الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم، يتفقد اليوم الدراسي- الصورة: النشرة الصحفية للوزارة

كورونا في المدارس: 80 طالبًا بالفصل والتباعد حلم يقظة

كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف صباحًا، حين بدا الشارع أمام إحدى المدارس بالمطرية أشبه بسوق شعبية، بعد أن تكدس الطلبة وأولياء الأمور أمام باب المدرسة انتظارًا لفتحه، وما أن سُمح للأهالي وأولادهم بالدخول، حتى امتلأ فناء المدرسة عن آخره، ولم يعد ثمة مكان أمام المعلمين لتنظيم طابور الصباح.

بعد مطالبات متكررة من إدارة المدرسة بدت مثل توسلات، اقتنع بعض الأهالي أخيرًا بضرورة ترك الأطفال وحدهم في الفناء والوقوف بعيدًا حتى يتاح للمعلمين تنظيم الطابور الأول للطلاب بعد 160 يومًا من الإجازة الطويلة التي فرضتها جائحة كورونا قسرًا على المدارس في مايو/ آيار الماضي بعد ارتفاع الإصابات.

يوم السبت الماضي انتظمت الدراسة في 11 محافظة، وانتظمت أمس الأحد، حيث زارت المنصة إحدى مدارس المطرية بشمال القاهرة، بجميع مدارس الجمهورية.

مع بدء الطابور وقف الطلاب، الذين قلما ارتدوا الكمامة، متلاصقين، فيما لم يلتزم كثير من المعلمين بها، وكذلك أولياء الأمور، وأغلبهم من النساء، لم يكن يشغل بالهن سوى الاطمئنان على أولادهن وتسليمهن لإدارة المدرسة التي عجزت عن تنظيم عملية دخول الطلاب إلى الفناء، بطريقة تمنع التكدس والزحام والاحتكاك الجسدي بينهم.

ووسط ذلك الهرج الذي انتقل بكامله من الشارع إلى المدرسة، تصاعد حوار جانبي بين معلمين، يقول أحدهما للأخر في سخرية "لو أطفال الصف الأول الابتدائي كانوا حضروا النهاردة مع باقي الصفوف، لحدثت كارثة. قرار المدير كان سليم بتأجيل أطفال الصف الأول يوم الثلاثاء، مكناش هنعرف نسيطر على أعداد الطلاب وأولياء الأمور".

استثنت إدارة المدرسة تلاميذ الصف الأول الابتدائي من الحضور في أول وثاني أيام الدراسة، حتى تستطيع السيطرة على الموقف، فهؤلاء الصغار يحتاجون إلى معاملة خاصة، منذ دخولهم المدرسة حتى تدريبهم على الطابور، ثم صعودهم إلى الفصول وتوزيعهم على المقاعد، ورغم غيابهم ذلك، واجهت إدارة المدرسة صعوبة بالغة في تنظيم الطابور، فأعداد الطلاب ضخمة، وليس هناك متسع من المكان لتنظيمهم بشكل يطبق التباعد بينهم، وهنا قالت إحدى الأمهات لمعلمة كانت تقف إلى جوارها "أمال فين الإجراءات الاحترازية اللي الوزير قال عليها (تقصد وزير التعليم)، وفين الخطة اللي تمنع الطفل يكون وشه (وجهه) في وش زميله".

التزمت المعلمة الصمت، واكتفت بابتسامة ساخرة، فهي في النهاية بلا حيلة ومطلوب منها أن تقوم بدورها وفق الحدود المتاحة، لكنها قالت للمنصة، شريطة عدم نشر اسمها "للأسف، الوزارة بتتكلم عن واقع خيالي يخص المدارس. مفيش طالب واحد من كل اللي في الطابور خضع لكشف الحرارة، مع إن دخول الطلاب للمدرسة بدون قياس الحرارة محظور".


اقرأ أيضًا: تلاميذ في عهدة الغرباء: أولياء الأمور يتأقلمون والأبناء يدفعون الثمن


تضيف بصوت خافت، وكأنها تتحدث إلى ولي أمر، أن وزارة التعليم تركت لمديري المدارس البحث عن حل لأزمة الكثافات ومنع التكدس ومواجهة كورونا بالحدود المتاحة. تقول إنه يجب وجود متر على الأقل بين الطالب وزميله، مع أننا لو طبقنا ذلك، فلن يكفي فناء المدرسة لطابور صف دراسي واحد، فالفصل تصل كثافته إلى 80 تلميذًا، وهناك ستة فصول لكل صف.

