تصميم: هشام عبد الحميد- المنصة

الجمهورية الموازية: الميكروباص بوصفه علامة

طموح المدينة الحقيقي أن تكون قرية بكل ما يقتضيه هذا الطموح من حيث الحفاوة بالخضرة والميادين المفتوحة وأرصفة المشاة الواسعة ومسارات الدراجات. هذا الطموح يستحيل تحقيقه دون أن تكون هناك منظومة نقل عام تديرها الدولة بكفاءة وتفرض من خلالها عدالة استخدام الطريق، لذلك لم تتخل معظم دول العالم عن هذا الدور: الرأسمالية الديمقراطية قبل الاشتراكية القمعية.

تتجاوز وسائل النقل معناها المباشر لتصبح علامة تكشف عن نسق حضاري ثقافي ورؤية سياسية. شبكة النقل العام مثل العلم؛ علامة على وجود دولة. بل إن رمزيتها تتجاوز رمزية العلم لأنها تقول أكثر مما يقوله.

تشير شبكة النقل العام إلى حكومة لها وجودها في حياة الناس، تسيطر على الفضاء العام بالمعنى الحسن: معنى الرشاد، لأن شبكة النقل العام تقلل من التلوث بالحد من استخدام العربات الخاصة، وتقلل الزحام فتصون وقت الفرد وتقلل ساعات العمل المفقودة لصالح الاقتصاد القومي.

غياب هذه المنظومة أو ضعفها يكشف عن إدارة لا ترى في السكان مجتمعًا بل أجسادًا تعمل في خدمتها بأقل قدر ممكن من الرعاية، وعليهم أن يتدبروا انتقالهم إلى أعمالهم كما يتدبرون كل شيء آخر حياتهم.

في القلب من منظومة النقل العام بالمدن الكبرى يبرز الترام الذي كان اختراعه خبرًا سارّا؛ فهو غير ملوِّث للبيئة يضبط بحركته المنتظمة إيقاع الشارع، ويعمل فضاء عرباته عمل المقهى في التعارف والتآلف بين مستخدميه، بطيء قليلًا لكنه يصل أسرع بانتظامه في مساره. بلغت حفاوة بعض المدن بالترام أن جعلته لشبونة شعارها. عندما يتمتع الترام بمسار خاص من الحصى يمنح ركابه صلة بالطبيعة، يرون تغير النباتات والزهور البريًّة التي تنبت على طول المسار، بين القضبان وعلى جانبي السكة، يتنفسون في هذه التفاصيل تغير الفصول.

في كتابه كل المدن أحلام يصف جرجس شكري بإعجاب عجوزًا سويسرية تحمل الأكياس وتغادر الترام منحنية.

وجود العجائز في الفضاء العام دون مساعدة يلاحظه الكثيرون عندما يسافرون إلى أوروبا، ويُرجعون ذلك إلى حب الأوروبيين للحياة، لكن حنان الفضاء المنظم هو الذي يساعدهم على ذلك، والترام جزء من ذلك الحنان. ويمكننا ألا نذهب بعيدًا، ونقارن بين الإسكندرية والقاهرة، وسنلاحظ أن الترام يشجع المسنين على الخروج في الإسكندرية.

كانت المدينتان من أوائل دول العالم التي عرفت الترام، واستمر في تقديم خدماته فيهما إلى أن بدأ ارتباك القاهرة المروري، الذي لا ذنب للترام فيه، لكن الإدارة بدأت في إلغاء خطوطه واحدًا بعد الآخر، حتى اختفى تمامًا في تغييرات تشبه السرقة. في بعض الأحيان لم يجدوا الوقت لرفع الفولاذ من الشوارع فأخفوه تحت طبقة من الأسفلت.

لم يلعب الميكروباص غير الملتزم بأية قواعد مرورية دوره في نشر الفوضى والعنف فحسب، لكنه صار منصة بديلة لنشر التطرف.

أرادوا لتوكيلات بيع السيارات أن تزدهر، وكان من الممكن تحقيق هذا الهدف غير النبيل بدمج الترام مع بقية الوسائل في الشارع، كما يحدث في كل المدن العاقلة.

بالتزامن مع ذلك تركت الدولة الرخوة هيئة النقل العام تتداعى ليحل الميكروباص محل الترام والأتوبيس للمضطر الذي لم يمتلك سيارته الخاصة. بدأ استخدام الميكروباص في الستينيات، في منطقة الهرم، حيث كان مناسبًا للكثافة السكانية المحدودة في تلك الضاحية وقتها، لكنه لم يشكل ظاهرة في القاهرة والإسكندرية إلا في نهايات السبعينيات. وكان ذلك تعبيرًا عن رغبة النظام في الانسحاب من أدوار الرعاية، ليصبح الناس من ذلك التاريخ فصاعدًا سكانًا، لا مواطنين، ولا رعايا، عليهم تدبير تعليم أولادهم وعلاجهم والانتقال إلى أعمالهم بجهودهم الخاصة، دون الانتباه إلى عواقب ذلك من فوضى اقتصادية واجتماعية ودينية.

