تصميم: أحمد بلال- المنصة

نماذج ثلاثة: التحولات الجندرية في السينما المصرية

اشتغلت الثقافة منذ الأزل على الجسد؛ من أجل تكييفه وتطويعه وفقًا لقواعدها ومعاييرها، فمنذ الطفولة يجرى في كل مجتمعٍ وكل عصرٍ "تقويم" الجسد؛ لكي يصبح انعكاسًا للقيم والمعتقدات المنصوص عليها اجتماعيًّا.

الجسد دفع بعض المؤرخين والفلاسفة وعلماء الاجتماع والأنثربولوجيا، للسؤال عن طبيعته باعتباره الفضاء الأول الذي تُفرض فيه الحدود الاجتماعية النفسية المعينة لسلوكه، وهو الرمز الذي تنقش عليه الثقافة علامتها. والتساؤلات لم تقف عند حدود التكوين الخارجي للجسد أو هيئته الشكلية الفيسيولوجية أو حتى السيكولوجية، ولكنها توغلت إلى حدود طبيعته الرمزية واتصاله المباشر بالهوية والسلطة، فأكد نيتشه، في مقدمة كتابه العلم المرح، على سيادة الجسد كمصدرٍ لكل تأويلٍ، وكان مارلوونتي يرى أن الجسد محور العالم، وإليه تتوجه الأشياء وتطرح عليه أسئلتها، كما أن الجسد يدفعنا دومًا للسؤال من نحن؟

هذا التساؤل دفع لمحاولات فك شفرة النوع "الجندر" والمرتبطة بالجسد في الفضاء الاجتماعي، فكثيرٌ من علماء الاجتماع ركزوا على كيفية بناء الرجال والنساء باعتبارهما "فئتين جنسيتين" متعارضتين، والتركيز على أن هاتين "الفئتين" ليستا من صنع الطبيعة (البيولوجيا) وإنما من إنتاج المجتمع الذي ينتج هذا التمايز ويحوله إلى "مؤسسة".

ابتكر عالم الاجتماع أفرينج جوفمان مصطلح "الانعكاسية المؤسساتية" التي تعنى أن تَرَسُّخ الاختلافات الجنسية في المؤسسات الاجتماعية يضفي سمةً طبيعيةً على الترتيبات الاجتماعية المتعلقة بالعلاقات الجنسية.

يمكننا رؤية أن سؤال الجسد والهوية الجنسية المتداخل ذي الطبيعة الرمزية الغارقة في التأويل، جذب في متاهته العديد من المفكرين والفلاسفة والعلماء، كما جذب العديد من الفنانين والسينمائيين، فالسينما كفضاءٍ تأويليٍّ ومكانٍ لطرح التساؤلات الاجتماعية والرمزية والميتافيزيقية، كما أنها تساعد على إدراك الذات وتخلق حِسًّا جليًّا بالعالم والوجود، والسينما، بوصفها مكانًا للوساطة، كان طبيعيًّا أن يجذبها الجسد بكل مشمولاته باعتباره الظاهرة الفينومينولوجية الأولى في حياتنا اليومية وفي وجودنا عمومًا.

وفي هذا المقال نلقى نظرةً على ثلاثة نماذج سينمائية حاولت رصد تغيرات الجسد والجندر في مصر، باعتبارها نموذجًا لدولةٍ عربيةٍ تسيطر عليها النظرة النمطية الثقافية عن الجسد والهوية والجنس والنوع.

1) الآنسة حنفي

من دواعى الدهشة أن يُنتَج فيلم الآنسة حنفي عام 1954 للمخرج فطين عبد الوهاب، الذي يحمل خطابًا نسويًّا لافتًا بأسلوبٍ فنيٍّ كوميديٍّ بسيط.

ينهض البناء الدرامي على تفتيت موروثٍ ثقافيٍّ بعقل الرجل يرى أن المرأة لا تصلح إلا داخل البيت، قام جليلُ البنداريُّ بجرأته المعهودة باقتباس واقعةٍ حقيقيَّةٍ حدثت عام 1947 لآنسةٍ تدعى فاطمة تحولت إلى شابٍّ يدعى علي، وكانت حديث المجتمع المصري لفترةٍ، ثم كان سيناريو الفيلم؛ ليتحمس له المخرج فطين عبد الوهاب، ونجم الكوميديا إسماعيل ياسين، بالإضافة أن عام 1954 هي ضمن سلسلة سنواتٍ من التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، وكان المجتمع المصري يغلي بعواصف من التغيرات والصراعات السياسية؛ جاء "الآنسة حنفي" كتعبيرٍ عن صراعٍ ثقافيٍّ وتحولٍ في الموروث الفكري والاجتماعي للمجتمع وقتها.

