تصميم: يوسف أيمن- المنصة

لا مكان "للزينة": لأن الشجرة غير المثمرة تقذف بالحجارة أحيانًا

على مدار أسابيع، يعيش محمد سليمان حالة من القلق خوفًا على مشتل نباتات الزينة الذي يعمل به على أحد الطرق الداخلية بمحافظة الغربية، ويتضمن حزمة متنوعة من النباتات.

سليمان، الذي يبلغ من العمر 50 سنة، لا يعرف مهنة أخرى سوى العمل في المشاتل وزراعة نباتات مختلفة الأنواع يحفظ أسماءها عن ظهر قلب، مثل الفیكس والبوتس والفیلودندرون والجارونیات، وغيرها، ولا يحمل العامل الذي حفر عمله بيديه شقوقًا هاتفًا ذكيًا، ولم يكمل حتى تعليمه الابتدائي، ولم يسمع بالجدل الدائر حول قرار منع زراعة نباتات الزينة على مواقع التواصل الاجتماعي، سوى من أبنائه الأربعة الذين لا يزال يعولهم، لكن لديه عشرات الأسئلة التي تدور في ذهنه، ويبادر بطرحها على كل من يقابله.

هذا الجدل أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي عندما أعلن أثناء افتتاح مشروعات قومية في صعيد مصر، نيته منع زراعة نباتات الزينة، قائلًا "مفيش زراعة تاني لنباتات زينة.. ما دام نقطة الميه اللي بنسخدمها صالحة لبناتات مثمرة، تبقى نباتات مثمرة".

لم تجتهد وزارة الزراعة في تفسير تصريحات الرئيس الذي اعتاد على توجيه رسائل مقتضبة للحكومة في الفعاليات التي يحضرها، على أن تتولى هي لاحقًا توضيحها، عبر قرارات أو بيانات رسمية أو حتى مداخلات بوسائل الإعلام المرئية.


لكن المتحدث الرسمي باسم الوزارة الدكتور محمد القرش، قال إن وزارته تقوم بجهود كبيرة في مجال نباتات الزينة والزهور حتى تظل مصر من الدول صاحبة الريادة في هذا القطاع.

وظل قطاع نباتات الزينة ينمو في كنف الاهتمام الحكومي، فمصر من أوائل الدول المنتجة والمصدرة لنباتات الزينة، كما ينظّم معرض سنوي لزهور الربيع، يعود إلى عهد السلطان حسين، تحت إشراف جمعية "فلاحة البساتين"، واُفتتح بشكل رسمي عام 1934.

تراجع مستمر

تكشف دراسة لمعهد بحوث الاقتصاد الزراعي عن تراجع مساحات نباتات الزينة باستمرار إذ بلغت 1195 فدانًا عام 2014 مقابل 1418 في 2013 ونحو 1623 فدانًا في 2012 و1913 فدانًا في 2011، و2822 فدانًا عام 2009.

يتساءل المزارع الخمسيني: هل يتعلق القرار الحكومي بالمشاتل التي تروى بمياه النيل فقط؟ وما مصير التي تُروى بالمياه الجوفية؟ وهل يشمل جميع نباتات الزينة أم أنواع منها؟ وهل يتضمن المشاتل أم شوارع المدن؟

بحسب الدكتور عادل الغندور، خبير نباتات الزينة ورئيس البحوث بمركز البحوث الزراعية سابقًا، تشمل نباتات الزينة ثلاثة أنواع رئيسية، أولها زهور القطف وإنتاجها المحلي قليل نسبيًا، نظرًا لاحتياجه إلى عمليات تبريد عالية، وتقوم مصر باستيراد معظمها من بعض الدول الأفريقية.

نباتات الزينة الخارجية هي النوع الثاني، وتُستخدم في عمليات تشجير الحدائق و"اللاندسكيب" الخاص بالمجمعات السكنية، وأصبحت من أساسيات تسعير الوحدات السكنية بقطاع الاستثمار العقاري، بل وجودها يدخل ضمن حساب الضريبة العقارية.

أما النوع الثالث، فهي نباتات الزينة الداخلية، وتستخدم بكثرة في كل ما له علاقة بالاستثمار السياحي،كالفنادق والمنتجعات السياحية، وداخل المنازل أيضًا.

فكرة صعبة التطبيق

المهندس الزراعي أحمد عامر، يرى في حديثه للمنصة أن فكرة منع زراعة أشجار الزينة لتحل محلها أخرى مثمرة، صعبة بالنسبة للشوارع التي تشهد ارتفاعًا في نسب التلوث، فلن تثمر الأشجار بشوارع تحيط بها عوادم السيارات من كل صوب، وإن أثمرت فناتجها ملوث لا يصلح للاستهلاك.

وبحسب وزارة الزراعة، فإن زراعة وتصدير طن واحد من الزهور يوفر حوالى 300 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، ما يجعل القطاع كثيف العمالة مقارنة بالحاصلات البستانية الأخرى.