تشير ذات المعلمة إلى الطابور وتتساءل "كم طالب من كل دول ملتزم بارتداء الكمامة؟. هل نقدر نمنع الطالب من الدخول لأنه مش لابس الكمامة، لو عملنا كده ذلك في منطقة شعبية زي دي، ممكن ننضرب من أولياء الأمور. وبعدين كام معلم لابس الكمامة وملتزم؟ للأسف خطة تأمين المدارس ضد كورونا خيالية، ومتنفعش غير للمدارس الخاصة مش الحكومية".

بعد تحية العلم وانتهاء الطابور، تحرك الطلاب إلى الفصول فيما يشبه المعركة، كل تلميذ يسعى لسباق الآخر لاختيار المكان الذي سوف يجلس فيه طيلة العام، فهم محملون من آبائهم بتعليمات تفيد بالاقتراب من السبورة قدر الإمكان، وأمام ذلك الهجوم الطلابي اكتفى المعلمون بمشاهدة الأمر عن قُرب، رغم أن الخطة الوقائية التي حددتها الصحة للمدارس، اشترطت التباعد عند الصعود للفصول.

قبل انطلاق العام الدراسي، أوصت وزارة الصحة بضرورة انفراد كل طالب بالجلوس في مقعد منفصل، وهو ما أكده وزير التعليم طارق شوقي، الذي قال إن الطلاب لن يتلاصقوا في ديسك، لكن الواقع في تلك المدرسة الحكومية التي تتبع منطقة شمال القاهرة التعليمية، كان مغايرًا تمامًا، فالوقوف بالطرقة المؤدية إلى الفصول يكفي لسماع دوي صراخ المعلمات في الطلاب للالتزام بالمكان، كل منهن تحاول حل أزمة التكدس داخل فصلها وفق المتاح لها، فهناك ما يقترب من 80 تلميذًا في كل فصل، أي أنهم بحاجة إلى 80 مقعدًا ومساحة شاسعة لاستيعاب ذلك العدد من المقاعد، لكن الفصل الواحد، ومنهم فصل المدرسة التي تحدثنا إليها أثناء الطابور، يضم 28 مقعدًا فقط، ويتسع الفصل لأربعة صفوف فقط من المقاعد، في كل صف سبعة.

اضطرت معلمة الفصل، أن تضم صفين من المقاعد إلى بعضهما، لتترك في المنتصف طرقة صغيرة تتحرك فيها وهي تشرح الدروس، فيما يجلس الـ80 تلميذًا إلى جوار بعضهم البعض ثلاثة في كل ديسك، منهم من يرتدي الكمامة في حين تخلى أغلبهم عنها، وكأن الإجراءات معاكسة تماما للخطة المعلنة مسبقًا، لتقول المعلمة للمنصة "هي دي خطتنا الحقيقية".

المفارقة، أن كل معلم بالمدرسة، كان مكلفًا بأن يخصص وقتًا من الحصة لتعريف الطلاب بكيفية الوقاية من كورونا لنشر الوعي بين التلاميذ، تقول المعلمة: شرحت لهم ميزة التباعد وعدم التلامس باليد وتجنب اقتراب الوجه عند التحدث مع أحد، ولو كان واحد منهم يفهم ما أقول لسألني "وهو حضرتك طبقتي اللي شرحتيه لما نقعد فوق بعض كده في الفصل".


اقرأ أيضًا: حسبة رابحة: العمل المجاني جسر لجنّة الدروس الخصوصية


ما فعلته المعلمة من إعادة تنظيم لصفوف المقاعد ليس استثناءً، حيث إن المدرسين جميعهم مكلفون بالتعامل مع الكثافة كذلك، فهناك 35 فصلًا بالمدرسة، للصفوف من الأولى إلى السادس الابتدائي، كل فصل منهم كثافته ما بين 75 إلى 85 طالبا، أي أن المدرسة يتواجد فيها 2800 تلميذ وتلميذة، وكل هؤلاء يلتقون في الطابور والفسحة وأثناء الدخول والخروج.

