تصميم: يوسف أيمن - المنصة

أكثر شبابًا وشغبًا في شيخوخته: وودي ألن "المهرج الكبير"

في فيلمه الأحدث مهرجان ريفكين (2020) يعود فنان السينما وودي ألن، بالذاكرة من خلال قصة كاتب عجوز يحلم بقصص يمتزج فيها واقعه بأشهر الأفلام التي أثرت فيه، ليرصد بعضًا من أهم لحظات السينما في القرن العشرين، وهي لحظات أثرت فيه شخصيًا، وفي الملايين من عشاق السينما، وشكلت جوهر الفن السابع وإمكانياته، وذلك عن طريق سرد يمتزج فيه الحاضر بالماضي والواقع بالخيال، سردًا طالما تميز به ألن، وأصبح علامته المسجلة، عبر عشرات الأفلام التي قام بإخراجها وكتابتها والتمثيل فيها على مدار أكثر من نصف قرن.

وقد تخطى منتصف عقده التاسع (ولد 1 ديسمبر/ كانون الأول 1935)، لم يزل ألن مشاغبًا، كما كان في بداية الستينيات، التي لمع اسمه خلالها، كواحد من أكبر الساخرين، والمحتجين بالكوميديا على كل أشكال السلطات الثقافية، من الفلسفة والدين والمذاهب السياسية وحتى تقاليد وأعراف العلاقات الجنسية والعائلية.

قبل مهرجان ريفيكين صنع المخرج الأمريكي خلال السنوات القليلة الماضية عددًا من الأفلام، بمعدل واحد كل عام، بالإضافة إلى مسلسل تليفزيوني من ست حلقات، تتسم بتنوع موضوعاتها ونوعها ومزاجها الفني بشكل عجيب.

في المسلسل الذي يحمل اسم الأزمة في ستة مشاهد يعود إلى الستينيات ليرصد حركات التمرد والثورة التي ضربت الولايات المتحدة بسبب حر ب فيتنام والتسابق النووي واستفحال الرأسمالية والعنصرية ضد الملونين، من خلال عيني رجل عجوز ( يلعب دوره ألن) يراقب ما يحدث من بعيد غير مهتم سوى بقص شعره على طريقة جيمس دين.

أما فيلمه عجلة العجائب (2017)، عل العكس، يتخلى فيه عن نهجه الكوميدي تمامًا، ربما لأول مرة في حياته الفنية، ليقدم دراسة نفسية في شخصية امرأة (تلعب دورها كيت وينسلت) تعاني من الشر، كما لو كان مرضًا لا تستطيع مقاومته. وهو عمل رصين كئيب، لا يحمل شيئًا من هزر ألن، ولكنه يعكس رؤيته نفسها للعالم والبشر.

هذه الرؤية تتسم بسمات فريدة جدًا جعلت من وودي نموذجًا لما يطلق عليه سينما المؤلف، أو مؤلف الفيلم film auteur، وهو تعبير فرنسي أطلقه نقاد مجلة كراسات السينما، لوصف بعض المخرجين الذين تتحلى أعمالهم بخصوصية وأسلوب فني يميز كل منهم ونظرة فلسفية للعالم. كلها صفات تنطبق على ألن الذي يكتب ويخرج أعماله، وهي أعمال يمكن التعرف على اسم صاحبها على الفور، كما يمكن التعرف على تأثيرها في أعمال المخرجين الآخرين، ويمكن كذلك العثور على وحدة عضوية بينها، من ناحية الأفكار والموضوعات والأسلوب وأداء الممثلين، أعمال جعلت منه واحدًا من أشهر فناني السينما منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وواحدًا من أساطينها وأساطيرها الأحياء.

بدايات هزلية

ليس ألن مخرجًا فقط، بل كاتب سيناريو وممثل وكوميديان ستاند أب وكاتب قصص قصيرة ومسرحيات وعازف موسيقي في فرقة لموسيقى الجاز أيضًا. رُشح لجوائز الأوسكار 24 مرةً، وحصل عليها أربع مرات، كمخرج وكاتب سيناريو. أكثر الأوصاف التصاقًا به أنه واحد من أكبر صناع الكوميديا على مر التاريخ.

توج ألن بأكبر الجوائز الأمريكية والعالمية. رُشحت أفلامه لـ53 جائزة أوسكار، حصلت على 12 منها، ولـ61 جائزة بافتا حصلت على 17 منها، ولـ47 جائزة جولدن جلوب حصلت على 9 منها، بجانب ذلك توج بالسعفة الذهبية الفخرية عن مجمل أعماله من مهرجان كان، وبالأسد الذهبي عن مجمل أعماله من مهرجان فينيسيا، وزمالة البافتا، وجائزة الإنجاز من اتحاد المخرجين الأمريكيين، وجائزة الكرة الذهبية الفخرية التي تحمل اسم سيسيل دي ميل.

ومن الطريف أن المخرج الذي فشل في دراسة الفلسفة واضطر لترك دراسته الجامعية بسببها، وطالما سخر من الفلاسفة ودارسيها في أعماله، تم اختياره في عام 2010 عضوًا في جمعية الفلسفة الأمريكية، وهو اختيار يمكن تفسيره بالنظر إلى أعماله باعتبارها أسئلة لا تنقطع، ولا تخف حدة قلقها الوجودي عن معنى الحياة، والموت، وعبثية أي شيء يفعله البشر للتهرب من مواجهة تلك الأسئلة.

لم تكن بدايات ألن تبشر بأنه يمكن أن يصبح واحدًا من كبار فناني وفلاسفة العصر، مع ذلك، فهي البداية الوحيدة التي يمكن أن تتسق مع شخصيته وطبيعته. بدأ حياته الفنية مع مطلع ستينيات القرن العشرين كمهرج، يؤدي بعض الفقرات الكوميدية Standup comedy في قاعات الترفيه التي يرتادها المثقفون.

قام ألن بتطوير نوعًا خاصًا من الكوميديا تبهر من يستمعون إليها، وجعلت اسمه يتردد ككاتب ساخر بارز، فيما بعد صدرت معظم هذه الفقرات الكوميدية ضمن ثلاثة ألبومات، وحققت نجاحًا كبيرًا ونال أحدها ترشيحًا لجوائز جرامي. وبعيدًا عن أهميته في مجال السينما، جاء ضمن أفضل 100 مؤدي فقرات كوميدية في التاريخ في استفتاء أجرته محطة Comedy Central عام 2004.

يمتاز وودي ألن أكثر من أي فنان آخر بأن سخريته صافية، مبهجة، لا يشوبها مرارة أو رغبة في الوعظ والإصلاح أو تمسك بيقين زائف.

بدأ ألن علاقته بالمسرح والسينما في منتصف الستينيات، حين كتب مسرحيتين، الأولى بعنوان لا تشرب الماء، تحولت بعد عرضها على المسرح إلى فيلم من إخراج هوارد موريس، ثم صورت نسخة تليفزيونية منها في الثمانينيات. المسرحية الثانية بعنوان اعزفها ثانية يا سام وشارك في بطولتها مع شريكة أفلامه وزوجته المستقبلية دايان كيتون، وكان أول تعاونهما السينمائي نسخة من إخراجه للمسرحية في عام 1972.