منذ اللحظات الأولى للفيلم يظهر نوع من العنف الرمزي في التعامل بين حنفي (إسماعيل ياسين) وزوجة أبيه فُلة (زينات صدقي) وابنتها نواعم (ماجدة الصباحي)؛ في محاولةٍ لضبط وجودهم الجسدي داخل حيز المنزل، انعكاس هذه الرؤية جعل فطين عبد الوهاب يضع نواعم وفلة في فضاءات مغلقة طوال مشاهد الفيلم تقريبًا، وكأن حنفي يرى أن المرأة لا تصلح إلا داخل فضاءات المنزل مستخدمًا في ذلك كل الممارسات الرمزية وكل المصطلحات اللفظية التي أعطاها المجتمع للرجل؛ لرسم مخيلته الذكورية مثل "أنا حمش"، "أنا جد".

هذه الرؤية التعسفية سخر منها فطين عبد الوهاب بصريًّا عندما سقط حنفي من على السلم وجعلنا نرى نواعم وفلة كما يراهما حنفي، وكانت هذه رؤيةً بصريةً ذكيةً من فطين عبد الوهاب؛ لجعلنا ندرك سمات العقلية الذكورية الرجعية، وكان فطين عبد الوهاب بارعًا أيضًا في إبراز التنميط الثقافي عند حنفي حتى في ملابسه عندما جعله طوال الوقت يظهر ببذلةٍ وكرافتةٍ باعتبارهما رمزين "للطقسنة" الذكورية؛ ليظهر كأنه "رجل ملو هدومه"، حسب المقولة الشعبية المتداولة والتي تعكس ثقافتنا الذكورية.


فيلم الآنسة حنفي. المشهد المشار إليه من الدقيقة 8:52 إلى 9:27


كل هذا يجري في النصف الأول من الفيلم، حيث يتحرك حنفي مرتديًا هذه العادات التي تصل لحد العقائد في مجتمعنا تاركًا العنان لقوة المجتمع الاعتيادية التي تعطيه حقوقًا من الحريات باعتباره رجلًا يفعل ما يحلوا له، وذلك لبلورة معنىً واحدٍ هو: أن المجتمع لا يستطيع أن يتهم شخصًا في رجولته ويعطيه مطلق الحرية في أفعاله، طالما له صوتٌ خشنٌ ويرتدى ملابس لائقةً ويتصرف بطقوس الذكورة المتعارفِ عليها في المجتمع.

في أول لقطةٍ لظهور فيفي بدأ فطين عبد الوهاب اللقطة بمكونات الجسد، وظاهر الدلالة البصرية أننا سنبدأ التعامل مع فيفي في الحيز الضيق لهويتها الأنثوية، وهو مظهرها الجسدي، فنرى فيفي تبدأ بوضع مستحضرات التجميل والعطور واهتمامها بتسريحة شعرها؛ لتكون على الموضة، لقد بدأت تأثيرات، ما أسماه جيل ليبوفتسكي، بـ"هوس المظهر" الذي لم يكن حنفي مهتمًا به باعتباره لا ينتمي لفضاء الذكورة، وعند خروجه الأول بدأت طقسنة الأنوثة تظهر عليه بشكلٍ مباشرٍ.


من فيلم الآنسة حنفي


لقد جعل فطين عبد الوهاب حنفي (المولَّد جديدًا) في جسد فيفي نموذجًا بصريًّا لمقولة سيمون دي بوفار "نحن لا نولد نساء المجتمع هو من حولنا لذلك"، ففيفي التي لم تتغير من حيث جوهرها الإنساني "اللا مرئي" عن حنفي إلا من ناحية الهيكل الخارجي "المرئي"، والذي كان رجلًا لمدةٍ تقارب الثلاثين سنة، فالتحولات التي صاحبت التحول الجنسي لم تكن بالضبط سيكولوجيةً ولكنها كانت طقسيةً، إذ بدأت فيفي تدخل حيز ما يفرضه عليها النسيج المجتمعي الذي يطلب منها هامشًا ضيقًا من التغيرات والإشارات الحركية والإيمائية ووضعيات الجسد باعتبار أنها الآن أنثى، صاحب هذا تغيرٌ في لغة الجسد وطريقة نطق الكلمات والتحول الملحوظ في المصطلحات ونعومة الصوت وانخفاض نغمته، ولأنها أنثى صار جسدها هو المجال الذي يتم الترميز له ثقافيًا، فجماليات الجسد يجب أن تكون شرطًا لقبولها وسط المجتمع.

