يد يسرى في جبيرة- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

في استخدام اليد اليسرى: أو كيف تكون أعسر في عالم من اليمين؟

يقف ياسر علي أمام موظف البنك في انتظار ورقة يوقعها، لكنه يمد، في عفوية، يده اليسرى، فيقاطعه موظف الشباك "إيه ده أنت بتكتب بالشمال"، يبتسم ياسر مقتضبًا ثم يوقع الورقة وينصرف.

ما واجهه ياسر قد يبدو عاديًا، لكنه بالنسبة إليه وغيره من أصحاب اليد اليسرى موقف صار من فرط تكراره مزعجًا، بل ربما أكثر من مزعج، لأنه يحمل في كل مرة يتعرض فيها له ذكريات قاسية.

حين كان ياسر في المرحلة الابتدائية، اشتكى مدرسوه لوالده بسبب كتابته باليد اليسري "وقتها كنت بكتب بشكل غير إرادي بإيدي الشمال، وهي أصلًا اللي بستخدمها في كل حاجة، شكاوى المدرسين اللي وصلت لأهلي استقبلوها كأن عندي مرض، وبدأ الأمر بزعيق وإجبار على استخدام الإيد التانية، وأنا مش عارف ولا فاهم حاجة".

حاول الصغير الكتابة كغيره من زملائه الأطفال بيده اليمني، ولكنه لم يستطع، ومع كل مرة حاول فيها وفشل، كان يقابلها إصرار أكبر على إجباره لاستخدام اليد اليمنى "وصلت لإعدادي وأنا فاكر كويس زعيق أبويا وأمي ليا، والضرب والمعايرة إن أخواتي أحسن مني، ومحدش مصدق إني مش عارف أكتب بالإيد التانية، كلهم مفكرين إني بتدلع".

زار ياسر أول طبيب وهو في الحادية عشر من عمره "فاكر كويس الدكتور ده وهو بيقول لأمي اربطي ايده الشمال هيكتب وياكل باليمين"، ليصمت قليلا أثناء حديثه مع المنصة، ثم يواصل كلامه بابتسامة "وبرضه منفعش، لحد ما أبويا وأمي، رموا طوبتي وقبلوا بيا كده".

ورغم تجاهل أسرته للأمر، ذهب ياسر وهو في العشرين من عمره إلى طبيب مخ وأعصاب "وقتها أنا اللي قررت أروح للدكتور من كتر العبارات اللي كنت بسمعها طول حياتي، إيه ده أنت بتكتب بالشمال، إيه ده انت أشول، وغيرها بقى من علامات ونظرات تعجب، أو أسئلة زي إنت بتعرف تعمل كده إزاي، وكأني خارق للطبيعة، ما عادي في ناس بتشوف بعين أكتر من التانية، اشمعنا أنا يعني، ووقتها الدكتور قالي إني طبيعي مش مريض ولا بعاني من حاجة، وإني مش لوحدي وفي غيري كتير، وخرجت من عنده وأنا مقرر أعيش زي ماربنا خلقني كده بكتب وباكل وبشرب بالشمال".

الشمال من الشيطان

عند التفكير في أن تستخدم يدًا بدلًا من يد، أو تعتمد على ساق بدلًا من الأخرى، لن تبدو المسألة مربكة، على العكس في كرة القدم يكتسب اللاعب الأعسر مكانة مهمة في فريقه، لكن الأمر في عمومه ليس منحة لأصحابه، أو كان أبدًا بهذه السهولة والنمطية التي نستخدم بها أيادينا في أكثر الأعمال عادية، فنادية عبد الله، التي تبلغ من العمر 28 سنة، ظلت تواجه مثل ياسر محاولات لإجبارها على تغيير يدها إلى اليمنى، وكأن الأمر يرتبط في كثير منه بالموروث الديني المتغلغل في أعماق المجتمع الذي يربط كل استخدام لليد اليسرى بالشيطان، ومنه مثلًا الحديث النبوي الشهير عن آداب تناول الطعام "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك".

كانت نادية تواجه تخويفًا من استخدام يدها اليسرى في الأكل تحديدًا، تقول للمنصة "كان بيتقالي من ماما وبابا إن الإيد الشمال دي لو أكلنا بيها هندخل النار، علشان الشيطان بياكل معانا، وهي علشان نستخدمها في التواليت بس، كنت بترعب وأنا بحاول أكل باليمين ومش عارفة، وأقول هو أنا ممكن أدخل النار علشان مش عارفة أكل باليمين، طيب أنا حاولت فعلًا ومعرفتش".