أول فيلم كتبه هو ما الأخبار، يا قطة؟، ?What’s new, Pussycat، من إخراج تشارلز فريدمان 1965، ومثلما حدث في المسرح كان لوودي ملاحظات سلبية على إخراج الفيلم، ما دفعه إلى صناعة أعماله اللاحقة بنفسه. وأول عمل حمل توقيعه كمخرج هو ما الأمر، يا نمر ليلي؟ عام 1966 ?What’s up, Tiger Lilly، لكن الفيلم الذي يمكن القول إنه يعبر عنه حقًا هو عمله التالي خذ المال واجري عام 1969، الذي يعد محاكاة ساخرة لوثائقي عن قصة حقيقة عن المجرمين بوني وكلايد (بطولة وارن بيتي وفاي دوناواي، وإخراج أرثر بن، 1967).

في ذلك الفيلم طور ألن شكلًا فنيًا جديدًا يطلق عليه محاكاة الوثائقي mockumentary، الذي يعد بداية ابتكاراته في الأشكال الفنية التي تميز أفلامه وقصصه، والآن يعد ذلك الشكل أداة يستخدمها بعض صناع الأفلام الشباب كنوع من كسر الحدود بين الأجناس الفنية وقوالبها. واختير الفيلم ضمن أفضل 100 فيلما كوميديا من قبل معهد الفيلم الأمريكي.

خلال السنوات التالية قام ألن بكتابة وإخراج وتمثيل عددًا من الأفلام، تفاوت حظها من النجاح، لكن اللافت هو تنوعها الشديد في الأنواع الفنية والموضوعات، منها السياسي مثل موز، والخيال العلمي مثل النائم، والمقتبس من كتاب علمي مثل كل ما تريد أن تعرفه عن الجنس، ومنها المحاكاة الساخرة للأدب الروسي مثل الحب والموت.

ما يجمع هذه الأعمال هو قدرته الهائلة على السخرية من النظم السلطوية سواء الشرقية أو الغربية، ومن المقدسات والمسلمات الاجتماعية بأنواعها، كفنان منتم لجيل الستينيات الغاضب، المعترض على الحرب الباردة وحرب فيتنام والقمع السياسي والجنسي والديني. وخلال هذه الفترة التي تمتد حتى 1976، شارك كممثل في فيلم واحد فقط هو الواجهة (إخراج مارتن ريت، 1976) الذي ينتقد الفترة الماكارثية في أمريكا الخمسينيات، من خلال قصة كاتب سيناريو فاشل يعمل كواجهة لكتاب السيناريو الممنوعين من العمل بسبب ميولهم السياسية المعارضة.

"آني هول": الأيقونة

في 1977 قدم وودي فيلمه الأشهر آني هول الذي فاز بأربعة جوائز أوسكار لأفضل فيلم ومخرج وسيناريو وممثلة لدايان كيتون، ويعد نموذجًا للفيلم العاطفي romantic comedy الحديث، الذي يدور في المدينة العصرية في عالم المتعلمين والمثقفين، الذين يعانون من الإحباط والقلق الوجودي والشعور بالعبث. تلك الثيمة سيبرع فيها ألن أكثر من أي صانع أفلام آخر، وجاء الفيلم في المركز الخامس والثلاثين كأفضل فيلم أمريكي، وفي المركز الرابع كأفضل فيلم كوميدي في استفتاء معهد الفيلم الأمريكي.

في العام التالي قدم فيلمه مانهاتن، وهو كوميديا عاطفية أخرى بالأبيض والأسود تركز على الحياة في مدينة نيويورك، التي صورها وعبر عنها ألن في عدد من أفلامه، وارتبط اسمه بها كما ارتبطت القاهرة القديمة بنجيب محفوظ أو الإسكندرية بيوسف شاهين. ومانهاتن عزز شعبية وودي ألن جماهيريًا، كما رُشح لعدد من الجوائز وحظي باستقبال نقدي إيجابي، ويعتبره الكثيرون واحدًا من أفضل أعماله.

وفي مرحلة فنية مختلفة تلت الفيلمين، ابتعد ألن عن عالم المثقفين في مدينة نيويورك، ليدخل في حوار وتناص مع أعمال عدد من المخرجين الأوربيين أصحاب الأساليب الفنية المتميزة والمضمون النفسي والفلسفي والاجتماعي الذي يختلف عن الأفلام السائدة في هوليوود. من هؤلاء المخرجين الذين تأثر بهم ألن، السويدي انجمار بيرجمان والإيطالي فيدريكو فلليني، ويمكن تتبع أثر أفلام بيرجمان مثل الفراولة البرية، فاني وألكسندر، سوناتا الخريف في أعمال ألن هانا وأخواتها، امرأة أخرى، جرائم وجنح، كما يمكن تتبع أثر فلليني في أعمال مثل ذكريات النجومية Stardust Memories (محاكاة لفيلم فلليني ثمانية ونصف) وأيام الراديو (محاكاة لـأماركورد). وبعض هذه الأفلام، بجانب مخرجي الموجة الجديدة في فرنسا جودار وتروفو وليلوش، والياباني كوروساوا، وغيرهم، يشير إليهم ويحييهم ألن في فيلمه الأخير مهرجان ريفكين.

ما بعد بعدالحداثة

وودي ألن مثقف كبير، ليس فقط كمتابع دؤوب للسينما العالمية، ولكن أيضًا كقارئ يقظ لكلاسيكيات الأدب العالمي، ولبعض الأدباء بشكل خاص مثل كافكا ودستويفسكي، وللفلسفة، الوجودية خاصة، وأعمال فلاسفة مثل شوبنهاور، نيتشة وكيريجارد. ويمكن من خلال أفلامه وكتاباته العثور على عشرات الأمثلة على تنوع قراءاته ومشاهداته في كل المجالات. لكن المدهش هو الطريقة التي يتعامل بها مع النصوص السينمائية والنثرية التي يتأثر بها.

ألن من إحدى لوكيشنات التصوير فليكر

هو مثل الساحر يقوم بتحويل أكثر الأعمال جدية ومأساوية إلى كوميديا ساخرة لا تأبه لشئ، لدرجة أن المرء يحار دومًا هل يكرم هذه النصوص ويعبر عن احترامه لها، أم أنه يهزأ منها؟ وفي هذا السؤال غير المجاب تكمن عبقرية الكوميديا عنده، بالتحديد من ذلك الشعور المختلط بالجد والهزل الذي يسبغ أعماله.

في كتابها أفلام مشاهدة بدقة Closely Watched Films تصف مارلين فيب أعمال ألن بأنها تنتمي إلى مدرسة ما بعد الحداثة. هذا المصطلح الغامض، الذي يساء استخدامه وفهمه عادة، يصبح بسيطًا ويسيرًا عندما نطبقه على أعماله.

أول ملامح ما بعد الحداثة التي نجدها في أعماله، كما تقول فيب، هي الشعور بالخواء واللا معنى الذي تعاني منه الشخصيات، لكن الملمح الأهم هو فكرة أن كل ما يدركه البشر عن العالم يدركونه عبر اللغة، وبالتالي فإن كل حقيقة ما هي إلا بناء لغوي لا علاقة له بالأصل، كما أن الكلمات لا تشير عادة إلى شيء ملموس وإنما إلى كلمات أخرى، وكل حقيقة مبنية على فروض هي نفسها مبنية على فروض أخرى.

تضرب فيب مثلًا بنكتة من بدايات ألن في ستاندأب كوميدي، عندما كان يشكو على لسان الشخصية القلقة التي ابتكرها لنفسه من أن زوجته الأولى، دارسة الفلسفة، تحاول أن تثبت له دائما أنه "غير موجود". هذا التعبير اللغوي الذي يمكن فهمه على مستويين، المعنى الفلسفي، والمعنى العامي الذي يقصد به الإهانة، هو أحد التقنيات الأساسية لكوميديا ألن.