هذه الشروط أيضًا مرهونةٌ بمجموعةٍ من المعارف والثقافات الوضعية التي تم تلقينها لنا ضمن أسسٍ اجتماعيةٍ وثقافيةٍ حديثةٍ، ففي معجم الجسد تم إظهار أن الشروط التي وضعها المجتمع في عقولنا لجمال المرأة أن تكون مستديرة الثديين، ممشوقة القوام، واسعة العينين، مستقيمة الأنف، بمعنىً آخر: أنتج المجتمع شرطًا للجسد المرغوب فيه، ومن ثَم فإن رؤيتنا للجمال الجسدي ليس فطريًّا ولكن مكتسبٌ كما تقول كاميلي باليا، فتم تزويد وعينا بنطاقٍ ضيقٍ ومحددٍ من الشروط الجمالية، مثل عرض الكتف عند الرجل أو نحافة الخصر عند المرأة، فصرنا لا نستوعب غيرها، وساعد على ذلك الفنون عبر التاريخ منذ التماثيل الإغريقية وحتى نشوء مصطلحاتٍ مثل "وجهٍ مرمريٍّ"، و"هيفاء القد"، و"سمراء النيل"، وحتى مصطلحات حديثةٍ مثل: وصف بعض الفنانات بأن لهن "جمالًا مصريًّا أصيلًا"، واضعين نصب أعيننا وجه نفرتيتي، الذي صار مقياسًا للجمال هو الآخر.

تمثال نصفي لنفرتيتي. صورة برخصة المشاع الإبداعي: Egisto Sani- فليكر

إن هذا التنميط الثقافي في رؤية الجسد عانت منه فيفي عند تقدم العِرسان لها، فما أن يرون جسدها وشكلها وهيئتها، التي لم تختلف عما كانت عليه عندما كانت حنفي، ولكن الرجل لا يعيبه شيئًا، في حين يعيب المرأة شكلها كما أقرت القوة الاعتيادية للمجتمع؛ حتى يهربوا منها لأنها لا تحقق الشروط النمطية الضيقة التي نمى داخلها وعينا.

تحول الذكر الرجعي الذي يستعمل كل عنفٍ أباحه له المجتمع إلى آنسةٍ ضعيفةٍ دميمة الخلقة (بالمنظور الاعتيادي النمطي الذي أقره المجتمع أيضًا) الذي يحركنا طبقًا لموروثٍ ثقافيٍّ وفكريٍّ محددٍ لا نستطيع أن نفلت من تأثراته كما يقول دوركايم.

الواقع أن جليل البنداري وفطين عبد الوهاب كانا يمحوان الجسد ويخفيانه من ميدان الوعي وإضعاف ألوانه وسط طقوس الحياة اليومية، فالتحول الجندري لحنفي لم يكن سوى رسالةٍ؛ لضبط التعامل مع جسد الأنثى، فجسد المرأة مرئي أكثر من جسد الرجل، على سبيل المثال: في مشهد دخول فيفي حاملًا يظنون أنها مارست الجنس مع أحدهم وظهر هذا جليًّا على جسدها، في حين لو كانت ذكرًا لكانت الممارسة ستمر؛ لأنه لا يوجد دليلٌ ظاهرٌ لها، وحتى إن اعترف فغالبًا لن يطوله العقاب الذي يضعه المجتمع للمرأة متمثلًا في محاولة المعلم الدخول على فيفي وقتلها. هنا لا نحكم على الفعل بالضبط، ولكن من جديدٍ نحاكم المرأة على وضعيتها الجسدية.

فيلم الآنسة حنفي هو تجربة رائدة ووعيّ مبكر؛ لفهم الجسدية الإنسانية كظاهرةٍ مجتمعيةٍ وثقافيةٍ، ومادةٌ للرمز وموضوع للتماثلات والتخيل.

2) للرجال فقط

منذ أواسط الستينيات ومع توسعٍ متنامٍ للحركات الاجتماعية والسياسية، انطلق خيالٌ جديدٌ للجسد واكتسح ميادينَ للممارسات والخطب كانت غير معروفةٍ حتى ذلك الحين، فبعد فترةٍ من القمع والتكتم فرض الجسد نفسه كموضوعٍ للتفضيل الاجتماعي ومكانٍ هندسيٍّ؛ لإعادة غزو الذات والهوية، ويبدو أن محمود ذوالفقار كان يعى ذلك جيدًا عند تأليفه فيلم للرجال فقط سنة 1964.

