الكاتبة أثناء عملها في موقع للتنقيب بمنطقة سقارة الأثرية- الصورة: بإذن خاص المنصة

جئت من هناك: "أنا إنسان وعنواني بلاد الدهب"

منحنى الله فرصة النشأة في بلاد رسخت بداخلي المعنى الحقيقي للعدالة الاجتماعية، البيوت متلاصقة، تفصلها شوارع متساوية متقاطعة، لها لون واحد، بيت مدير المدرسة يشبه بيت فرَّاشها، بيت المهندس يكاتف بيت عامل النظافة، كل بيت مزين بمصطبتين حول المدخل، يعود المهندس في بذلته الأنيقة والعامل في عفريتته المتسخة من جمع القمامة، وفي العصاري يخرج كل منهما مرتديًا جلبابًا أبيض ناصعًا، حتى أنك لا تفرق بينهما، أيهما المهندس وأيهما عامل النظافة. أما أنا، فأخلع عني الجينز والتيشرت، وأرتدي جلبابي الذي لا يختلف عن رفيقاتي في الشارع، إلا في اللون أو الزخرفة.

في الصباح الباكر تُفتح الأبواب، نخرج نحن الفتيات وفي أيادينا مقشات، نبدأ يومنا بالتنظيف أمام المنزل، أكنس نصف الشارع وجارتي أمامي تكنس النصف المتبقي أمام منزلها، وإن كانت مريضة أو غائبة أقوم بالتنظيف عنها، ولما لا، فهي تداوم على التنظيف أمام بيتي طوال فترة غيابي، وفى نصف ساعة يصبح الشارع بطوله وعرضه نظيفًا حتى من آثار الأقدام، كأننا في عرض مسرحي فولكلوري، ثم ندخل إلى منازلنا لاستكمال التنظيف قبل أن نعود مرة أخرى للشارع فنجلس على مصطبة أكبرنا سنًا، نراقب المارة ويراقبوننا، يلقون علينا التحية نردها بأحسن منها، وعند اختفائهم يسألون: هل تتذكرين هذا الرجل؟ هل تعرفين تلك المرأة؟ وتبدأ حفلة إنعاش الذاكرة، دون لوم على النسيان، نظل هكذا حتى تتعامد الشمس فوق رؤوسنا، فنعود إلى بيوتنا حتى يحين موعد رحيل الشمس.

في بلادي فقط أشعر بإنسانيتي، عندما أهمُّ عائدة للقاهرة يصطحبوني إلى محطة القطار، أستقله بمحبة وتسامح يعيناني على وحشية المدينة.

أعرف العالم من اسم أمي

هذه الصورة العظيمة، التي تشرح مفهوم العدالة استرجعتها في عقلي وقلبي، بعدما كبرت وعشت ثلاثين سنة في القاهرة. ثلاثون سنة أصارع فيها وحشية المدينة، وأبحث فيها عن العدل ولا أجده، كان العدل بالنسبة لي وعيًا تربيت عليه، لم أهتم بقراءة الكتب، التي تتحدث عن الاشتراكية والعدالة الاجتماعية وحرية الرأي وحقوق المرأة، ولا أستطيع فك طلاسم المصطلحات المعقدة، التي تشرح مفهوم العدل، كما يرددها السياسيون والمثقفون، كنت أستغرب لماذا لا تلامس خطاباتهم وبياناتهم قلبي، أدركت مؤخرًا أنها لم تصلني لأنهم لم يعرفوها، لم يتذوقوها أو يعيشوها كما عشتها في قريتي بالنوبة، جنوبي مصر.