وتستشهد فيب في مثل آخر برعب شخصية ألفي (ألن) في فيلم آني هول، من إدراكه أن العالم سوف يتمدد إلى أن ينفجر ويسقط في الثقب الأسود، وهو الرعب نفسه الذي تعانيه شخصية هاري (ألن أيضًا) في فيلم تفكيك هاري(1997)، الذي يذهب إلى عاهرة سوداء ويسألها عما إذا كانت قد سمعت عن الثقب الأسود، فتجيبه بأن حياتها كلها تتمحور حوله.

مرة أخرى نجد نموذجًا للعب اللغوي المثير للكوميديا في أعماله، الذي يمزج بين الفلسفة واللهو العابث بدرجة يصعب التمييز بينهما أو تحديد مقصده. هذه القدرة على تلوين أكثر المواقف مأساوية، وأكثر الأفكار جدية، بالتهكم والسخرية المرحة، هي أحد أهم ملامح ما بعد الحداثة. ويمتاز ألن أكثر من أي فنان آخر بأن سخريته صافية، مبهجة، لا يشوبها مرارة أو رغبة في الوعظ والإصلاح أو تمسك بيقين زائف.

الملمح الأساسي الثالث لما بعد الحداثة في أعماله هو تأكيدها على عدم وجود الواقع، طالما أن أي واقع هو نسخة متخيلة في ذهن صاحبه، هذه الفكرة التي تنتمي لعمل عالم النفس جاك لاكان وفيلسوف التفكيكية جاك دريدا ومفكري ما بعد الحداثة، يصورها المخرج النابغ من خلال اعتماد معظم أعماله على مصادر سينمائية وأدبية ونصوص متنوعة أخرى، فيما يتجاهل تمامًا فكرة الواقعية أو الاعتماد على مصادر الواقع، وحتى عندما يستخدم بعض مواد الواقع، فهو يحولها إلى شيء متخيل زائف.

وكل أعمال ألن تقريبًا محاكاة ساخرة لأعمال أخرى. وكما أشرت سابقًا فإن خذ المال واجري محاكاة زائفة للفيلم الوثائقي، وسوف يكرر التجربة بأشكال أخرى في فيلميه زيليج (1983) وأزواج وزوجات (1992). بجانب محاكاة مخرجين مثل فلليني وبيرجمان، فإن جرائم وجنح محاكاة لرواية الجريمة والعقاب لدستويفسكي، سوف يعود إليها مرة أخرى في فيلمه رجل غير عقلاني (2015).
فيلم كل ما تريد أن تعرفه عن الجنس مثلًا يتكون من فقرات، وكل فقرة محاكاة لنوع فني مختلف، من واقعية الخمسينيات إلى الخيال العلمي إلى الرعب إلى أعمال المخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني، إلى الفيلم الوثائقي العلمي وحتى برامج مسابقات التليفزيون.

فنان عابر للقرون

يواصل ألن خلال التسعينيات اللعب مع الأنواع الفنية، فيصيغ فيلمه ظلال وضباب بأسلوب التعبيرية الألمانية الذي يعتمد على اللعب بالأبيض والأسود، وفيلميه لغز جريمة قتل مانهاتن ورصاصات فوق برودواي على طريقة الفيلم البوليسي، أما فيلم كلهم يقولون أحبك فهو كوميديا استعراضية غنائية على طريقة أفلام فريد استير وجنجر روجرز، ولا يترك الدراما الإغريقية دون أن يصيغ فيلمًا على منوالها هو أفروديت العظيمة، بحيث يمكن القول إنه لم يترك نوعًا فنيًا ثقيلًا أو خفيفًا دون أن يجربه.

مع بداية الألفية الثالثة انتقل للعمل مع عدد من شركات السينما الكبرى مثل دريم ورك وسوني وأمازون، حيث قدم بعض الأعمال متفاوتة النجاح، أشهرها نقطة المباراة (2005) الذي يعتبره هو أفضل فيلمًا قام بصنعه، مع زهرة القاهرة القرمزية وذكريات النجومية، لأنها، حسب قوله، خرجت بالصورة التي كان يتخيلها بالضبط.

وفي السنوات الأخيرة انتقل للعمل في أوروبا بداية من فيلم فيكي كريستينا برشلونة في إسبانيا، وهو فيلم حقق نجاحًا كبيرًا جماهيريًا ونقديًا، ثم منتصف الليل في باريس الذي صوّر في فرنسا، وهو فيلم حظي كذلك بنجاح نقدي وجماهيري، أعقبه بفيلم إلى روما مع حبي الذي صوّر في إيطاليا، ثم ستلتقين بغريب أسمر طويل الذي يدور في لندن، بجانب عدد من الأفلام التي تدور في أمريكا مثل الياسمين الأزرق، ورجل غير عقلاني، وعجلة العجائب ويوم ممطر في نيويورك.

يتسم ألن بغزارة إنتاجه، حتى أن التقدم في العمر وصعوبات الإنتاج التي تواجه السينما الفنية والتغيرات الهائلة في شكل الحياة وصناعة السينما، تبدو وكأنها لا تؤثر عليه على الإطلاق. قدم خلال مسيرته الفنية وحتى الآن 55 فيلمًا كمخرج، قام بكتابة معظمها بمفرده أو مع مساعدين، بجانب عدد آخر من الأعمال التي اكتفى بكتابتها أو قام بالتمثيل فيها، إلى جانب إخراجه مسلسل الأزمة في ست مشاهد عام 2016.

اتهامات بالتحرش وسيرة لم تكتمل

تعرض ألن منذ التسعينيات لهجمات شرسة من زوجته السابقة مايا فارو، التي اتهمته بالتحرش بإحدى بناته، وكان ألن وفارو قاما بتبني عدد من الأطفال من بينهم سون بي بيرفن، التي ارتبط بعلاقة معها عندما كانت في السابعة عشر من العمر، ثم تزوجها في 1997 رغم فارق العمر الكبير بينهما، وهي الزوجة الأخيرة والحالية له. ورغم صدور حكمين قضائيين بتبرئته من التهم الموجهة إليه، لكن فارو وبعض المتبنين لحملة أنا أيضا أعادوا فتح ملف تلك الاتهامات مرة أخرى في 2019، مما أدى لحملة مقاطعة ضده، وكان من نتائجها تراجع دار النشر التي كانت على وشك نشر مذكراته حول لا شيء، فضلًا عن قيام بعض جهات الإنتاج بالتراجع عن تنفيذ مشاريعها معه.

أكثر قضيتين تتبناهما الصوابية السياسية Political Correctness هذه الأيام في أمريكا هما أوضاع النساء، خاصة فيما يتعلق بالتحرش والعنف، والأمريكيين الأفارقة. ولم ينجُ ألن من اتهامات بالتقصير في حق الأمريكيين الأفارقة كذلك، ليس لأنه أساء إليهم في أي من أفلامه، ولكن لأنه لا يستعين بالممثلين السود، ولا يكتب شخصيات سوداء في نصوصه.

كان المخرج الأمريكي الإفريقي سبايك لي هو من وجه تلك التهمة إلى ألن، بينما قامت الممثلة الأمريكية الإفريقية أنجيلا باسيت بترديدها مرة أخرى، مضيفة أنه حين قدم شخصية امرأة سوداء في فيلمه فيكي كريستينا برشلونة جعل منها عاهرة، متناسية أن معظم الشخصيات، مثل معظم المؤسسات والمُسلمات، في أعماله هي مثار للسخرية.

