صورة لتوقيع الاتفاقية تجمع رشيد محمد رشيد وأيمن سليمان وهالة السعيد برخصة المشاع الإبداعي

كيف تعاقد صندوق مصر السيادي مع "صالون حلاقة" لتطوير قلعة صلاح الدين؟ 

الأسبوع الماضي، وقع صندوق مصر السيادي اتفاقًا مع شركة بدايات مصر لتحويل منطقة باب العزب بقلعة صلاح الدين الأيوبي، لأول منطقة إبداع متكاملة في الشرق الأوسط وأفريقيا، في حفل شهد حضور عدد كبير من مسؤولي الصندوق وقيادات الشركة، وعلى رأسهم رشيد محمد رشيد.

كان ظهور وزير التجارة والصناعة الأسبق (2004- 2011)، الذي أطاحت به ثورة 25 يناير في أيامها الأولى قبل أن تطيح لاحقًا بالرئيس الراحل حسني مبارك، في هذا السياق لافتًا، بعد سنوات قضاها هاربًا في الإمارات حيث أدين بالفساد في عدة قضايا وحكم عليه بالسجن 15 سنة، قبل أن يعود منتصف 2016 وتتصالح معه الحكومة المصرية مقابل 1.6 مليار جنيه.

ولكن اللافت أيضًا في صفقة بدايات مصر مع صندوق مصر السيادي، الذي تأسس سنة 2018 بالقانون رقم 177، أن الشركة التي تقول إن رشيد "أسسها" ويترأس مجلس إدارتها، ليست إلا صندوقًا فرعيًا لشركة أخرى هي شركة السارا للاستثمار. تأسست الشركتان في سويسرا، في نفس اليوم وبنفس الرأسمال وبنفس عدد الأسهم، كان السؤال هو لماذا أسسّ رشيد شركاته في سويسرا وليس في مصر؟ وما هي الأنشطة الاقتصادية لهذه الشركات؟

التجربة الأولى

وفقًا لما هو منشور على الموقع الإلكتروني للشركة، فإن مؤسسها هو رشيد محمد رشيد، وزير الصناعة والتجارة الأسبق، وعنوانها المنشور على الموقع الإلكتروني هو 13 شارع بيسينا 6900 بمنطقة لوجانو (Via Pessina 13, 6900 Lugano)؛ لكن بحسب وثيقة تسجيل الشركة التي توصلت المنصة، فإن بدايات أسسّها ويُملك كل أسهمها محامي إيطالي اسمه "توماس سلفيا باجوني".

صورة من الموقع الإلكتروني لشركة بدايات التابعة لرشيد محمد رشيد وعليها العنوان 13 بيسينا لوجانو سويسرا

أسسّ باجوني بدايات BIDAYAT كشركة محدودة في 31 مارس/ آذار 2021، في نفس العنوان الموجود على موقع شركة بدايات مصر وهو (Via Pessina 13, 6900 Lugano) وفقًا لوثيقة إنشاء الشركة التي يكشف السجل التجاري لإنشائها أن قيمة رأسمالها تبلغ 100 ألف فرنك سويسري مُوزعة على 100 ألف سهم، وأن الغرض من تأسيسها هو استثمار وحيازة الأسهم والحصص في شركات أخرى، مع جواز إجراء عمليات مالية واستثمارية، إضافة لإمكانية تملّك وتأجير العقارات في سويسرا وخارجها.

استنساخ تجربة بدايات

بعد بحث، توصلت المنصة، إلى أن شركة بدايات ليست إلا صندوقًا فرعيًا مملوكًا لشركة السارا للاستثمار- ALSARA Investment Group وذلك بحسب موقع لينكد إن، حيث تُعرف الشركة نفسها باعتبارها جزءًا من شركة السارا للاستثمار، إضافة لتوضيح ذكرته شركة أخرى اسمها أختين، عندما استحوذت بدايات على حصة فيها الشهر الماضي.

صورة من موقع شركة بدايات على لينكد إن موضح بها تبعيتها لمجموعة شركة السارا للاستثمار

وشركة السارا، وفقًا لوثيقة التأسيس التي توصلت المنصة إلى نسخة منها، تأسست أيضًا في 31 مارس/ آذار 2021، وعنوانها 13 بيسينا 6900 لوجانو سويسرا، على يد المحامي توماس سلفيا باجوني، وفقًا لوثيقة تأسيس الشركة في السجل التجاري في مقاطعة كانتون تيتشينو، ورأسمالها 100 ألف فرنك سويسري، موزعة على 100 ألف سهم.

وتطابقت أغراض شركة السارا مع بدايات الاقتصادية، في جواز استثمار وحيازة الأسهم والحصص في شركات أخرى، وجواز إجراء عمليات مالية واستثمارية، واكتساب وتملك وتأجير العقارات في سويسرا وخارجها، بحسب وثيقة تأسيسها.