يختلف للرجال فقط عن الآنسة حنفي، ليس فقط بأن التحول كان على مستوى الهوية وليس مستوى النوع، أي: تحولٌ شكليٌّ؛ لإعادة صياغة وضبط الفضاء الاجتماعي والمؤسسي، عكس فيلم الآنسة حنفي الذي كان يدور في فضاءٍ مغلقٍ شِبه أنثويٍّ وهو المنزل، فإن للرجال فقط يدور في فضاءٍ مفتوحٍ وهو الصحراء التي تعتبر بيئة ذكورية بامتياز في الثقافة العربية، يُضاف إلى ذلك أن فيلم للرجال فقط تم إنتاجه في فترة حكم الدولة القومية الاشتراكية في مصر، وهذا تحول جديد في الجسد السياسي؛ حيث يتم دمج الأجساد الاجتماعية في قلب الجسد السياسي للدولة التي تسعى لضبط جسد الفرد تحت طوعها، في محاولةٍ لخلق وحدةٍ للإرادة العامة والتماسك للشعب؛ ليجد هذا الشعب وحدته في الإرادة العامة كدمجٍ للإرادات الخاصة في النطاق الذي يكون فيه سياق الدمج نفسه ضامنًا للوحدة، كما يبين ذلك جان جاك روسو.

يصور الفيلم نضال كل من إلهام (نادية لطفي) وسلوى (سعاد حسني)، المهندستين بإحدى شركات البترول لإثبات نجاحهما داخل المؤسسة. بالفعل تنجحان في بدايات الفيلم في إثبات أن هناك بئر بترول تنبض بالحياة وتم مكافئتهما على ذلك، إلا أن المدير يرفض قطعيًّا طلبًا من إلهام بأن تذهب هي وسلوى (كمهندستي جيولوجيا) إلى المعمل في الصحراء؛ لمتابعة الأعمال عن كثب والمشاركة الأكثر فاعلية، وكانت حجة المدير أنها "شغلةٌ للرجال فقط"، ورغم محاولات إلهام وسلوى إقناع المدير أن الأوضاع الاجتماعية تغيرت إلا أنه رفض باعتبار أن البيئة الصحراوية وطبيعة العمل المجهِد تحتاج لنوع معين من الجسد الرجولي بحجة أنه أكثر تحملًا وصلابةً، ونلاحظ عند ضيق إلهام من كلامه أنه قال على الفور "أوعوا تفتكروا إني رجعي بالعكس أنا تقدمي جدًا بس ده نظام المؤسسة".

وفي هذه الجملة القول الفصل، فالمؤسسة هنا، كما يقول ميشيل فوكو، حددت نموذجًا من التوظيف السياسي والمفصل للجسد وتحدد ميكرو فيزياء جديدةً للسلطة؛ لأنها لم تتوقف عن اجتياح مجالاتٍ أوسع وأوسع، كما لو كانت تتوق إلى تغطية الجسم الاجتماعي بأكمله، إذًا فالدولة الحديثة والتقدمية تمارس ضبط الأجساد وتوزعها بحسب رؤيتها السلطوية وتستخدم سلطتها الرمزية في نشر طريقتها في التفكير على المجتمع، من ثَم نقرر جميعًا (كالمدير) أن أعمال الصحراء تتطلب مواصفاتٍ جسمانية خاصة لا تتوفر سوى في الرجال فقط.


فيلم للرجال فقط. المشهد المشار إليه من الدقيقة 12:28 إلى 14:38


بعدها نرى كُلًّا من إلهام وسلوى وقد سرقتا هوية الجيولوجيين الجديدين، وتحولا ظاهريًّا إلى مصطفى وحسن بطقوس الذكورة التقليدية من لبس بذلةٍ، وتضخيم الصوت، وشعرٍ قصيرٍ، وشاربٍ، وتدخينٍ بشراهةٍ، لاسيما البايب والسيجار وهما علامتا ذكورةٍ أكثر من السجائر العادية التي تشربها النساء بشكلٍ عاديٍّ.

إذًا، وكما يقول إفرنج جوفمان، فإن المظهر الذي يُعد لائقًا لكل واحدٍ من الجنسين يسمح بتحديد هوية الجنس من بعيدٍ على الأقل، لذا تم قبول مظهر إلهام وسلوى كرجلين، وخصوصًا أن معهما جميع الإثباتات الرسمية بذلك وهو ما يعنى (في الدولة البيروقراطية) أنهما المهندسَين مصطفى وحسن، حتى هامش الشك والتساؤل اللذين قوبلا بهما في البداية بسبب ملامح الخنوثة الواضحة عليهما، تم تجاوزهما مع قبولهما وسط المجموعة التي أقرت بهما كذكرين كما يقول مظهرهما وأوراقهما.


المشهد المشار إليه من الدقيقة 19:31 إلى 21:07


عند نزلوهما للموقع أول مرةٍ شعرت إلهام وسلوى بارتباك من الفضاء العام والأجساد الذكورية التي تحيط بهما، وبدأتا يتحسسان الباروكة وتهندمان ملابسهما للتأكد من أنها تخفي الظاهر الأنثوي، والواقع أن الشك الذي حدث في شخصيتهما في الفندق (نظرة عامل الاستقبال وحامل الحقائب) لم تحدث مع المهندسين؛ والسبب في ذلك هو سلطة المكان نفسه، فكما يوضح بورديو فإن الجسد مموضعٌ اجتماعيًّا؛ فالجسد الخاص مدمجٌ في الممارسات عبر تداخل البناء الاجتماعي الذي يخلق الانفصال بإعادة ربط الجسد بموقعٍ ماديٍّ ورمزيٍّ معينٍ في العالم.