هذه الاتهامات علق عليها وودي ألن بأنه ليس من النوع الذي يكتب شخصيات أو يستعين بممثلين لمجرد لونهم أو دينهم، ولكن ما يحكمه فقط هو أن تكون الدراما التي يصنعها تحتاج إليهم، كما أشار إلى أن أعماله تنطق بنظرته الرافضة لأي شكل من أشكال التمييز.

يبدو ألن في شيخوخته محاصرًا أكثر من أي وقت مضى، ولكن يبدو أيضا أن لا شيء من هذا يمكن أن يؤثر عليه. حيث اعتاد طوال مسيرته الفنية على التهميش والنظر إليه بارتياب من قبل هوليوود والمؤسسات الرسمية والجمهور، كما اعتاد على التغلب على المعوقات الإنتاجية، ولعله السينمائي المستقل الوحيد الذي لم يتوقف عن صنع الأفلام تحت أي ظرف.

جرافيتي للمخرج وودي ألن من فليكر- برخصة المشاع الإبداعي فليكر

وودي ألن الأديب

نعرض الآن لجانب غير معروف كثيرًا عنه وهو إبداعه النثري المتميز. لألن أربع مجموعات قصصية هي بترتيب نشرها: Getting Even، 1971Without Feathers، 1975 Side Effects، 1980 و Mere Anarchy، 2007، بالإضافة إلى مذكراته التي تحمل عنوان Apropos of Nothing في عام 2020. وبجانب هذه الكتب هناك كتاب رقمي يضم نصوص ألن من فقرات الستاند أب كوميدي التي صدرت في ألبومين صوتيين.

كنموذج بارز لأعمال ألن القصصية ننشر هنا نص قصته حكاية كوجيلماس (بعد أن قمت بترجمتها)، التي تكشف عن خصائص نثره الذي يجمع بين الكوميديا الصاخبة والثقافة الواسعة والتحرر على مستوى الشكل والأسلوب، وبالطبع ميله الطبيعي للتفكيك و اللعب والتناص والسخرية ما بعد الحداثية.

نُشرت حكاية كوجيلماس لأول مرة في مجلة New Yorker في 2 مايو/أيار 1977، وهو العام نفسه الذي حصل فيه على أول جائزة أوسكار في حياته عن فيلم آني هول. وفي العام التالي حصل على أول جائزة أدبية في حياته وهي جائزة أو. هنري المرموقة عنها كأفضل قصة قصيرة، ونُشرت القصة في العام نفسه ضمن كتاب ضم مجموعته القصصية Side Effects.

منذ نشرها تعد القصة عملًا أدبيًا فريدًا، وكُتب عنها عشرات المقالات وذكرت في عشرات الأبحاث، وأعيد نشرها ضمن مجموعات منها: موسوعة Fierce Pajamas: An Anthology of Humor Writing from The New Yorker المنشورة في عام 2003.

ومن أحدث الأوراق البحثية التي كتبت عن القصة ورقة كتبتها لوري شامبيون تتناولها من منظور النقد التفكيكي، وبالتحديد ما يُطلق عليه استجابة القارئ، التي ترى أن النص الأدبي عمل مفتوح للقراء لتأويله أو العيش فيه كما يرغبون، وهي الاستعارة التي يحولها خيال ألن إلى واقع في القصة، حيث يدخل البطل إلى عالم رواية مدام بوفاري للأديب الفرنسي جوستاف فلوبير.

حكاية كوجيلماس

كوجيلماس أستاذ في العلوم الانسانية بكلية سيتي، متزوج وغير سعيد للمرة الثانية. زوجته دافني كوجيلماس هبلاء، وهو أب لولدين مملين من زوجته الأولى فلو، غارق لأذنيه في مشاكل النفقة ورعاية الأبناء.

لو كنت أعلم فقط أن الأمر سيسوء إلى هذا الحد؟ هكذا شكا كوجيلماس لمحلله النفسي ذات يوم: دافني كانت امرأة واعدة. من كان يتصور أنها ستترك نفسها تنتفخ مثل كرة الشاطئ؟ وفوق ذلك كانت ثرية، وهو سبب لا يكفي في حد ذاته لإقناع المرء بالزواج، لكنه أمر لا يضر أيضًا، خاصة عندما تضع في الاعتبار الأزمة المالية الشديدة التي كنت أمر بها. هل تفهم وجهة نظري؟

لكوجيلماس رأس أصلع وجسده مشعر مثل غوريلا، ولكن كان لديه قلب. وقد واصل الشكوى لطبيبه "أحتاج إلى التعرف على امرأة جديدة. أحتاج إلى علاقة عاطفية. ربما لا أبدو كذلك، ولكنني رجل رومانسي. أحتاج إلى النعومة، أحتاج إلى الغزل. العمر لا يعود للوراء، لذلك أريد قبل فوات الأوان أن أمارس الحب في فينيسيا، أستمتع بالثرثرة مع فتاة جميلة في مطعم [1]21، وأتبادل معها النظرات الحانية أثناء احتساء النبيذ الأحمر على ضوء الشموع. هل تفهم وجهة نظري"؟.

أدار الدكتور ماندل مقعده وقال "العلاقة العاطفية لن تحل شيئا. أنت إنسان غير واقعي، مشاكلك أعمق من هذا..".

كان كوجيلماس يواصل:

  • لكن هذه العلاقة يجب أن تظل سرية. لا أستطيع أن أتدبر طلاقًا آخر. دافني يمكن أن تخرب بيتي.
  • يا سيد كوجيلماس.
  • أيضًا لا يمكن أن تكون امرأة من كلية سيتي، لأن دافني تعمل هناك. ليس لأن اللواتي يعملن هناك جميلات، ولكن بعض الطالبات... .
  • يا سيد كوجيلماس.
  • ساعدني. لقد حلمت بالأمس أنني أجتاز مرجًا حاملًا سلة مكتوب عليها الاختيارات، وعندئذ لاحظت أن السلة مثقوبة.
  • يا سيد كوجيلماس، أسوأ شيء هو إخراج مشاعرك هذه للعلن. عليك ببساطة أن تعبر عنها هنا، وأن نقوم بتحليلها معا. أنت تتلقى العلاج منذ زمن كاف لأن تعلم أنه لا يوجد شفاء سريع. في النهاية أنا مجرد محلل نفسي، ولست ساحرًا.
  • إذن ربما أكون بحاجة إلى ساحر.. .

أنهى كوجيلماس حديثه وهو ينهض عن كرسيه، وقد اتخذ قرارًا بالإقلاع عن متابعة العلاج النفسي.

بعد حوالي أسبوعين، بينما كان هو ودافني يهيمان في منزلهما بلا هدف مثل قطعتين من الأثاث القديم، دق جرس الهاتف. توجه كوجيلماس نحو الهاتف، قائلًا:

  • سوف أجيب...آالوو.

سمع صوتًا يقول:

  • كوجيلماس؟ أنا بيرسكي.
  • من؟
  • بيرسكي، أم أقول العظيم بيرسكي؟
  • أفندم؟
  • لقد سمعت أنك تجوب أنحاء المدينة بحثًا عن ساحر يعيد إلى حياتك بعض الإثارة؟ نعم أم لا؟

خفض كوجيلماس صوته وهمس:

  • شششه...لا تغلق الخط. من أين تتصل يا بيرسكي؟

في عصر اليوم التالي، كان كوجيلماس يتسلق ثلاثة طوابق من سلالم مبنى قديم متهالك في حي بوشويك في بروكلين، ويحدق في ظلام البهو بحثًا عن مكان جرس الباب، ويضغط الزر وهو يردد لنفسه: أعلم أنني سأندم على ذلك.