وجاء في خطة وزارة الصحة المطلوب تطبيقها بالمدارس أن "كل الأطفال معرضون للإصابة بفيروس كورونا، لكن النسبة ما زالت ضعيفة، حيث يصاب معظم الأطفال بإصابات خفيفة أو لا يصابون، وبعض الأطفال يصابون بأعراض شديدة عند العدوى بالفيروس وقد يحتاجون إلى دخول المستشفى أو الحجز في وحدة العناية المركزة والوضع تحت جهاز التنفس الصناعي"، فيما قالت في خطتها الوقائية "إن الأكثر عُرضة للعدوى، هم الأطفال المصابين بأمراض مزمنة مثل السمنة والسكر والربو أو المصابون بأمراض القلب الخلقية أو الحالات الوراثية أو الحالات التي تؤثر علم الجهاز العصبي يكونوا أكثر عرضة للإصابة بفيروس كورونا وأعراض مرضية خطيرة، ويجب أن يجلس كل طالب في ديسك منفصل وعلى مسافر متر من زميله".

المفاجأة، أن هذه المدرسة ضمن المدارس التي تطبق فيها الدراسة بنظام الفترتين الصباحية والمسائية، كأحد حلول مواجهة التكدس، أيّ أن الفصل الواحد صباحًا به 80 طالبًا، وفي المساء يكون المثل تقريبا، وكانت وزارة التعليم قالت إن "تفعيل نظام الفترتين سوف يقضي على كثافات الفصول، ويساعد المدارس بنسبة كبيرة في تطبيق خطة الوقاية من فيروس كورونا".

سامي نصار، عميد معهد البحوث التربوية بجامعة القاهرة سابقا، قال للمنصة إن: هناك شعورًا مجتمعيًا بأن وزارة التعليم والمدارس فوجئت بقدوم العام الدراسي الجديد. لا يمكن أن تبدأ الدراسة بدون الحد الأدنى من الاستعدادات الواقعية، بعيدًا عن الاستناد إلى خطط ورقية يتم الترويج لها لإقناع صانع القرار بأن الأمور على ما يرام.

وأضاف نصار "خطأ كبيرة لما يكون الحضور بانتظام لحوالي 80 طالب 100 طالب في الفصل الواحد. مستحيل يحصل تباعد، وبعدين ازاي تبدأ الدراسة من غير ما كل المعلمين ياخدوا لقاح كورونا، ومعاهم الطلبة اللي أعمارهم تسمح بالتطعيم، ولا يكون فيه إجراءات ملزمة للجميع، مش نسيب المدارس حرة تتصرف حسب ظروفها".

ولفت إلى أن الواقع الموجود في المدارس يقود إلى أزمة حقيقية على مستوى ارتفاع الإصابات بفيروس كورونا، وادعاء المصلحة التعليمية لا يجب أن يتعارض مع المصلحة الإنسانية. كان يمكن التوفيق بين هذا وذاك، بالاستعداد الجيد، والتفكير خارج الصندوق، ولو بتقسيم الأسبوع بين الصفوف، لاستيعاب كل الطلاب دون تكدس، وتتحمل الدولة أدوات النظافة والتعقيم.

وتتمسك وزارة التربية والتعليم، بأن يكون الحضور يوميًا في المدرسة، دون تقسيم الأسبوع بين الصفوف الدراسية المختلفة، بدعوى أن ذلك سوف يؤثر على الخريطة الزمنية للمناهج. فالعام الماضي، كان أحد حلول مواجهة الكثافة، أن يذهب بعض الصفوف ثلاثة أيام، وباقي الصفوف تكون بالمثل، لكن الوزارة رأت أن ذلك ربما يكون خطوة لاحقة إذا ساءت الظروف.

وقال مسؤول بوزارة التعليم، من الدائرة المقربة للوزير طارق شوقي، للمنصة، إنه لا يمكن تطبيق نظام تقسيم الأسبوع، لأن ذلك يعني ترحيل مواعيد الامتحانات الشهرية، ولن تنته المدارس من خطة شرح المناهج في التوقيتات المحددة، ونخشى تدهور أوضاع كورونا فجأة، ولا نستطيع إنجاز المنهج، ما سوف يؤثر سلبًا على مستوى الطلاب، ولا غنى عن المدرسة.