من هو توماس سلفيا باجوني؟

وفقًا للموقع الإلكتروني لشركة باجوني بارتنرز، فإن توماس سلفيا باجوني يعمل محاميًا متخصصًا في قضايا الضرائب ومستشارًا لعدد كبير من شركات الأزياء العالمية، وعضوًا في مجالس إدارات بعض هذه الشركات، وله خبرة في عمليات الاندماج والاستحواذ.

وفضلاً عن ذلك فهو أيضًا محاسب عام مُسجل بمقاطعة كانتون تيتشينو في سويسرا، وهو خريج كلية إدارة الأعمال بجامعة بوكوني، ميلانو في إيطاليا، وحاصل على ماجستير في القانون من نفس الكلية؛ لكن ما يكشف عنه البحث باسم توماس سلفيا باجوني في مكتب السجل التجاري لمقاطعة كانتون تيتشينو، أنه خلال الفترة من 2012 حتى 2021 أسسّ وسجل باسمه 22 شركة في نفس العنوان؛ (Via Pessina 13, 6900 Lugano).

الشركات المسجلة باسم باجوني في السجل التجاري لمقاطعة كانتون تيتشينو

حتى أنه أسسّ شركته باجوني بارتنرز عام 2015 في نفس العنوان، بنفس الطريقة المُتبعة في تأسيس شركتي بدايات والسارا، سواء من حيث حجم رأس المال وعدد الأسهم أو أغراض الشركة الاقتصادية، بحسب وثيقة تأسيس الشركة على الموقع الإلكتروني لسجل مقاطعة كانتون تيتشينو.

ثم باستخدام برنامج خرائط جوجل، وجدت المنصة أن المبنى رقم 13 الموجود في شارع بيسينا ورقمه البريدي 6900، ليس إلا مبنىً صغيرًا يتكون من أربعة طوابق، احتلت نوافذه المطلية باللون الأخضر واجهة الشارع، فيما كُتب على جزء من جداره الخارجي المقابل لشارع بيسينا باللغة الإيطالية saldi وهي المقابل للكلمة الإنجليزية sale، وهي إعلان لمحل يُتاجر في الأكسسوارات النسائية، فيما يحتل كوافير كُتب على واجهته Salone coiffure، طابقًا كاملًا من المبنى.

صورة للمبنى رقم 13 الموجود في بيسينا لوجانو بسويسرا موضح عليها عبارة saldi

تجولنا داخل المبنى باستخدام برنامج خرائط جوجل، فلم نعثر على أي لافتة للشركات الـ22 المُسجلين على هذا العنوان، ثم بحثنا في المباني المجاورة للمبنى فلم نعثر أيضًا على أي لافتة تدل على وجود أي من الشركات، بدايات أو السارا أو غيرهما.

خاطبت المنصة المحامي باجوني عبر الإيميل وواتساب الموجودين على الموقع الإلكتروني، دون أي رد أو تعليق.

ملاذات آمنة

تعمد الكثير من الشركات إلى تسجيل نفسها في الملاذات الضريبية الآمنة للتهرب من الضرائب، وهو ما وجده أسامة دياب، الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أمرًا "مثيرًا للاهتمام"، وذلك في دراسة صدرت عام 2015 بعنوان السياحة الضريبية، رصد فيها وجود عدد ضخم جدًا من الشركات يتشاركون نفس العنوان، بما ينم عن عدم وجود أي عمليات حقيقية لتلك الشركات، وأن وجودها هو "وجود على الورق فقط".

صورة لأحد طوابق المبنى رقم 13 في شارع بيسينا بسويسرا تبين أنه كوافير 

ويُدلل دياب على ذلك، بمبنى يسمى "أوجلاند هاوس" في جزر كايمان، يتكون من أربعة طوابق فقط ولكنه يحتوي على 19 ألف شركة مسجلة.

ولفتت عمليات تسجيل الشركات بمثل هذه الطريقة نظر الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، فقال في أول خطاب رسمي له عام 2009 عن إصلاح السياسات الضريبية "لسنوات تكلمنا عن غلق الملاذات الضريبية الدولية التي تسمح بإنشاء عمليات بهدف التهرب من دفع الضريبة في الولايات المتحدة"، مشيرًا إلى "غضبنا من مبنى في جزر كايمان يحتوي على أكثر من 12000 شركة يدّعون جميعًا أن هذا المبنى هو مقرهم الرئيسي ولقد قلت من قبل، إما أن هذا هو أكبر مبنى في العالم أو أكبر عملية تهرب ضريبي في العالم".

وتُوضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن هذه الوسائل التي تستخدمها الشركات ليست مجرمة بحكم القانون، ولكنها في نهاية الأمر تعيق العدالة والنزاهة الضريبية، وتعمل على تآكل الوعاء الضريبي.

وتذكر المنظمة أن تسجيل الشركات في دول الملاذات الضريبية تضمن سرية معلومات ملاّك هذه الشركات، إضافة لإمكانية تسجيلها بأسماء وهمية، مشيرة إلى استخدام هذه الشركات كأماكن للتحويل الصوري للأرباح بغرض التهرب من الجهات الضريبية الموجودة في البلدان التي تُحقق فيها أرباحها المالية.