مرت ثوان، قبل أن يخرج لاستقباله رجل قصير نحيف، شمعي اللون.

  • هل أنت بيرسكي العظيم؟
  • العظيم بيرسكي. تفضل. هل ترغب في كوب من الشاي؟
  • لا. أنا أرغب في بعض الرومانسية، الموسيقى، الحب، الجمال.
  • ولكن لا ترغب في الشاي. غريبة جدًا. حسنًا، تفضل بالجلوس.

ذهب بيرسكي إلى الحجرة الخلفية، وسمع كوجيلماس أصوات صناديق وقطع أثاث تتحرك من موضعها، وعاد بيرسكي وهو يدفع أمامه جهازًا فوق عجلات تئز. رفع بعض المناديل الحريرية البالية من فوق الجهاز ونفخ بعض التراب. كان عبارة عن خزانة صينية رخيصة سيئة الطلاء. قال كوجيلماس:

  • بيرسكي، أية حيلة تنوي تدبيرها؟
  • انتبه. هذه الخزانة ذات تأثير هائل. لقد ابتكرتها من أجل موعد مع جماعة فرسان بيثياس[2] العام الماضي، لكن الحجز لم يتم. ادخل.

(2)

  • لماذا؟ حتى يمكنك أن تملأها طعنا بالسيوف؟
  • هل ترى أية سيوف حولك؟

لوى كوجيلماس وجهه، وصعد للخزانة مصدرًا صوتًا كالخوار. لم يسطع منع نفسه من ملاحظة قطعتين من الحلي ملصقتين على الخشب أمام وجهه مباشرة، وقال:

  • لو أن هذه مزحة.. .
  • هي مزحة بطريقة ما. الآن، إليك الخلاصة. لو قمت بإلقاء أي رواية داخل الخزانة معك، وأغلقت الأبواب، وطرقت عليها ثلاث مرات، فسوف تجد نفسك داخل الكتاب.

رسم كوجيلماس على وجهه تعبيرًا ينم عن عدم التصديق، وقال بيرسكي:

  • إنها الحقيقة المقدسة. أقسم بالله. و ليس الروايات فقط. قصة قصيرة، مسرحية، قصيدة. يمكنك أن تلتقي بأي امرأة من بنات أفكار كبار الأدباء، أيًا من تحلم بها. ويمكنك حتى أن تنام مع أي واحدة منهن، وعندما تنال كفايتك اعطني صيحة، وسوف أعيدك إلى هنا في جزء من الثانية.
  • بيرسكي، هل أنت مختل؟
  • قلت لك أن الأمر حقيقي.

لكن كوجيلماس ظل متشككًا:

  • ماذا تقول، إن هذا الصندوق منزلي الصنع الرخيص يمكنه أن يأخذني عبر رحلة مثل التي تصفها.
  • في مقابل ورقتين من فئة العشر دولارات.

سحب كوجيلماس محفظته وأخرج بعض الورقات المالية، وقال:

  • سأصدق هذا عندما أراه بعيني

دس بيرسكي النقود في جيب بنطاله واستدار نحو المكتبة، قائلا:

  • هه من التي ترغب في لقياها؟ الأخت كاري؟ هيستر بيرن؟ أوفيليا؟ أو ربما واحدة من بطلات سول بيلو؟ هه، ما رأيك في تمبل داركه؟ بالرغم من أنها ستكون متعبة جدا لرجل في سنك؟
  • فرنسية، أريد إقامة علاقة مع عشيقة فرنسية.
  • نانا؟
  • لا، لا أريد واحدة أضطر لأن أدفع لها.
  • ما رأيك في ناتاشا الحرب والسلام؟
  • قلت لك فرنسية. آه عرفت، ما رأيك في إيما بطلة رواية مدام بوفاري، تبدو مثالية بالنسبة لي.
  • هي لك يا كوجيلماس. أعطني صيحة عندما تنال كفايتك.

قام بيرسكي بالقاء نسخة من رواية فلوبير في الهواء، وبينما كان كوجيلماس يغلق أبواب الخزانة سأله كوجيلماس:

  • هل أنت متأكد أن العملية آمنة؟
  • آمنة؟ هل هناك أي شيء آمن في هذا العالم المجنون؟

دق بيرسكي على الخزانة ثلاث مرات، وحينئذ انفتحت الأبواب على مصرعيها. اختفى بيرسكي. وفي اللحظة ذاتها وجد نفسه في حجرة نوم شارل وإيما بوفاري في منزلهما بيونفيل. وأمامه تقف امرأة جميلة بمفردها، ظهرها نحوه بينما تقوم بطي بعض الملاءات. فكر كوجيلماس: لا يمكنني تصديق هذا، وهو يحدق في زوجة الطبيب الفاتنة. هذا شيء غريب. أنا هنا في بيتها، إنها هي.

التفتت إيما في دهشة، وقالت:

  • يا الله، لقد أخفتني. من أنت؟

كانت تتحدث باللغة الفصحى التي صيغت بها الرواية في ترجمتها الإنجليزية. فكر كوجيلماس في أن ما يحدث شيء مذهل. ثم انتبه إلى المرأة التي تتحدث معه، وقال:

  • معذرة. أنا سيدني كوجيلماس، من كلية سيتي. أستاذ في الإنسانيات. ما الذي أقوله؟ سيتي كوليدج، نيويورك؟، أعلى المدينة لا الولاية؟ أين أنا، آوه ياللعجب.. .

ابتسمت إيما بوفاري بإغراء، وقالت:

  • هل ترغب في شرب شيء؟ كأس نبيذ، ربما؟

فكر كوجيلماس، كم هي جميلة. يا للفارق بينها وامرأة عصر الكهف التي تشاركه الفراش. شعر برغبة مفاجئة في ضم هذه الرؤية المباركة بين ذراعيه وإخبارها أنها نموذج للمرأة التي كان يحلم بها طوال حياته. وأخيرًا قال بصوت متحشرج:

  • نعم، بعض النبيذ. أبيض، لا، أحمر، لا، أبيض، خليه أبيض.

قالت بصوت يمتلئ بالإيحاءات:

  • شارل ليس في البيت اليوم.

بعد احتساء النبيذ ذهب الاثنان في جولة في الريف الفرنسي الجميل. قالت إيما وهي تمسك بيده:

  • كنت أحلم دوما أن يظهر في حياتي غريب غامض وينقذني من رتابة هذا الوجود الريفي البليد.

كانا يمران بكنيسة صغيرة عندما استطردت بنعومة:

  • أحب ملابسك. لم أر شيئا مثل هذا من قبل. أنه شديد...شديد العصرية.

قال كوجيلماس برقة:

  • هذه بدلة كاجوال. كان عليها تخفيض.

فجأة قام بتقبيلها. وعلى مدار الساعة التالية جلسا باسترخاء تحت إحدى الأشجار يتهامسان ويخبر كل منهما الآخر بأشياء عميقة بنظرات العيون. ثم قام كوجيلماس فجأة، متذكرًا أن لديه موعدًا مع دافني في مركز بلومينجدال التجاري، وقال:

  • يجب أن أذهب الآن، لكن لا تقلقي، سوف أعود.