لذا فالمحيط الاجتماعي يُنتج الضرورة التالية: أن تكون للجسد وضعيةٌ، وأن يكون للجسد مكانٌ؛ لذا عند دخول كلٍّ من إلهام وسلوى إلى المحيط المكاني الخاص بالعمل فإن جسديهما جرى قبولهما بشكلهما الغرائبي نوعًا دون أن ينتبه أحدٌ؛ والسبب في ذلك وضعية المكان نفسه والبناء الاجتماعي الخاص به، واستعداده لاستقبال مهندسين جديدين ضمن البناء الاجتماعي الصغير، أي كان شكلهما فهم بالتأكيد أنهما متميزيْن ومصدر ثقة؛ لأنهما قادميْن من المؤسسة العليَّةِ التي تحدد مهام الكل.


المشهد المشار إليه من الدقيقة 22:00 إلى 23:00


بعيدًا عن أنه فيلم وكوميدي في الأصل، فإن الوضع الحقيقي يشير إلى مكامن آلامنا بالاحتفاظ بصورتنا وهويتنا أمام الآخرين وعدم تمزق الأقنعة التي نرتديها.

النتيجة الكلية نستطيع أن نلخصها في أن طموح المهندستين الناجحتين تعرض للرفض، بل ووضع تحت طائلة قانون الدولة وكأن أحلامهما نفسهما هي خروجٌ عن مسارات قوة الدولة التي فرضت سلطتها ليس على الأجساد فقط ولكن اخترقتها؛ لمنع الأفكار التقدمية أيضًا.

فيلم للرجال فقط محوري بالفعل، ليس في تطبيق نظريات تحولٍ جندريٍّ؛ لإثبات الذات، ولكنه تصوير بليغ وحقيقي؛ لتقسيم العمل الاجتماعي على أساس الهوية الجنسية وسيطرة المؤسسة على رؤية الجسد داخل المجتمع.

3) السادة الرجال

يُعرف عن السيناريست والمخرج رأفت الميهي جرأته في طرح مواضيعه السينمائية سواء كانت سياسيةً او اجتماعيةً، ويلجأ دائمًا إلى أسلوب الفانتازيا الممزوجة بالكوميديا بطريقة جروتيسكية مثيرة للغرابة، ومع ذلك فأنت ترى الواقع موجودًا وراسخًا، ولكنه مقدَّم بما يتناسب مع حقبة النيو ليبرالية التي ظهر فيها الميهي؛ حيث اختل توازن المجتمع متأرجحًا ما بين أصالةٍ وحداثةٍ وتشوهاتٍ عولميةٍ تُفكك الهوية والثقافة والجسد أنفسهم وتعيد تشكيلهم طبقًا لأهوائها.

فيلم السادة الرجال 1987، هو أحد هذه النماذج التي كرست لأسلوب الميهي كما أنها كرست، ليس فقط رؤيته للجسد، بل وضع الجسد في مجتمع تغير فيه كل شيء؛ فالمجتمع المصري هنا يبدو مختلفًا تمامًا عن وضع المجتمع في الآنسة حنفي وللرجال فقط.

في البداية سنلاحظ أن الحداثة (أو لنقل ما بعد الحداثة) صارت جليةً في استخدام الميهي لمصطلحاتٍ جديدة واستحضار رؤية غير مألوفةٍ للجسد لها وقع مربك نوعًا، ففي الآنسة حنفي حدث التحول بشكلٍ طبيعيٍّ بعيدًا عن رغبة حنفي من عدمها، وفي للرجال فقط قامت كلٌّ من إلهام وسلوى بتحويل هويتهم إلى رجالٍ؛ رغبةً في إثبات الذات و تمردًا على قوانين المؤسسة وتقسيم العمل الاجتماعي، أما فوزية فتريد التحول لرجل؛ لأنها صارت لا ترغب في جسدها الأنثوي (المقموع اجتماعيًّا) ورأت أنها لن تستطيع أن تحارب وهي في جسد أنثى، كما أنها لا تشتهي النساء ولا يوجد عندها التباس جندريّ، فعلت ذلك فقط على سبيل العناد مع زوجها والمجتمع وبدافع أنها "حرة" تفعل ما تشاء، حتى لو كانت هذه الحرية في التخلي عن حقها كامرأةٍ عاملة وربة أسرة، ولكن في إثبات عنادها وتمردها على وضعٍ قائمٍ بأكثر الأساليب جذريةً وانعدامِ مسؤولية، ولكن يبدو أن الميهي يتعمد دفعنا نحو المفهوم المغلوط للحريات التي استجلبته الحداثة، فيبدو جليًّا أن الحرية هنا (التي صارت تفقد معناها الأصلي) تدافع حتى عن الأفعال غير المسؤولة أو الغشيمة، مما يُنتِج عنها نوعًا من الكائنات المشوهة والمواقف العنيفة غير المتوقعة.

