زوج من طيور القطرس. canva

مزيد من الطلاق: التغير المناخي يعصف بالحياة الاجتماعية لطائر القطرس

ربما إذا حالفك الحظ للسفر إلى أي دولة في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، مثل جنوب إفريقيا أو أستراليا أو أمريكا الجنوبية، ستُشاهد طائرًا معروفًا هناك يسمى القطرس، يتباهى بريشه المتدرج بين اللونين الأسود والأبيض عند مصادر المياه، وهو طائر أحادي التزاوج، أي يتزوج ذكر واحد من أنثى واحدة فقط خلال فترة زمنية قد تطول لعدة مواسم وقد تَقصُر لموسم واحد فقط، وخلال التزاوج يتعاون الزوجان لتلبية متطلبات حياتهما كجمع الغذاء والبحث عن المأوى وما إلى ذلك.

هذا الطائر هو بطل قصتنا هذه، حيث أظهرت دراسة أنّ معدلات الطلاق ارتفعت بين طيور القطرس، ليس لأنّ الزوجين غير متفاهمين مثلًا، لا، إنه تدخل من التغير المناخي الذي تصرخ منه الأرض الآن. لكن هل طائر القطرس فقط هو الذي تأثر سلوكه بسبب التغيرات المناخية هذه؟ إلى أي مدى قد يمتد تأثير التغير المناخي؟ ماذا عن الكائنات الأخرى، وكيف يتأثر سلوكهم؟ حسنًا، قبل الإجابة عن هذه الأسئلة، لننظر إلى الدراسة التي بين أيدينا.

معدلات طلاق مرتفعة بين طيور القطرس

مُضحك، أليس كذلك؟ ربما تسمع عن زوجين قررا الانفصال عن بعضهما لضيق العيش. وهذه حالات طبيعية تحدث كثيرًا في وسط الإنسان العاقل. على الصعيد الآخر، قد تحدث حالات الانفصال هذه بين أنواع من الحيوانات والطيور أيضًا مثل طائر القطرس. لكن هنا الوضع يختلف تمامًا.

زوج من طائر القطرس - Canva

في 24 نوفمبر 2021، نُشرت دراسة في مجلة Royal Society Publishing بقيادة الدكتور فرانسيسكو فينتورا، للبحث في مدى تأثير التغيرات البيئية في معدلات الطلاق لطائر القطرس، التي قد تحدث في الظروف الطبيعية في حالات نادرة بمعدل 1%، وغالبًا ما يكون السبب وراء ذلك هو عدم القدرة على التكاثر، لكن أظهر الدراسة أنّ معدلات الطلاق هذه ارتفعت لتصل نسبتها إلى 8% وذلك بعد فحص بيانات 150 ألف زوج من طيور القطرس في جزر فوكلاند خلال 15 سنة، حيث تنفصل هذه الأزواج عن بعضها، ما يعني أنّ هناك سببًا ما.

لكن ما السبب؟

يكمن السبب في التغيرات المناخية التي تؤثر في طبيعة حياة طائر القطرس، الذي يبلغ متوسط حوالي ثلاثة أمتار، وبذلك فهو واحد من أكبر الطيور البحرية على مستوى العالم، ويقضى أول 6 سنوات من عمره في تعلم كيفية البحث عن الغذاء في المحيط، حتى إنّ العديد من طيور القطرس لا تلمس الأرض خلال سنوات التعلّم هذه.

وربما تكون الست سنوات مدة زمنية كبيرة بالنسبة لمتوسط أعمار الطيور، كما هو معروف عند العامة، ولكن طائر القطرس من الطيور المعمرة نسبيًا، حيث يعيش في المتوسط لنحو 50 سنة، لذلك فقضاء ست سنوات من حياته في التعلم أو الطيران ليس كبيرًا.

ويؤثر ارتفاع درجة الحرارة على كمية الغذاء المتوفرة التي يعتمد عليها القطرس من أسماك وعوالق نباتية وغيرهم، ما يضطر الطائر للسفر بعيدًا من أجل الصيد وتأمين الغذاء، وقد لا يعود في أوقات التكاثر المناسبة أو يعود مُجهدًا فيضعف أدائه. وبالتالي يحدث الانفصال.

أما عن العواقب، فهي وخيمة بعض الشيء

يرى مُعدِّو الدراسة أنّ الاحترار العالمي هذا قد يؤثر على عمليات التزاوج بين طيور القطرس، فتنخفض أعدادها على المدى البعيد، نتيجة ضعف التكاثر الناتج عن الضغوطات البيئية، ما يضع 19 نوعًا من أصل 21 نوعًا من طيور القطرس على حافة الانقراض. لكن مهلًا، هذا ليس كل شيء. تتوقع الدراسة أيضًا أن تتأثر الحيوانات أو الطيور أحادية التزاوج عمومًا بالتغيرات المناخية، وقد يتطور الأمر إلى الانقراض.