صورة للمبنى رقم 13 بشارع بيسينا لوجانو بسويسرا باستخدام برنامج خرائط جوجل

لماذا سويسرا؟

منطقة لوجانو هي أكبر مقاطعة تتحدث الإيطالية في سويسرا، وفقًا لوزارة السياحة السويسرية، فضلاً عن كونها تعفي الشركات من الضرائب والرسوم، مع الأخذ في الاعتبار أن سويسرا ترتبط مع مصر باتفاقية لمنع الازدواج الضريبي وقعه البلدان عام 1987، وفقًا لموقع كي بي إم جي.

كما أن سويسرا تحتل المرتبة الخامسة في مؤشر الملاذات الضريبية للشركات، والذي يسمح للشركات بتحويل أرباحها خارج البلدان التي تُمارس فيها أنشطتها الاقتصادية، وفقًا لموقع الوحدة الدولية التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسري SWI حيث تقدّر أن سويسرا مسؤولة عن 5.1% من الخسائر العالمية المترتبة عن التهرب الضريبي، بإجمالي مبلغ قدره 12.8 مليار دولار سنويًا. ويخسر العالم ما قدره نحو 427 مليار دولارًا من الضرائب سنويًا بسبب التجاوزات الضريبية الدولية، وفقًا لـ SWI.

صورة من موقع شركة باجوني بارتنرز مدون عليها العنوان 13 بيسينا لوجانو سويسرا 

وتُعرّف دراسة السياحة الضريبية الملاذ الضريبي بأنه ولاية قضائية قد تكون دولة أو دويلة أو إقليم تكون فيه الضريبة على الربح والدخل منخفضة جدًا أو معدومة وتعمل على جذب الأموال اعتمادًا على هذه الميزة، وعادة ما تمنح هذه الولايات القضائية ميزة أخرى وهي السرية، وهي ضرورية لمن يريد أن يتهرب من دفع الضريبة في بلده حتى لا تستطيع السلطات الضريبية في بلده الوصول إلى معلومات عن هذه الأموال.

وتُوضح الدراسة المنشورة عام 2015، أن الشركات تلجأ لتملك فرع من شركتها في ملاذ ضريبي بهدف التلاعب في حساباتها، بحيث تظهر أغلبية أرباحها في الشركة المُسجلة في الملاذ الضريبي وتختفي من الفرع المُسجل في الدولة التي تعمل بها، وبذلك تتهرب الشركة من دفع الضرائب. وتُضيف أن تكلفة التهرب الضريبي في مصر تقدر بنحو 68 مليار جنيه سنويًا.

ما هي استثمارات الشركة الأخرى؟

وفقًا لما ذكرته نشرة إنتربرايز في 18 أغسطس/ آب الماضي، فإن شركة السارا للاستثمار وصندوق بدايات دخلا مؤخرًا في شراكات مع علامات تجارية بارزة في مجال الموضة، حيث استحوذا على الشركة الناشئة السويسرية أكوني جروب المتخصصة في صناعة النظارات، وعلى حصة الأغلبية في العلامة التجارية كريس جوي للسترات، فضلًا عن شركة أختين Okhtein التي تأسست عام 2014 على يد الأختين مناز وآية عبد الرؤوف، وتنتج حقائب اليد والإكسسوار المُعاصرة وفقًا لتقرير نشرته جريدة المال في أغسطس الماضي.

صورة تجمع رشيد محمد رشيد وهالة السعيد وزيرة التخطيط وأيمن سليمان مدير صندوق مصر السيادي برخصة المشاع الإبداعي

كما تستهدف شركة رشيد الدخول في بعض الكيانات العاملة بقطاعات الموضة والأزياء والتجميل بشكل عام، مع خطة توسعية كبيرة خلال المرحلة المقبلة.

لماذا العمل مع صندوق مصر صفقة رابحة؟

ذلك لأنه وفقًا للمادة 19 من قانون تأسيس الصندوق في 2018، فإنها أعفت المعاملات البينية للصندوق والكيانات المملوكة له بالكامل من جميع الضرائب والرسوم وما في حكمهما، ولا تسرى هذه الإعفاءات على توزيعها الأرباح، ويحدد النظام الأساسي للصندوق ضوابط تطبيق ذلك.

وفي 2020، تم إعفاء المعاملات البينية للصندوق والكيانات المملوكة له بالكامل فقط من جميع الضرائب والرسوم وما في حكمها، لتشمل تلك الإعفاءات والمعاملات البينية بين صندوق مصر والصناديق الفرعية والشركات التي يساهم فيها صندوق مصر. بذلك تضمن شركة بدايات إعفائها من الضرائب والرسوم، إضافة للميزة الأكبر وهي الحرية في نقل أرباحها من مصر إلى الخارج.