على أي حال فإن رأفت الميهي، كما سنرى، لا يدين الجسد ولا الهوية الاجتماعية أو الالتباسات الجندرية، ولكنه يدين الحداثة النيوليبرالية والصدمة العولمية التي أصابت المجتمع والثنائية القطبية التي صارت تميزه.

هذة الثنائية ستبدو واضحةً في الفضاء الاجتماعي المعاصر كما يظهر في الفيلم، ففوزية امرأةٌ لديها جسدٌ بالغ الأنوثة بالمفهوم الاجتماعي الحديث، وكانت تظهر طوال الوقت بملابس ضيقة ومكشوفة (الجسد المرغوب فيه) الجسد الرأسمالي، الجسد الذي برز بشكلٍ جليٍّ مستفيدًا من منافع الاستهلاك التي لا تعد ولا تحصى من موضة وزينة وأكسسوارات، وكانت علامات جمالها الجسدي ملحوظة، حتى أن الجميع كان يعرفها (فوزية أم رجلين حلوة) متخطين اجتهادها الوظيفي الواضح وشخصيتها الصعبة في التعامل. وعندما تُظهر شخصية فوزية الضد بعض التردد في التحول، تقرر أن تنتصر شخصيتها على جسدها. بدأ الميهي هنا تفكيك التقيد بالجسد وتحويله إلى رمزٍ ثقافي حداثي.

أراد الميهي أن يوضح أي صورةٍ نحملها لأنفسنا؟ ففوزية التي يحمل جسدها كل خصائص رأس مال المظهر الحديث من جمالٍ ورغبة وموضة تكره هذه الصورة المنعكسة لها في مرآة المجتمع وتفضِّل محوها وإحلال جسدٍ ذكوريٍّ يتمتع بقواعد السلطة المطلقة.

فوزية لم تستطع أن تصمد وتقاتل كامرأة، بل فضلت أن تتحول إلى رجلٍ؛ لتستطيع أن تهيمن متجاوزة الطبيعة ذاتها؛ لخلق نوعٍ من السلطة على جسدها وكأنها تريد أن تتحدى الرقابة الاجتماعية التي فرضتها الحداثة على أجسادنا. هذه فكرة حداثية تتمثل في أن الجسد يمثل حملًا ينبغي الخلاص منه؛ ليغدوا الكائن حرًّا أخيرًا، وبخلاف الماضي فإن رفض الجسم لم يعد يجرى باسم الحقيقة أو الفضيلة، بل باسم السلطة والحرية، ففكرة العيش في عالمٍ لا يعود فيه وجود للجسد تُحيل إلى حلمٍ بعدم الخضوع بعد لضغوطه.

يوضح الميهي حلم الحداثة اليوم في الجسد، ففي العالم المعاصر الجسد المقبول هو الجسم المسيطَرُ عليه تمامًا.

الآن تم التحول وكانت سعادة فوزية بهذا التحول مطلقة وآمنت كما قالت للبواب "الست فوزية تعيش أنت" على سبيل أنها اختزلت نفسها في الجسد وتخلصت من حمل الجسد الأنثوي، والواقع أن نشوة سعادتها، ونشوة القوة الفيزيائية التي صارت تتمع بها كرجل أنستها أنها في طريقها للانعزال اجتماعيًّا عكس ما توقعت.

في البداية استقبلها الجميع كجسد بلا هوية محددة، كجسد الفصامي والمتحرر من الشكل الاجتماعي والمؤسسي، وذلك لأن الجنس نفسه يخضع للسلطة، وفي تلك اللحظة التي دخل فيها فوزي إلى عمله بالبنك بدا متحررًا من جميع القواعد والسلوكيات والسلطة الاجتماعية، ففي مشهد مقنع ركض الجميع للترحيب به، وقام بتقبيل النساء باعتباره فوزية ثم قبَّل الرجال باعتباره فوزي، هذه الرؤية الفصامية هي تجليٍ للجسد الحديث، الجسد الذي يرضخ لارتباك الحداثة.