احتضنها بقوة، وتمشى الاثنان عائدين إلى البيت. أمسك بوجهها بين كفيه وقبلها مرة أخرى، ثم صاح "حسنا يا بيرسكي، يجب أن أذهب إلى بلومينجدال في الثالثة والنصف".

سمع صوت خبطة، وبعدها وجد كوجيلماس نفسه في بروكلين.

  • هه؟ هل كذبت عليك؟

استقبله بيرسكي بانتصار، لكن كوجيلماس أجابه باقتضاب:

  • أنظر يا بيرسكي، أنا متأخر الآن على موعدي مع زنزانة حياتي في مطعم ليكسينتون. لكن أخبرني متى يمكنني الذهاب ثانية؟ هل الغد مناسب؟
  • تحت أمرك، ولكن تذكر أن تحضر معك عشرين دولارًا، وألا تخبر أي أحد عما حدث.
  • آه، سوف أتصل بروبرت مردوخ.

أشار كوجيلماس لتاكسي وسارع بالذهاب إلى وسط المدينة. كان قلبه يرقص من الفرح "أنا أحب، أنا أملك أروع سر في العالم". لكن ما لم يدركه هو أن العديد من من طلبة الأدب في العديد من كليات ومدارس البلد كانوا يسألون أساتذتهم في هذه اللحظة "من هذه الشخصية التي ظهرت في صفحة 100 من الرواية؟ هذا اليهودي الأصلع الذي يقبل مدام بوفاري؟".

أحد الأساتذة بكلية سيوكس فولز، في جنوب داكوتا، تنهد وهو يفكر "يا إلهي، هذه المخدرات التي يتعاطونها. ما الذي يدور في عقول هؤلاء الطلبة".

كانت دافني كوجيلماس في قسم أدوات التجميل في بلومينجدال عندما وصل كوجيلماس لاهث الأنفاس، فصرخت في وجهه:

  • أين كنت؟ الساعة الرابعة والنصف.
  • كنت عالقًا في الزحام.

في اليوم التالي قام كوجيلماس بزيارة بيرسكي، وخلال دقائق كان قد عبر الممر السحري إلى مدينة يونفيل. لم تستطع إيما أن تخفي حماسها لرؤيته ثانية. وقضى الاثنان ساعات في الضحك والثرثرة حول حياتيهما المختلفتين. وقبل أن يرحل كوجيلماس مارسا الحب. كان كوجيلماس يردد لنفسه "يا إلهي أنا أضاجع مدام بوفاري. أنا الفاشل الذي لم يستطع عبور امتحان الإنجليزية بالصف الأول الثانوي".

خلال الشهور التالية قام كوجيلماس بزيارة بيرسكي كثيرًا، ونمى علاقته العاطفية الحميمة مع إيما بوفاري. ذات يوم قال كوجيلماس للساحر:

  • كن حذرًا وراعي دائما أن تدخلني الكتاب قبل صفحة 120، يجب أن ألتقي إيما قبل أن تتعلق بشخصية رودلف.
  • لماذا؟ ألا تستطيع أن تتغلب عليه؟
  • إنه من طبقة الإقطاعيين. لا عمل لهم سوى المغازلة وركوب الخيل. بالنسبة لي هو مجرد واحد من الوجوه التي يمكن أن تراها في صحيفة الموضة Women's Wear Daily ، بشعره المصفف على طريقة الممثل هيلموت بيرجر. لكنه بالنسبة لها فتى أحلام.
  • وزوجها؟ ألا يشك في شيء؟
  • ياله رجل ضحل. طبيب فاشل ارتبط بامرأة تعشق الرقص، ينام قبل العاشرة عندما تكون على وشك ارتداء حذاء الرقص. أوه حسنًا، أراك لاحقًا.

مرة أخرى دخل كوجيلماس الخزانة ومر كالضوء إلى عزبة آل بوفاري في يونفيل.

  • كيف حالك يا كعكتي؟

بادر إيما، فتنهدت:

  • أوه يا كوجيلماس، ماذا أفعل بك؟ بالأمس أثناء العشاء سقط السيد شخصيًا في النوم أثناء تناول طبق الحلو. كنت أحلم برقص الباليه في مطعم ماكسيم في باريس عندما سمعت فجأة صوت شخير.
  • لا تهتمي يا عزيزتي، أنا هنا الآن.

احتضنها، وهو يفكر، "أنا أستحقها"، شم عطرها الفرنسي وهو يدفن أنفه في شعرها "لقد عانيت بما فيه الكفاية، ودفعت أموالًا طائلة للمحللين النفسيين، لقد بحثت حتى هرمت من أجل هذه اللحظة. إنها شابة وفاتنة، وها أنا هنا بعد صفحات معدودة من ليون وقبل رودلف مباشرة. إن ظهوري في الوقت المناسب بين فصول الرواية يجعل الموقف لصالحي".

كان من الواضح أن إيما لا تقل سعادة عن كوجيلماس. كانت تتحرق شوقا للإثارة، وقد أثارت حكاياته عن حياة الليل في برودواي، والسيارات السريعة، ونجوم هوليوود، والتليفزيون، حماس الفرنسية الجميلة أيما حماس. قالت له وهما يمران أمام كنيسة أبي بورنيزين:

  • أخبرني مرة أخرى عن أو جي سيمبسون[3].
  • ماذا أقول لك؟ أنه عظيم. لقد حطم كل الأرقام القياسية. حركاته رائعة. لا يمكن لأحد أن يمسك به.

سألت إيما بلوعة:

  • وجوائز الأوسكار، كم أتمنى أن أفوز بواحدة.
  • يجب أن تُرشحي أولًا.
  • أعلم هذا. لقد شرحت لي. ولكنني متأكدة أنني أستطيع التمثيل. ربما أحتاج إلى تلقي بعض الدروس. عند ستراسبرج ربما. عندئذ لو أصبح لدي وكيل أعمال مناسب.
  • سنرى، سنرى. سوف أسأل بيرسكي.

هذه الليلة، عندما عاد بأمان إلى شقة بيرسكي، طرح كوجيلماس على الساحر فكرة احضار إيما لزيارة المدينة الكبيرة.أجابه بيرسكي:

  • دعني أفكر في الأمر. ربما أستطيع تدبير ذلك. أشياء أغرب من هذا قد حدثت.
  • لكن أحدًا منهما لم يستطع تذكر شيئًا أغرب.

"أين تذهب طوال الوقت بحق الجحيم"؟ نبحت السيدة دافني كوجيلماس في وجه زوجها بمجرد عودته للمنزل متأخرًا هذه الليلة، واستطردت:

  • هل لديك عشيقة سرية في مكان ما؟

أجاب كوجيلماس بتوتر:

  • نعم، بالتأكيد، فأنا من هذا النوع. لقد كنت مع ليونارد بوبكين نتناقش حول أساليب الزراعة الاشتراكية في بولندا. إنه مجنون بهذا الموضوع كما تعلمين.
  • حسنًا، لكنك تتصرف بغرابة منذ فترة. شارد الذهن طوال الوقت. على أية حال إياك أن تنسى عيد ميلاد أبي يوم الأحد القادم.

أجابها كوجيلماس وهو يسرع نحو الحمام:

  • أوه بالتأكيد، طبعًا.
  • عائلتي كلها ستكون هناك. سوف نرى التوأم، وابن عمي هاميش. ينبغي أن تكون أكثر أدبًا مع هاميش، أنه يحبك.
  • نعم، التوأم.