ولم يلعب الميكروباص غير الملتزم بأية قواعد مرورية دوره في نشر الفوضى والعنف فحسب، لكنه صار منصة بديلة لنشر التطرف. تُضيِّق الدولة على المتطرفين منافذ انتشارهم الثابتة في المسجد وملحقاته التي نشأت لتنهض بما انسحبت منه الدولة من خدمات الصحة والتعليم لكنها لم تستطع وقف بث تسجيلات الممنوعين في عربات الميكروباص. ولم تشعر الإدارة بغيرة على هيبتها طوال عقود بدت فيها عاجزة عن فرض سلطتها في دولة الميكروباص الموازية، لا من حيث إلزامهم بقواعد المرور ولا من حيث إلزامهم بالتسعيرة ولا إلزامهم بالصمت احترامًا للحياد الديني في الأماكن العامة.

كانت هذه الوسيلة أفضل تعبير عن مرحلة مبارك المتأخرة، حيث تغيب الدولة كحكم وإطار للألفة بين المواطنين بل تصبح سببًا للتكاره. ممثلوها في الشارع يقهرون السائقين ويثقلونهم ابتزازًا وإهانة يُصدِّرهما السائق إلى الركاب وإلى قادة المركبات المجاورة له في الشارع، في متوالية للتكاره لا تنتهي.

سواء كان من أطلق هذه الرثاثة قاصدًا أو لا، فإن استخدام المواطن للميكروباص مرة واحدة في اليوم يضمن انحناءه أربع مرات.

راكب السيارة الخاصة مُروع دائمًا بزامرات الميكروباص الباحثة عن زبائن طوال الطريق، ينتظر اللحظة التي سينعطف فيها الميكروباص ويتوقف أمامه فجأة لالتقاط راكب، وما إن ينحني الراكب ويجلس على كرسيه الصغير حتى يصبح في حكم المخطوف. يستمع إلى ما يبثه السائق من وعظ يروعه بيوم الحشر في بداية نهاره أو بأغان بذيئة صاخبة، ويدفع أكثر من التسعيرة، مروعًا بالوعظ وبالحركة السريعة والانعطافات الخاطفة والتوقف المفاجئ بسبب صراع السائق مع غيره على الزبائن في الطريق، وفي النهاية قد لا يصل إلى وجهته لأن السائق يقرر تغيير مساره أو إنهاء الرحلة قبل وجهتها النهائية فجأة لتفادي الزحام وإنجاز رحلات أكثر.

وسواء كان من أطلق هذه الرثاثة قاصدًا أو لا، فإن استخدام المواطن للميكروباص مرة واحدة في اليوم يضمن انحناءه أربع مرات: مرة عند الركوب، ومرة عند النزول ذهابًا ومثلهما إيابًا. وعندما يضطر المواطن إلى استخدام هذه الوسيلة لمسافة أكثر يزداد عدد مرات انحنائه في اليوم.

في نزاع مع سائقين قُتل اثنان من الكُتَّاب: محمد عبدالحليم عبدالله عام 1970 بأزمة قلبية إثر مشاجرة مع سائق في دمنهور، وفي عام 2009 قُتل توفيق عبد الرحمن عندما أبدى ملاحظة من سيارته على قيادة سائق الميكروباص، وما كان من الأخير إلا أن سدَّ عليه الطريق على كورنيش العجوزة، ونزل ليتشاجر مع الروائي، الذي اضطر للنزول من سيارته هو الآخر، وبعد ملاسنة قصيرة عاد السائق إلى الميكروباص وقفز إلى عجلة القيادة وتقهقر بسرعة ليسحق الروائي على الرصيف ثم أخذ في التقدم والتقهقر كالمجنون فوق جسد القتيل. لا يوجد إحصاء لقتلى بلطجة سائقي الميكروباص في المشاجرات معهم وفي حوادث القيادة المتهورة، لكن معدلات القتل المروري في مصر من بين الأعلى في العالم.

من البديهي ألا تظل معاني الميكروباص الثقافية والسياسية وقفًا على الشارع، فالإنسان الذي يقضي في فضاء الشارع العدائي ساعة أو أكثر لا يضغط زرًا لينسى ما قاساه وتعلمه في تلك الساعة، بل يدخل بكل ما مر به من عنف إلى مؤسسته ومصنعه وإلى عمارته السكنية وأولاده في البيت، حتى بدت المدينة ميكروباصًا طائشًا تتعاظم فيه قوى التكاره والإكراه، بل وتبادل السباب المجاني، والضيق والثورة لأتفه الأسباب. ومع كل ذلك تتعاظم المثابرة على وعظ الآخرين.

لا أحد تمكَّن من تقييد استخدام مكبرات الصوت في المساجد، وفي كل مكاتب لصوص الحكومة تجد تليفزيونًا مفتوحًا على وعظ أو تلاوة لا يستمع إليها من يبثها، بل يُشهرها مثل فزاعة في وجه رواد مكتبه تمامًا كسائق الميكروباص الذي يبث التلاوة والوعظ عنوة في سيارته بينما يمارس كل المخالفات.