لكن لماذا يتأثر سلوك الحيوانات عمومًا مع تغير المناخ؟

الإجابة باختصار شديد، أنه نوع من التكيُّف، وهذا ما أشارت إليه دراسة أُجريت بالتعاون بين علماء من جامعتي هلسنكي (فنلندا) ولانكستر (المملكة المتحدة)، ونُشرت في سبتمبر/ أيلول 2021 بمجلة Oikos. وفيها جمع الباحثون بيانات من 1000 دراسة منشورة، ولاحظوا أنّ تغير سلوك الحيوانات هذا بمثابة محاولة منهم لمقاومة التغيرات البيئية الطارئة، ليس ذلك فقط، هناك استجابات أخرى تطورية قد تظهر على المستوى الجيني، وتستخدمها الحيوانات والطيور لحماية أنفسهم من الضغوطات المحيطة. حسنًا، لأبسط الفكرة أكثر.

فعلوها من قبل ولكن..

ما رأيك بجولة في قديم الزمان قبل 65 مليون سنة عندما سكنت الأرض زواحف عمالقة هي الديناصورات، وقتها كان قانون البقاء للأقوى هو شعار تلك الكائنات، لكن حدث شيء ضرب بهذا القانون عرض الحائط، ورفع شعار "البقاء للأصلح"، ما حدث أن التغيرات المناخية اجتاحت الأرض، ولم تستطع أغلب أنواع الديناصورات مواجهتها، وكانت النتيجة نفوقها.

هناك جدل واسع في أمر الديناصورات، حيث تشير الأدلة الجيولوجية إلى أنها انقرضت أثناء الحد الفاصل بين العصرين الطباشيري والباليوجيني، إذ افترض بعض العلماء حدوث ثوران بركاني، تسبب في حدوث تغير في المناخ العالمي، وتذهب إحدى النظريات إلى سقوط نيزك ضخم بالقرب من خليج المكسيك، ما تسبب في إطلاق غبار حجب ضوء الشمس لفترة، فماتت النباتات، ولحقتها الحيوانات التي تتغذى عليها، لكن يشكك بعض العلماء في صحة هذه النظرية، بسبب عدم وجود حفريات لديناصورات نفقت في فترة سقوط النيزك.

الديناصورات - Canva

لكن استطاعت بعض الأنواع الأخرى من الديناصورات الطائرة مقاومة هذه التغيرات والتكيّف مع الظروف الجديدة وتطوير جيناتها. بالمناسبة، أحفاد هذه الديناصورات الطائرة، هي الطيور الموجودة الآن؛ فقط انظر إلى السماء، ستجد أنواعًا كثيرة منها. استطاعت أسلاف الطيور النجاة من الانقراض الجماعي الخامس، الذي انقرضت فيه الديناصورات، بسبب قدرتها على التكيف، ومواجهتها لظروف البيئة المحيطة.

نموذج الديناصورات الطائرة مثالًا مميزًا لحالة التكيّف. عند مقارنة سلوك هذه الطيور في عصور الديناصورات وعصرنا الحالي، نجد فروقًا كبيرة، ربما تكون معلومة أنّ الطيور الحالية من سلالة الديناصورات صادمة لبعض الناس أصلًا. فمن ذا الذي يفكر أن كائنًا لطيفًا مثل البطريق أو الببغاء كانت أسلافه في الماضي من الديناصورات؟

لكن الفرق بين التغيرات المناخية الحادثة في عصر الديناصورات والحالية هو أنّ الأخيرة حدث بسبب الأنشطة البشرية بصورة أساسية، حيث تتسبب الغازات الناتجة عن الأنشطة البشرية في ارتفاع معدل الاحترار العالمي.

ولم يسلم القطب الشمالي بما فيه أيضًا

تمثل مساحة القطب الشمالي نحو 5.5 مليون ميل مربع، وهو ليس منطقة قاحلة كما يظن بعض الناس، على العكس، هناك حياة تدب في القطب الشمالي، وتتكيف كثير من الحيوانات والطيور مع ظروف الحياة القطبية، مثل: الدب الرمادي والنسر الذهبي والحيتان والرنة وغيرهم. لكن لم تسلم هذه الحيوانات من التغيرات المناخية التي تعاني منها الأرض، حيث ترتفع حرارة القطب الشمالي أسرع من الأماكن الأخرى بمعدل مرتين، ما يضطر هذه الحيوانات إلى تعديل سلوكها، بحيث تستطيع التعامل مع التغيرات المناخية.

صورة من القطب الشمالي - Canva

وهذا ما دفع عددًا من العلماء من 17 دولة للتعاون من أجل دراسة مدى تغيّر سلوك الحيوانات في القطب الشمالي، وأسفر هذا التعاون عن إنشاء أرشيف حركة الحيوانات في القطب الشمالي AAMA، من خلال جمع بيانات عن كيفية انتقال نحو 96 نوعًا من الحيوانات خلال 28 سنة. ونُشرت الدراسة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 بمجلة Science العالمية. تتميز هذه الدراسة أنها أُجريت على نطاق واسع، ما يعني أنّ النتائج والبيانات اتُخذت من خلال مراقبة الحيوانات على نطاق واسع زمانيًا أو مكانيًا. وأعطتنا النتائج التالية:

اللعب في آلية التكاثر

حيوانات الرنة - Canva

في الظروف العادية، تهاجر حيوانات الرنة في أوقات معينة من العام، مثلًا، أثناء الشتاء، تذهب للغابات الشمالية، لتجنب قسوة الشتاء. وفي أواخر الربيع والصيف، تذهب إلى التندرا أو الساحل الشمالي للقارة بدافع البحث عن الطعام والغذاء عمومًا أو تجنب الحشرات الصيفية.