قالها وهو يغلق باب الحمام، كاتمًا صوت زوجته. استند بيديه على الباب وأخذ نفسًا عميقًا، وقال لنفسه إنه خلال ساعات معدودة سيعود إلى يونفيل من جديد، إلى محبوبته. وهذه المرة، لو سارت الأمور جيدًا، سوف يعود بصحبة إيما.

في الثالثة والربع من عصر اليوم التالي قام بيرسكي بحيلته السحرية من جديد. ظهر كوجيلماس أمام إيما، مبتسمًا ومتشوقًا. قضى الاثنان ساعتين في يونفيل مع شخصية بيني ثم استقلا عربة الجياد. ووفقًا لتعليمات بيرسكي احتضنا بعضهما بقوة، أغلقا عيونهما، وقاما بالعد حتى عشرة. عندما فتحا عيونهما ثانيةً، كانت عربة الجياد تتهادى أمام فندق بلازا، حيث قام كوجيلماس المتفاءل بحجز جناح لهما صباح ذلك اليوم.

ياللروعة. هنا كل شيء حلمت به. قالت إيما وهي تتجول مبتهجة داخل الغرفة، تطلعت نحو المدينة عبر النافذة واستطردت:

  • هذا محل لعب ف.أ.و. شوارتز، وهذا منتزه سنترال بارك، أي هذين الفندقين هو شيري؟ أوه، نعم رأيته، إنه يخبل العقل.

على السرير كانت توجد بعض الصناديق التي تحمل اسم محلات هالستون وسان لوران. فتحت إيما إحداهم لتجد زوجا من الألبسة الداخلية قرمزية اللون على مقاس جسدها المثالي.

قال كوجيلماس:

  • هذه السترة والبنطال من رودلف فالنتينو، سوف تبدين مثل مليون دولار وأنتي ترتديهما. تعالي يا سكرتي، اعطني قبلة.

همست إيما وهي تتأمل نفسها في المرآة:

  • لم أشعر أبدًا بمثل هذه السعادة. دعنا نخرج إلى المدينة ونستمتع بمباهجها. أريد مشاهدة عرض صف الكورس في برودواي ومتحف جوجينهايم، وشخصية جاك نيكلسون هذه التي تحكي لي عنها دائمًا. هل يعرض أي من أفلامه حاليا؟

في ذلك الوقت كان هناك بروفيسور من جامعة ستانفورد يقول "لا يمكنني أن أفهم ما يحدث. في البداية ظهرت شخصية غريبة اسمها كوجيلماس، والآن اختفت إيما من الكتاب. حسنًا، أعتقد أن أهم ما يميز الأعمال الأدبية العظيمة هو أنه يمكنك أن تعيد قراءتها ألف مرة، وفي كل مرة تكتشف شيئًا جديدًا".

قضى العاشقان نهاية أسبوع هانئةً. كان كوجيلماس قد أخبر دافني إنه مسافر إلى بوسطن لحضور أحد المؤتمرات وأنه سيعود يوم الاثنين. كانا ينهلان من كل لحظة يمران بها، ذهبا إلى السينما، وتناولا العشاء في الحي الصيني، قضيا ساعتين في ديسكوتيك، وناما وهما يشاهدان فيلما في التليفزيون. واستيقظا عند الظهيرة يوم الأحد ليزورا حي سوهو، حدقا في وجوه المشاهير الذين يجلسون في مطعم إيلين. وتناولا الكافيار والشامبانيا في جناحهما ليلة الأحد وظلا يتحدثان حتى الفجر.

في الصباح التالي، وهما يستقلان التاكسي ليذهبا إلى شقة بيرسكي فكر كوجيلماس أن ما حدث كان سريعًا للغاية، ولكن يستحق. "لا يمكنني بالطبع أن أحضرها إلى هنا كثيرًا، ولكن من حين لآخر سيكون الأمر تغييرًا جذابًا عن يونفيل".

في شقة بيرسكي صعدت إيما إلى الخزانة، ولفت صناديق ملابسها الجديدة حول جسمها بقوة، وقبلت كوجيلماس بشغف وهي تقول غامزة:

  • المرة القادمة عندي.

دق بيرسكي على الخزانة ثلاث مرات. ولم يحدث أي شئ. هرش بيرسكي رأسه وهو يهمهم، ودق ثانية، لكن السحر تمنع. تمتم بيرسكي:

  • لابد أن هناك خطأ ما.

صاح كوجيلماس:

  • بيرسكي، هل تمزح؟ كيف يمكن أن يحدث ذلك؟
  • اهدأ، اهدأ. هل لا تزالين في الصندوق يا إيما
  • نعم

دق بيرسكي مرة أخرى، بقوة أكبر هذه المرة.

  • لا أزال هنا يا بيرسكي.
  • أعلم يا عزيزتي. اجلسي جيدا.

همس كوجيلماس:

  • بيرسكي، يجب أن نعيدها. أنا رجل متزوج. ولدي محاضرة بعد ثلاث ساعات. لست مستعدًا لأكثر من علاقة سرية الآن.

تمتم بيرسكي الذي بدا عاجزًا عن عمل أي شيء:

  • لا أعرف ماذا حدث. إنها حيلة صغيرة مجربة. يبدو أن الأمر يحتاج إلى بعض الوقت. يجب أن أفك الجهاز. سأتصل بك لاحقًا.

قام كوجيلماس بسحب إيما داخل سيارة أجرة، وعاد بها إلى فندق بلازا. بالكاد لحق محاضرته، وقضى اليوم كله على الهاتف يتحدث مع بيرسكي وخليلته. أخبره الساحر أن معرفة العيب الذي لحق بالجهاز قد تستغرق أيامًا. وفي تلك الليلة سألته دافني:

  • كيف سار المؤتمر؟

أجاب وهو يشعل السيجارة من ناحية الفلتر:

  • بشكل جيد، بشكل جيد.
  • ما الأمر؟ أنت متوتر مثل قطة؟
  • أنا؟ هها، شئ مضحك. أنا أهدأ من ليلة صيف. كل ما هناك أنني سأذهب للتمشية.

أزاح الباب ونادى على تاكسي، وطار نحو البلازا. قالت إيما بمجرد رؤيته:

  • هذا ليس جيدا. شارل سوف يفتقدني.

كان شاحبًا ومتعرقًا وهو يجيبها:

  • اصبري قليلا يا حلوتي.

قبلها ثانية، وجري نحو المصعد ليصرخ في أذني بيرسكي عبرهاتف عمومي في بهو الفندق، ويسرع للعودة إلى البيت قبل منتصف الليل مباشرة. قال لدافني، وهو يبتسم بوهن أثناء صعوده إلى الفراش بجوارها "وفقًا لكلام بوبكين، فإن الأسعار في بولندا لم تكن بمثل هذا الاستقرار منذ 1971".

مر الأسبوع كله على هذا المنوال. وفي ليلة الجمعة أخبر دافني أن هناك مؤتمرًا آخر يجب أن يحضره، هذه المرة في جامعة سيراكوز. سارع بالعودة إلى الفندق، لكن عطلة نهاية الأسبوع هذه المرة لم تكن تشبه عطلة الأسبوع السابق في شيء. قالت إيما لكوجيلماس:

  • إما أن تعيدني إلى الكتاب الذي جئت منه أو تتزوجني. كما إنني أريد أن أعمل أو أدرس شيئًا، لأن مشاهدة التليفزيون طوال اليوم هي أسوأ شيء في العالم.
  • حسنا، يمكننا الاستفادة بالمال في شيء آخر. أنت تنفقين وزنك مرتين على خدمة الغرف.
  • لقد التقيت بالأمس منتجًا من برودواي في حديقة سنترال بارك، وقال إنني قد أكون مناسبة لمشروع مسرحية يقوم بتحضيره.
  • من هو هذا البهلوان؟
  • ليس بهلوانًا. إنه شخص حساس وطيب ولطيف. اسمه جيف فلان أو علان، وهو مرشح لإحدى جوائز توني.

