القرية أيضًا، إشارات لغياب الرعاية الصحية وحاجتهم إلى وحدة صحية وعدم وجود فرص عمل بالقرية ورغبتهم في إنشاء مصانع قريبة. وأشارت إحدى الشاهدات أيضًا إلى فقدهم للأرض قائلة "أخدوا أراضينا وطلعنا الجبل اللي بتشيل زبلة..". في إشارة إلي العلاقة المباشرة بين أزمة الزراعة الفلاحية وصعوبة النفاذ للأرض وخروج الفتيات والصبيان للعمل خارج العزبة.

في لقاء رئيس الوزراء من مؤتمر الشباب بشرم الشيخ مع بي بي سي وخلال رده على سؤال حول معدلات الفقر، أجاب بأن برنامج تكافل وكرامة يعالج المشكلة. ورغم أهمية البرنامج فإنه يصل إلى نصف الفقراء فقط، كما أن قيمة الدعم النقدي وأثرها انخفضت نتيجة ارتفاع أسعار السلع والخدمات خلال السنوات الأخيرة، وهذا ما قالته والدة إحدى ضحايا المعدية "بقبض 400 جنيه ومش لاقين ناكل". بحديثها تلقي السيدة هنا الضوء على طبيعة العنف الهيكلي غير المباشرة وغير المرئية التي يتعرض لها ملايين المصريين، فوفقًا للبنك الدولي ، يقبع حوالي ثلث المصريين تحت خط الفقر والثلث الثاني أشباه فقراء، أي أنهم عرضة للوقوع في براثن الفقر مع أي مشكلة اجتماعية أو اقتصادية طارئة.


لقاء رئيس الوزراء مع بي بي سي


ظاهرة عمال التراحيل هي ظاهرة قديمة عمرها يزيد عن قرنين من الزمان، ومن المؤكد أن أجداد أطفال ماساة عزبة التفتيش والتي يدل اسمها على أنها كانت أرضًا مملوكةً لكبار الملاك الزراعيين، عانوا من مآسٍ مشابهة في بدايات القرن العشرين.

في دراسته الرائدة تاريخ عمال الزراعة والتراحيل في مصر والعالم يعرف القيادي النقابي عطية الصيرفي عمال التراحيل بانهم "هم نفسهم عمال الزراعة الذين تضطرهم حياة الريف البائسة والصعبة إلى القيام برحلات العمل وهجرات"، إذ أخذت ظاهرة عمال التراحيل أشكالًا متعددةً خلال القرنيين الماضيين، فنجد تراحيل دولية كالعمال في ليبيا للعمل في ظروف سيئة وخطرة، وتراحيل المدن فواعلية المعمار الذين يفترشون ميادين ومواقف الأنفار بالقاهرة والمدن الكبرى حاملين أدواتهم، وهناك الشكل الذي أبرزته فاجعة عزبة التفتيش وهي تراحيل النساء والأطفال.

كل أشكال التراحيل تعبر عن أوجه متعددة للشقاء والفقر والهشاشة الاجتماعية التي يعيشها ملايين الفلاحين بلا أرض وأسرهم وأطفالهم، لكن تراحيل الأطفال هي الشكل الأكثر بؤسًا وشقاءً.