المشهد المشار إليه من الدقيقة 56:52 إلى 58:08


بعد قليل بدأت "فوزي" تستشعر الأخطاء التي وقعت فيها، فهي لم تتمرد على المجتمع بل في الواقع لقد عزلت نفسها اجتماعيًّا، ففوزي المولود عن طريق جسد الحداثة فقد انغراسه الجماعي لصالح تقسيم فردي الطابع، فنسى في غمرة التحول ونشوة الرجولة أن لديه طفلًا صغيرًا "حسن"، واختبر أولى مشاعر الارتباك الجندري عندما مرض ابنه/ها الصغير واندفع نحوه بشكل أمومي بحتٍ وبتصرفات أنثوية صرفة؛ لتجد أن أنانيتها في التحول لرجل أنستها أن ابنها يحتاج لأم، كما قال لهما الطبيب الذي عالج ابنها هي وأحمد، رغم أن المؤسسة الحكومية أعادت كتابة جسد فوزي وحددت هويته الجندرية باستخراج بطاقة أنه ذكر، فإن المجتمع نفسه، وخصوصًا معارفه والبيئة المحيطة به، ظلت مرتبكة في تعريفه بشكل حرفيّ.


المشهد المشار إليه من الدقيقة1:07:21 إلى 1:10:50


إن الميهي يضعنا فورًا في التساؤل، ما الذي يحدد ميولنا وعواطفنا؟ أجسادنا أم هويتنا؟ أم ما يضعه المجتمع في مخيلتنا الثقافية والاجتماعية؟ هل تمنعنا ممارسة طبيعتنا الجسدية الرقابة الاجتماعية التي أسست لها الحداثة؟ فنحن نقبل فقط ما يقره المجتمع ويراه.

في الفيلم يبدو أن الجسد غير مرغوبٍ فيه إلا بما يتناسب مع سلطوية المجتمع نفسه وثقافته وما يظهره الإنسان من جسده.

من هذا المنظور فإن فيلم السادة الرجال ليس فيلمًا نسويًّا بالمرة، كما أنه لا ينتقد الجندر ولا النسوية ولا الميول أو الرغبة الجنسية، الواقع هو فيلمٌ ينتقد المجتمع النيو ليبرالي بشكله الشامل والذي شوهنا وجلعنا نفقد اتصالنا بهويتنا أو أصالتنا ونتحول لأجساد ٍ فردانيةٍ مشوهةٍ وهميةٍ غير معروفة الأصل أو الثقافة، وتسعى لفرض نفسها بالقوة على سبيل أن ذلك من مضامين الحرية الحديثة.

فرط الجسد والقيم الاجتماعية

"الجندر أفيون الشعوب"

تلك العبارة وضعها أرفينج جوفمان كتناصٍ لعبارة كارل ماركس الشهيرة "الدين أفيون الشعوب"؛ لتوضيح أن المجتمعات الحديثة صار شغلها الشاغل ترتيب السلم الاجتماعي بحسب النوع والجنس.

في الواقع من الممكن أو أوسع الجملة لأجعلها "الجسد أفيون الشعوب" فلقد جعلتنا الدولة الحديثة نراقب بعضنا بعضًا وننتبه لأشكال أجسادنا ورأس مال مظهرنا، لقد أوضح ميشيل فوكو أن القرن السابع عشر قرنَ تكوِّن الدولة الحديثة في أوروبا، هو بداية عصر القمع الجسدي وأحكام الرقابة على الألفاظ واللغة وفرط الجسد والمراقبة الجسدية وتحولات الدولة نحو الضبط الجسدي، وخاصةً في أوساط المجتمعات المسماة برجوازية، فضبط اللغة والجسد تم إعداده على أنه نوعٌ من الارتقاء والتحضر والأخلاق الرفيعة والانتماء للطبقة السامية من المجتمعات، لكنه في الواقع نوع من تحكم الدولة في الجسد وحتى الكلام وإخضاعه لسلطة المجتمع المراقِب تحت مسميات القيم الحضارية.

وعندما جاء الاستعمار بمفهوم الدولة الحديثة إلى البلاد العربية جاء معه سلطة الجسد المقموع؛ فقد أوضح تيموثي ميتشل كيف أن استعمار مصر على سبيل المثال سعى "لأسر أجسام" السكان، فقد ظهرت سلطةٌ سياسيةٌ في مصر تسعى ليس فقط لأسر جسد الفرد بل لاستعماره وللإبقاء على حضورٍ مستمرٍ له، وقد أنشأ اللورد كرومر حملات تفتيشٍ ممنهجةٍ؛ لحصر وتسجيل أجساد العمال والفلاحين المصريين للسيطرة على المستوى المحلي من أجل الأساليب الجديدة للإنتاج الرأسمالي، وبدأت حكومة الاستعمار الإنجليزي بإدخال لغة الصحة والعادات الصحية كنوعٍ من الانضباط الجديد للجسد، وبدأت مجموعة تدريس الأخلاقيات الأوروبية، وألبسها ملابس الدين كنوعٍ من فرض نوعياتٍ معينةٍ للأخلاقيات على "العقل المصري"، وبدأت تهمٌ مثل "المصري كسول" أو "المصريون قذرون" كنوعٍ من التحكم في مسارات الشخصية المصرية وتحويرها.