في وقت لاحق من عصر هذا اليوم ظهر كوجيلماس سكرانًا في بيت بيرسكي، الذي قال له:

  • اهدأ، ستصاب بأزمة قلبية.
  • كيف أهدأ. الرجل يقول لي اهدأ، وأنا عندي شخصية خيالية محشورة في غرفة فندق، وأعتقد أن زوجتي كلفت متحريًا خاصًا يقوم بمراقبتي.
  • حسنًا، حسنًا. نعلم أن هناك مشكلة.

كان بيرسكي يرقد تحت الخزانة ويدق شيئًا ما بمفتاح ربط ضخم. واصل كوجيلماس:

  • أنا مثل حيوان بري، أتسحب عبر المدينة متخفيًا، وأنا وإيما نلنا كفايتنا من بعضنا. ناهيك عن فاتورة الفندق التي تجاوزت ميزانية وزارة الدفاع.
  • طيب ماذا أفعل؟ هذا هو عالم السحر. أي تفصيلة مختلفة تفرق.
  • تفصيلة مختلفة؟ على قفاي. أنا أسقي هذه الفأر الصغيرة نبيذًا فاخرًا وأطعمها كافيارا، زائد الملابس، زائد أنها سجلت اسمها في مسرح نيبرهوود وتريد صورًا احترافية. وفوق ذلك، يا بيرسكي، فإن أستاذ الأدب المقارن فيفيش كوبكيند الذي يغار مني طوال حياته، اكتشف أنني الشخصية المتقطعة التي تظهر في كتاب فلوبير. ويهددني بإخبار دافني. أنا أواجه الخراب والنفقة، والسجن بتهمة الزنا مع مدام بوفاري، وزوجتي ستحولني إلى شحاذ.
  • ماذا تريد أن أقول؟ أنا أعمل ليلًا ونهارًا. أما بالنسبة لمخاوفك فلا يمكنني عمل شئ. أنا ساحر ولست محللًا نفسيًا.

على عصر يوم الأحد، كانت إيما قد أغلقت على نفسها باب الحمام ورفضت الرد على نداءات كوجيلماس. تطلع كوجيلماس عبر النافذة إلى محل وولمان رينك وفكر في الانتحار "من سوء الحظ أن الطابق الذي نقيم فيه ليس مرتفعًا بالقدر الكافي، وإلا كنت انتحرت الآن. ربما لو هربت إلى أوروبا وبدأت حياة جديدة، ربما يمكنني أن أعمل كبائع جرائد، مثل هؤلاء الفتيات اللواتي يبعن صحيفة الهيرالد تريبيون".

دق جرس الهاتف.رد كوجيلماس بشكل آلي، وسمع صوت بيرسكي:

  • احضرها فورًا، أعتقد أنني اكتشفت العيب.

تسارعت دقات قلب كوجيلماس:

  • هل أنت جاد؟ هل أصلحت الماكينة؟
  • سبب المشكلة كان شيئًا له علاقة بطريقة الانتقال. هل تصدق؟
  • بيرسكي..أنت عبقري. سنكون عندك في أقل من دقيقة.

مرة أخرى هرع الحبيبان إلى شقة الساحر، ومرة أخرى دخلت إيما الخزانة حاملة صناديق ملابسها. ولكن هذه المرة لم يكن هناك قبلات. أغلق بيرسكي الأبواب، وتنفس بعمق ودق ثلاث مرات. صدر عن الجهاز ذلك الصوت المطمئن، وعندما فتش كوجيلماس الخزانة، كانت خاوية. لقد عادت مدام بوفاري إلى روايتها. تنهد كوجيلماس تنهيدة ارتياح هائلة وصافح الساحر بحرارة وهو يرج يده.

  • انتهى الأمر. لقد تعلمت درسا لن أنساه. لن أخون زوجتي أبدًا.

قام كوجيلماس برج يد بيرسكي مرة أخرى، وسجل ملحوظة في رأسه بضرورة أن يرسل للساحر ربطة عنق هدية.

بعد مرور ثلاثة أسابيع، مع نهاية الربيع الجميل، دق جرس باب بيرسكي. كان كوجيلماس يحمل على وجهه تعبيرًا مبتذلًا. بادره بيرسكي:

  • حسنا يا كوجيلماس، إلى أين هذه المرة؟
  • هذه آخر مرة. الطقس رائع، والعمر لا يعود للوراء. اسمعني، هل قرأت رواية شكوى بورتنوي لفيليب روث؟ هل تتذكر شخصية القردة؟
  • السعر الآن أصبح خمسة وعشرين دولارًا، تكاليف المعيشة ارتفعت، ولكنني سأبدأمعك بمرة مجانية، بسبب كل المتاعب التي سببتها لك.

أنت رجل طيب. قال كوجيلماس وهو يصفف الشعرات القليلة المتبقية فوق رأسه، ودخل الخزانة مرة أخرى مستطردا:

  • هل ستنجح العملية، أليس كذلك؟
  • آمل ذلك، ولكني لم أجربها منذ المشاكل التي حدثت آخر مرة.

قال كوجيلماس من داخل الخزانة:

  • الجنس والرومانسية، هما ما يجعلاننا نشقى بحثًا عن امرأة جميلة.

ألقى بيرسكي بنسخة من شكوى بورتنوي ودق ثلاث مرات على الصندوق. لكن هذه المرة، بدلًا من سماع صوت فرقعة، كان هناك صوت انفجار بطئ تبعته أصوات وابل من الشرارات. قفز بيرسكي للخلف من الخضة، وأصابته أزمة قلبية، وسقط ميتا. أما الخزانة فقد اشتعلت فيها النيران التي امتدت وأحرقت المنزل كله.

كوجيلماس الذي لم يكن لديه فكرة عن هذه الكارثة، كان يعاني من مشاكل أخرى، فهو لم يدخل رواية شكوى بورتنوي، ولا أي رواية أخرى، ولكن وجد نفسه داخل كتاب قديم بعنوان الاسبانية للمبتدئين، وكان يجري هربًا بحياته وسط أرض صخرية قاحلة، حيث كان فعل tener الإسباني، الذي يعني يملك، وهو فعل شاذ ضخم يمتلئ جسده بالشعر وله قدمان طويلتان نحيفتان، يطارده بلا هوادة.


[1]21 Club أو 21 اختصارا، اسم مطعم شهير عريق في نيويورك.

[2] Knights of Pythias منظمة أخوية، من أقدم الجمعيات الخيرية الأمريكية، يصل عددها إلى عشرات الآلاف في العالم كما هو واضح هذه أسماء بطلات بعض الروايات والمسرحيات الغربية الشهيرة.

[3]أو جي سمبسون (1947) لاعب كرة قدم أمريكي من اصل إفريقي، عرف بمهاراته الفذة، وبعد كتابة قصة وودي ألين بعقود أعتقل بتهمة قتل زوجته في واحدة من أشهر قضايا المحاكم الأمريكية.