لكن الأمر كان أكثر وطأة بالنسبة لحالة نادية من مجرد التخويف، تتذكر "فاكرة أمي مرة حرقت إيدي الشمال بمعلقة سخنة، والحرق فضل معلم فيها، علشان أبطل أكل بيها، وكل ما أبص لإيدي والحرق باين فيها أفتكر اللي حصل وقتها واللي هو أنا مليش دخل فيه أصلًا".

الاعتماد على جانب معين من الأطراف، أي الانحياز لجانب دون الآخر، عادة ما يبدأ من المخ، فإذا استخدمت يدًا واحدة في الكتابة فلربما تستخدم اليد نفسها في تناول الطعام كذلك، ومعظمنا أي ما بين 74% و 96% من البشر يفضل اليد اليمنى، لكن هناك من يفضل مخهم استخدام اليسرى.

يرى أستاذ المخ والأعصاب بكلية طب قصر العيني، ساهر هاشم، أن سبب استخدام اليد اليسرى في الكتابة يرجع في الأساس للمخ، فالمسؤول عن استخدام اليد اليمنى هو الفص الأيسر الموجود في المخ، وعند مستخدمي اليد اليسرى ينتقل المركز المسؤول عن الكلام إلى الفص الأيمن من المخ، وعادة يكون الفص المسؤول عن الكلام هو صاحب السيادة، فيستخدم الشخص يده اليسرى، وهو الأمر الذي لا يمكن اعتباره مرضًا أو أمرًا يستدعي التدخل الطبي، موضحًا للمنصة أنه من الممكن التعامل معه كما نتعامل مع شخص له قدمان إحداهما أكبر من الأخرى قليلًا، فهي فروق فردية بين الأشخاص، حسب قوله للمنصة.

أجرت نادية كشوفات طبية عدة كالتي أجراها ياسر، ليؤكد الأطباء أنها لا تعاني أي مرض "اللي كان بيحصل بقى وقتها إنه يتقالي متقلقيش أنت أذكي من الباقيين، وده برضه بيحسسني بالاختلاف، أنا مش عايزة أحس إني مختلفة أو غريبة ولا أكتر ولا أقل ذكاء عايزة أحس إني عادية".

كبرت نادية تحاول التصالح مع يدها اليسرى، لكن التحاقها بالجامعة حمل معه أزمة جديدة "في الكورسات اللي كنت باخدها في الكلية، كنا بنقعد على كراسي فيها خشب متثبت فيها من اليمين علشان نسند ونكتب عليه، وطبعا ده مكنش مناسب ليا، فكنت بكتب على رجلي، علشان أبدأ مرحلة جديدة من الأسئلة والاستفسارات والانبهار والتنمر وغيره، واللي هو كان بيشكل نوع من أنواع الإجبار اللي مش مقصود، كنت أصلا مبحبش أكتب في المحاضرات أو الكورسات علشان محدش يشوفني وأنا بستخدم إيدي الشمال".

سيدة ترد على الهاتف بيدها اليسرى- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداع

ترى بعض الدراسات أن إجبار الأطفال على الكتابة وأداء الأنشطة بأيديهم اليمنى بسبب الضغوط الثقافيّة والاجتماعية يمكن أن يتسبب في حدوث مشاكل متعدّدة في نمو الطفل، منها اضطرابات التعلم، وعسر القراءة، وأيضا اضطرابات الكلام، وهذا الإجبار يعود للعديد من المواريث الثقافية والمجتمعية، ففي العديد من الدول الآسيوية يتم إجبار الأطفال على استخدام اليد اليمني، بسبب التصورات والموروثات الثقافية التي تربط الحظ السيئ باليد اليسرى.

وفي الدين الإسلامي ثمة وظيفة لليد اليسرى حيث تستخدم للنظافة بعد قضاء الحاجة، اقتداءً بحديث السيدة عائشة "كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى"، فالسلام والتصافح يكون باليمين، وعندما يحاول طفل أن يمده يده اليسرى تقابله عبارة "سلم باليمين"، وأيضًا في المسيحية تلقب اليد اليمنى بأنها "يمين الرب"، فتصبح هي المفضلة.

اللغة أيضًا لعبت دورًا في وصم أصحاب اليد اليسرى، ففي اللغة الفرنسية، يمكن أن تعني كلمة "جوش" "اليسار" أو "الخرقاء"، وفي اللغة الإنجليزية، تأتي كلمة "يسار" من الكلمة الأنجلو ساكسونية "ليفت" التي تعني "ضعيف"، والكلمة المناقضة لـ"أيسر" في اللغة اللاتينية هي ديكستر، وتعني "أيمن" وكانت ترتبط بالمهارة والاستقامة والورع والإنصاف، كما تعني كلمة "رايت" بالإنجليزية "أن تكون على حق".