أضاف المسؤول، أن "وزارة التعليم عارفة إن تطبيق معظم بنود خطة الوقاية اللي عملاها وزارة الصحة أمر صعب، لأن الواقع بالمدارس مش زي الخطة اللي تترسم على الورق، لكن دي إمكانياتنا، وعلشان كده منحنا المدارس لأول مرة إنها تتصرف بحرية في التعامل مع موضوع الكثافات، بحيث يقسموا اليوم لفترتين، ويستغلوا الفراغات، ويأكدوا على الكمامة، وهكذا".

ولفت إلى أنه من الطبيعي التدرج في علاج الكثافات بالمدارس. يصعب أن نبدأ بتقسيم الأسبوع، لأن ذلك ضمن السيناريوهات المقترحة عندما تسوء الأوضاع وندخل مرحلة الذروة. لكن المهم أن يفهم أولياء الأمور أنهم شركاء في تحمل المسؤولية. مضيفا "أيوة فيه كثافات ومحدش ينكر، لكن فين ولي الأمر من إلزام ابنه بالكمامة، صعب نوصل لعام دراسي آمن بدون مساعدة الأهالي".

لا يُمانع أولياء الأمور تقسيم الأسبوع بين الصفوف، كحل وسط يعالج الكثافات الطلابية، ويحل أزمة نقص المعلمين في المدارس، لكن المعضلة في تمسك وزارة التعليم بوجهة نظرها، لقناعتها بأن "الأسوأ لم يأتٍ بعد"، وأمام تحذيرات الصحة من اقتراب ذروة الموجة الرابعة لفيروس كورونا، فإن التقسيم سيحدث، غير أن التسريع بتطبيقه يؤثر سلبًا على الصفوف الأولى.

وأكد مدير إحدى الإدارات التعليمية بمحافظة الجيزة للمنصة، أن بعض المدارس الواقعة بنطاق الإدارة، تصل كثافتها إلى 120 طالبًا بالفصل الواحد رغم تطبيق نظام الفترتين الصباحية والمسائية، وعندما رفع توصية بضرورة أن يُتاح له تقسيم الأسبوع بين الصفوف، تم رفض الأمر بدعوى أن الأوضاع الراهنة لا تستدعي اللجوء إلى هذا الخيار، ولو صدر قرار سيكون عاما.

الدكتور طارق شوقي وزير التربية والتعليم من زيارته لإحدى المدارس- الصورة: النشرة الصحفية للوزارة

ويرى مسؤولون بوزارة التعليم أن المناهج التعليمية الجديدة من الصف الأول حتى الرابع الابتدائي، بحاجة إلى أن يتواصل المعلم مع الطالب بشكل مباشر، فلا تصلح معها القنوات التعليمية ولا المنصات الرقمية التي أطلقتها الوزارة، وبالتالي غنى عن الحضور اليومي، لأن الجلوس في المنزل من الآن مخاطرة، ويكفي العامين الماضيين من تراجع التحصيل العلمي للتلاميذ.

وقالت معلمة أخرى بالمدرسة التي زارتها المنصة، إنه يمكن تحقيق الهدف من التواصل المباشر بين أطفال الصفوف الأولى والمعلمين دون تكدس، بأن يداوم هؤلاء الصغار على الحضور اليومي، مقابل تقسيم الأسبوع لباقي الصفوف الأكبر سنًا، بحيث تكون هناك فراغات بالفصول يتم توزيع الأطفال عليها، وهنا لن يحدث التكدس، ويتحقق التباعد الاجتماعي "لكن مين يسمع"؟

يُلخص واقع المدرسة الموجودة في المطرية في شمال القاهرة حالة أغلب المدارس الحكومية في مصر، وكيف استقبلت العام الدراسي الجديد، فضوابط عمليات الدخول شبه منعدمة، وإجراءات تنظيم طابور الصباح بالمثل، وجلوس الطلاب في ديسكات منفصلة أمر يستحيل تطبيقه، وكذلك يبدو ترك مسافة متر على الأقل بين الطالب وزميله خياليًا، حتى صار التباعد الاجتماعي حلمًا صعب المنال، في وقت يواجه في المواطنون الموجة الرابعة من الجائحة في ظل تحورات الفيروس الذي صار يهدد الأطفال أيضًا مثلمًا يهدد ذويهم من الكبار.