بدأ الاستعمار حملة الضبط الجسدي على المجتمعات العربية والتي صارت معنا حتى هذه اللحظة، ولم يعد من السهل التخلص منها، وخصوصًا أن الكولنيالية أدخلت معها الأصولية الدينية كنوعٍ من الرقابة على المجتمع، وصارت الدولة الحديثة العربية لا تختلف عن الغربية في فك الجسد الاجتماعي وتحويله لجسدٍ فراديٍّ يخضع لقيم الرقابة الاجتماعية، والواقع أن هذا حدث في دول كثيرة تم استعمارها، وأورد ديفيد لوبرتون أنه عند مقابلته إحدى رجال القبائل البولينزيالية وسأله ما الذي أحضره الغرب لكم؟ قال: لقد أحضر لنا الجسد، في إشارةٍ إلى أن الدولة الغربية جعلتهم يتخلون عن طبيعتهم في التعامل مع أجسادهم.

لقد أوضحت روزي بيردوتي أن الدولة النيوليبرالية لم تترك الجسد كهيكلٍ مكسوٍّ باللحم نحمله معنا لتُحَيِّدَ وجودنا في العالم، ولكن صار كينونةً متعددة الطبقات متموضعةً فوق مجموعة من المتغيرات المتعددة والمتناقضة بشكل كامل.


اقرأ أيضًا: ثنائية الامتلاك والاحتياج وضرورة "التطرف النسوي"


بدأت الدولة الحديثة خلخلة النظام الاجتماعي وتحويله لمجموعاتٍ تقوم على أساس النوع أو الجنس أو الميول أو اللون أو العرق تطالب بحقوقها، وصاروا يعرِّفون أنفسهم بأسماءٍ محددة ويتخذون شعارات؛ لإثبات هويتهم التي تبدوا وأنها مغايرةٌ لبقية المجتمع رغم سعيهم إلى إثبات وجودهم ضمن الهيكل الاجتماعي.

لقد أوضح آلان دونو أن الدولة الليبرالية اخترعت كلمة "أقليات" وهي كلمةٌ تم اختراعها في الدولة الغربية أساسًا؛ لتغذية البروباجاندا الانتخابية وأن كل حاكم "ديموقراطيٍّ" يسعى لأن يعطى الأقليات حقوقها؛ لذلك مع الوقت يتضح للأقليات أن حربها الشرسة للفوز بحقوقها ما هي إلا دعايةٌ سياسيةٌ، نوعٌ من استخدام الأجساد من أجل الغرض الدعائي.

هذا أوضحه جاك دريدا من قبل، فانتقد التفككية التي ظهر بها جاك دريدا الحركات النسوية والمثلية التي ظهرت في مايو/ أيار 1968؛ لأنها بدأت تحت رقابة الدولة، تقسم المجتمع إلى جماعاتٍ صغيرةٍ قائمةٍ على أساس الجندر، اللون، الدين، التوجه الجنسي، وهكذا.

أنشأت الدول النيو ليبرالية مفهوم الفردانية، صار الشعار حقوقي ما أريدها: من الذي يهتم بأي شيء آخر؟، إن نشوء فكر الآخر هي إحدى وسائل التفكك الجسدي الذي أتت به الدولة النيو ليبرالية، فصار دومًا هناك آخر مختلف عنا ونحن ندعه يتصرف بحريةٍ و"نتقبله" وسطنا؛ لأننا متحضرون طبقًا لقيم المجتمع الغربي الحديث، ولكن من هو الآخر؟ لا يوجد آخر، فنحن من منطلق ما آخرون لبعضنا البعض، فإذا كنت تظن أن الأبيض يرى الأسود آخرًا فالأسود يرى الأبيض هو أيضًا آخرُ، وكذلك إذا كنت في مجتمع ذكوري يرى الرجل المرأة آخر ففي مجتمع أنثوي تراك المرأة آخرًا.

إن الآخر أو الأقليات والتسميات التي تصاحبهم هي مجرد صورةٍ؛ لقمع الجسد الذي أسسته الدولة النيو ليبرالية، وبهذا قد حولت الجسد الاجتماعي المتشابك ووحدته الواحدة إلى مجموعةٍ من الأفراد الأغراب عن بعضهم، والذين يناضلون؛ لإثبات وجودهم في مجتمعٍ مصطنعٍ بالكامل، ولعل النماذج الثلاثة التي أوردناها الآنسة حنفي، وللرجال فقط، والسادة الرجال، كانت محاولاتٍ فنيةً؛ لشرح النضال الذي تركنا فيه المجتمع الحديث لنقاتل ضد أفكار أسسه هو نفسه ليظل سائدًا.