تلك الموروثات، وأيضًا محاولات الإجبار دفعت العلماء لمعرفة لماذا يستخدم الشخص، أو بفضل يده اليسرى عن اليمنى، ففي إحدى الدراسات تمت مراقبة الدماغ لدى المشاركين الذين يستخدمون اليد اليسرى، وقال العلماء إن جانبي الدماغ كانا متصلين بشكل أفضل وأكثر تنسيقًا لدى مستخدمي اليد اليسرى، لا سيما في المناطق التي تنطوي على استخدام اللغة.

كما أصبح هناك يومًا للاحتفال بمستخدمي اليد اليسرى في 13 أغسطس/ آب من كل عام، ولكن هذا اليوم لا تفضله نادية، ولا يفضله أيضا بيشوى حنا لأنه يدعو للتمييز الذي يرفضه "قابلت زي غيري من وأنا صغير محاولات إجبار، وبما إننا كنا أسرة محافظة دينيًا فكانوا بيشوفوا إن استخدام الإيد الشمال مش محبب دينيًا، ودايمًا كان بابا يقولي إن اللي بيستخدموا الإيد دي بيخرجوا من رحمة الرب، وكان كلام بيوجعني لأني مش عارف أغير الحاجة دي اللي كبرت وكنت فاكر إنها عيب أو مرض".

الأعسر الذكي

تخرج بيشوى وعمل مدرسًا للعلوم بأحد المدارس، ليجد ما كان يعيشه في صغره "لما اشتغلت قابلت نماذج بالضبط من أطفال بيحصل لهم اللي كان بيحصل لنا زمان من المدرسين، وبقيت بتكلم مع المدرسين دول إن الولاد دول مش بيدلعوا ولا بيعاندوا وخير دليل أنا، وده مش مرض بدليل إني كبرت واشتغلت عادي وبقيت مدرس".

مع كل موقف كانت تتعرض خلاله طالبة أو طالب لمحاولات للضغوط أو التنمر عليها، كان يدافع عنه بيشوى، حينها يشعر بأنه يدافع عن نفسه أيضًا، ويتذكر نفسه حين كان صغيرًا "وقتها كان نفسي ألاقي حد يدافع عني، ويقولهم إني مش مريض، الأمر وصل إن أهلي كانوا فاكرين إني مسحور، وودني لأبونا في الكنيسة كذا مرة يتكلم معايا، ودي كلها مواقف بفتكرها وأحاول أضحك بس الحقيقة هي بتوجع ومش عاوز ولاد يكبروا ويمروا بيها وتفضل جواهم زيي، أنا حصل لي تأخر دراسي في فترات كتيرة وكنت بكره أروح المدرسة بسبب الإجبار ده وعدم التفهم للحالة".

اليد اليسرى- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

مع البحث عن مصطلح "يساريو اليد"، تقابلك العبارات التي تصفهم بأنهم أكثر ذكاء، ولعل ذلك يرجع لوجود مشاهير وزعماء كانوا من أصحاب اليد اليسرى، منهم ليوناردو دا فينشي وإسحاق نيوتن، وبيل كلينتون وباراك أوباما، وغيرهم، عدد من علماء المخ والأعصاب يرى أن يساريي اليد يدركون البيئة المحيطة بشكل مختلف عن يمينيي اليد، لأن النظرية القديمة تقول إن النصف الأيمن للمخ مسؤول عن الإبداع والعاطفة والتصور، وهو ما يجعلهم يقولون إن تفكير يساريي اليد أكثر تشابكية وتواصلية، في حين أن النصف الأيسر مسؤول عن أمور العقل والمنطق، والمخ يحرك الأطراف بالعكس أي أن الفص الأيمن يحرك الطرف الأيسر والعكس. لكن النظريات الحديثة لعلماء المخ والأعصاب لا ترى أنه يمكن الحديث عن فصل بين نصفي المخ، لأنهما مرتبطان بطريقة لا يمكن معها الحديث عن نصفين مستقلين للمخ، كما أن العلم لم يستطع حتى الآن توضيح أسباب يسارية اليد وليس من المعروف بوضوح وبشكل تام إن كان سببها وراثيًا.

أضحك كي أعيش

رغم الأبحاث والدراسات، وحديث الأطباء، ما تزال أسرة نادية، ترى أن استخدامها يدها اليسرى أمرًا غير محبب "ماما كل ما يجيلي عريس تقولي متقوليش قدامه بقى إنك شولة، بعد الجواز هيبقى يعرف، وأنا بقيت باخد الحاجات بضحك علشان بجد أقدر أعيش"، فيما يواصل بيشوى دعمه لمن يقابله من الأطفال، ويرد ياسر بابتسامة باهتة على السؤال المعتاد "إنت أشول؟".