وعادةً ما تميل هذه الحيوانات للولادة بعد السفر إلى الأماكن التي يوجد فيها غذاء، لكن بسبب التغيرات المناخية وذوبان الجليد، أصبحت حركة الرنة من مكان لآخر صعبة للغاية، وبالتالي تلد الإناث الحوامل في وقت مبكر من الرحلة والذي قد يصادف وجودها في أماكن قاحلة، فضلًا عن مشقة الطريق، ما يؤثر بالسلب على الأم ومولودها.

هذا ما أشارت إليه بيانات تتبع أكثر من 900 أنثى من حيوان الرنة لمدة 17 سنة. والأدهى من ذلك، أنّ حيوانات الرنة في خطر واضح، ومعرضة للانقراض. دُق ناقوس الخطر فعلًا.

النسر الذهبي - Canva

من ناحية أخرى، تتبع العلماء حركة أكثر من 100 طائر من النسر الذهبي على مدار 24 سنة، ووجدوا أنّ النسور غير البالغة تصل إلى أماكن التكاثر في وقت مبكر من الربيع، بينما تصل الطيور البالغة في وقت آخر، هذا الفرق في التوقيت، يؤثر على عملية التكاثر عمومًا.

تطور سلوكيات المنافسة على الطعام

الدب الرمادي - الدب القطبي

حلل الباحثون بيانات حركة بعض الحيوانات مثل الدببة السوداء والذئاب والدببة الرمادية لمدة 21 سنة، ولاحظوا التغيرات الطارئة على سلوكياتهم تزامنًا مع التغيرات المناخية، ووجدوا أنّ هذه الكائنات تبدي استجابات مختلفة للتغيرات الخارجية، تتمثل هذه الاستجابات في طريقة التنافس والبحث عن الغذاء والتفاعلات بين الفريسة والمفترس وهكذا.

دراسة أخرى..

هناك أيضًا دراسة أُجريت بواسطة سوزان ميلر وآخرون، ونُشرت في عام 2015 في Journal of Mammalogy، وخلال هذه الدراسة، لاحظ الباحثون السلوك العدواني الذي ظهر على الدببة القطبية والرمادية في شمال ألاسكا، نتيجة التغيرات المناخية التي تسببت في ذوبان الجليد، وبالتالي قلت الموارد الغذائية وصار الغذاء المتبقي هو بقايا الحوت مقوس الرأس.

تتناوب الدببة على تناوله، مثلًا الدببة الرمادية والقطبية البالغة فقط، تذهب لتناول الطعام في الليل، بينما يأتي دور بقية الدببة القطبية والكائنات الأخرى أثناء النهار، ويظهر السلوك العدواني خاصة من إناث الدببة القطبية التي لديها أطفال عندما يحتد التنافس على الموارد الغذائية.

أما مصر فتتمتع منذ عصور طويلة بثروة حيوانية كبيرة، لكن مع تدخلات البشر والصيد الجائر والتغيرات المناخية، قلّ هذا العدد، وللأسف، هناك 70 نوعًا منها مهدد بالانقراض، لنفس الأسباب من تغير مناخي وتدخل بشري. منها:

  • السلاحف المصرية.
  • غزال الجبل.
  • نمر سيناء.
  • الفهد.
  • الوعل النوبي.
  • الأغنام البربرية.

ربما يكون الانقراض من أسوأ الأحداث التي قد تحدث، لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. إذا كُنتَ من سكان أرض مصر الحبيبة، فلا بد وأنك لاحظت التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة خاصة. هذا بدور أثر على سلوك الثروة الحيوانية والتكاثر بل والإنتاجية أيضًا، وهذا ما أظهرته دراسة منشورة في مجلة Animals في 2021، حيث من المتوقع أن يقل نصيب الفرد من الحليب، الذي كان 61 كيلوجرامًا سنويًا في 2011 إلى 26 كيلوجرامًا سنويًا بحلول عام 2064.

وأخيرًا.. أثناء بحثي لإعداد هذا التقرير، وجدت نماذج كثيرة من الحيوانات تُظهر سلوكًا مختلفًا نتيجة التغيرات المناخية، ربما أحتاج لكتاب كامل لسرد ظروف كل نوع، لكنني كنت أكثر انتقائية، واخترت نماذج محددة ملفتة للنظر، وهذا لا يقلل من أهمية النماذج الأخرى طبعًا. لكن على أي حال، نحتاج لأخذ مشكلة التغير المناخي بعين الاعتبار، فهي كارثة حقيقية، لا تؤثر على الإنسان فقط، بل يمتد هذا التأثير للحيوان، ما يُخل بالنظام البيئي ويزداد الفساد في الأرض.