فيما يقدّر عامر، وهو رئيس شركة للإنتاج الزراعي، أن عدد العاملين في القطاع يصل ما بين مليونين وثلاثة ملايين عامل بشكل مباشر وغير مباشر، بدءًا من الزراعة والنقل وتنفيذ التصميمات، وغيرها من الصناعات القائمة عليها.

يعرف المتخصصون أهمية تلك المحاصيل جيدًا حتى وزارة الزراعة ذاتها درست إنشاء بورصة للزهور والنباتات الطبية والعطرية قبل سنوات للتعرف على الأسواق العالمية واحتياجاتها وزيادة الصادرات، بالإضافة إلى تحديد الأسعار ودرجة الجودة.

عامر يضيف أنه لا يوجد معمار دون حدائق، ومصر لديها أكثر من عشرة آلاف صنف من نباتات الزينة، وأعمارها تعود لآلاف السنوات، ومن الصعب أن ينتهي هذا بين ليلة وضحاها.

يعتمد الجيل الجديد من المدن على الحدائق وهي عنصر رئيسي في التسويق، وبعض المطورين رفعوا نسبتها من إجمالي المساحة إلى 70%، وتلك المساحات الشاسعة ستتطلب المزيد من الزهور ونباتات الزينة والنجيل.

ولا تتطلب نباتات الزينة الري بمياه الشرب وحدها، فهناك حلول بديلة، إذ دشنت كثير من المدن الجديدة خطوطًا للمياه "العكرة" أو "المعالَجة"، والأولى بها نسبة من الكلور والشبة التي تستخدم في تنقية مياه الشرب داخل المحطات وحين يتم غسيل المرشحات بها تنتج مياه مخلوطة بالمواد العالقة، فلات تصبح صالحة للاستهلاك الآدمي، أما المياه المعالَجة فتنتج من تدوير مياه الصرف الصحي.

ووضعت وزارة الإسكان خطة للوصول إلى معالجة 100% لمياه الصرف بجميع أنواعها خلال 3 سنوات، وحينها ستكون مصر تملك نحو 700 محطة معالجة، بعد الانتهاء من تنفيذ 211 محطة جديدة.

زراعة الصغار

خبير نباتات الزينة والزهور، الدكتور عادل الغندور، يؤكد أن معظم الأراضي المزروعة بنباتات وأشجار الزينة، ترتكز بمحيط القاهرة الكبرى والإسكندرية، تتراوح مساحاتها ما بين 20 و30 ألف فدان.

نسبة 85% من تلك الأراضي، يسيطر عليها صغار المزارعين، بينما تسيطر الشركات الكبري على 2 إلى 3 آلاف فدان من جملة المساحة المزروعة بنباتات الزينة بمصر، بحسب الغندور، الذي يقول للمنصة إن نباتات الزينة تُروى بشكل أساسي من مياه النيل أو الآبار الجوفية بنسبة 100% بعكس الدول المنتجة الأخرى المشهورة بهذا النوع من الزراعات التي تروى الأغلبية منها عن طريق الأمطار، أو المياه المعالَجة.


اقرأ أيضًا: حياتنا كمشروع قومي: الفحم خير من الشجر

تصميم: يوسف أيمن- المنصة

مصر تصدر الكثير من نباتات الزينة وبالأخص لدول الخليج والأردن ولبنان، وبعض دول أفريقيا، وبلغت الصادرات عام 2018 نحو 35 مليون دولار.

لكن في الوقت نفسه، لدى الحكومة الحالية توجه نحو الاستغناء عن بعض المحاصيل غير الضرورية، وتحجيم مساحات المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل الأرز، أو استحداث سلالات تستهلك مياه أقل، أو قابله للزراعة بمياه مرتفعة الملوحة.

لا توجد دراسات أكاديمية تناولت استهلاك نباتات الزينة للمياه باستفاضة، وجميعها يركز إما على تصنيفها وكيفية مواجهة أمراضها أو قيمتها الاقتصادية، لكن الثابت أن غالبيتها من بيئات رطبة مرتفعة الحرارة، وتحتاج لتربة رطبة باستمرار.

ولا يرى الغندور غضاضة في زراعة الشوارع بأشجار مثمرة، فطالما يتم ري الأشجار بشكل كامل من مياه النيل أو الجوفية فاستبدالها بأخرى مثمرة أفضل، خاصة أن المصريين اشتهروا منذ قرون بزراعة شوارعهم بأشجار التوت والجميز والليمون والنبق.

في هذا الوقت، لا يزال المزارع محمد سليمان ينتظر جوابًا يثلج صدره حول مصير زراعته، فلم تعد أشواك الزهور أو جروح الشوكيات والصبارات المدببة ما يقلقه، ولكن ما يشغل باله هو "اختفاء الوخز"، ففيه يكمن الشقاء والرزق أيضًا.