شارع الكاتبة من قريتها في النوبة- الصورة: خاص المنصة

الناس في النوبة فطروا على المساواة، ننادي النساء بأسمائهن، لا نرى اسم المرأة أو الأم عيبًا، ويندهش من يزور قرانا من أننا ننادي بعضنا بفلان ابن فلانة، تمامًا كما فعل أجدادنا المصريين القدماء، قبل أن تغزونا البداوة التي تعتبر مناداة شخص باسم أمه سبة، مع أن الجنة تحت أقدام الأمهات، ومع أننا جميعا، كما قيل لنا "عن وعن وعن"، أننا سننادى باسم أمهاتنا في الآخرة، التي هي بعث مرة أخرى للحياة.

في طفولتي لم يوبخني أحد، وأنا ألعب مع الصبيان في الشارع، تُخرجنا أمهاتنا في الصباح للذهاب معًا لمدرستنا المشتركة، نكبر سويًا كأخوة، هذه التربية السوية، كما يقول علم النفس الحديث، جعلتني أستطيع تحديد شكل علاقتي بالجنس الآخر، فلا يختلط عليَّ الأمر، فأتعامل مع الشباب كما أتعامل مع البنات.

آه يا وحدي

بعد الثانوية العامة، تسلمتُ خطاب تنسيق اختار لي الالتحاق بكلية التجارة جامعة سوهاج، محافظة تقع وسط صعيد مصر، كان الاختيار محبطًا للغاية، ضاع حلم الالتحاق بكلية الآثار جامعة القاهرة، اصطحبني أبى لمحطة قطار أقرب المدن لقريتي، اصطحبني فقط لأنه أراد أن يوصيني قبل ركوبي القطار، لأبدأ بعدها رحلتي مع الحياة دون وصاية من أحد ولو كان هذا الأحد أبي.

قال أبي "أنا واثق فيكي وواثق إنك هاترجعي بالشهادة اللي هتحميكي وتخليكي تقدري تنجحي وتحققي أحلامك". زادتني كلماته، وصيته، قوة، وبددت أي مخاوف من المجهول، وصلت المدينة الجامعية في سكن البنات وحدي. "آه يا وحدي" على رأي الشاعر الراحل محمود درويش، كانت البنات من سوهاج ومن باقي المحافظات تقفن إلى جواري في انتظار توزيعهن على الغرف، كن ينظرن لي بأسى وكأنهن ينظرن لطفلة يتيمة، فكل واحدة منهن تمسك بيد أبيها أو أخيها، أما أنا فكنت أتعاطف معهن، وأحاول طمأنتهن قائلة "لا تخفن، سنكون بخير".

بكل جهدي، حاولت أن أواظب على تعليم جامعي لم أحبه، ولم أخطط للدراسة بكلية التجارة، حتى تدخل القدر، كان دائمًا إلى جانبي، علمت أن كلية الآداب بالجامعة بها قسم آثار، ورغم أن الدراسة بدأت بالفعل وأصبح التحويل صعبًا للغاية، فإنني عزمت على الانتقال لآداب آثار، ذهبت لعميد الكلية، اندهش لجرأتي، قلتُ "دراسة الآثار حلمي الحقيقي، لم أكن أعلم بوجود كلية لها هنا، وإلا كنت كتبتها أولى رغباتي"، رفض في البداية "الوقت فات"، بكيت بحرقة "لن أقبل أن يضيع حلمي للمرة الثانية، سأسحب أوراقي، أعود لقريتي أفضل".

رفق العميد بحالي، عمل استثناءً لي، فرحتُ، وكتبت لأبي خطابًا أبلغه بأنني أخيرًا قبضت على بداية الحلم الذي تمنيناه سويًا، تملكت الدهشة من جميع زميلاتي في السكن الجامعي، كيف قررتُ، وخطوت، ونفذت نقلي من الكلية وحدي دون استشارة أحد، سألنني "ألن يغضب أهلك"؟ قلت "لقد نشأت على طريقة تربية تعطيني الحق في اختيار طريقي، وهم يثقون في أنني سأفعل الصواب. أدركت وقتها قيمة ومعنى أن تكون التربية مبنية على حرية الاختيار".

على الفطرة

ها أنا أبدأ دراسة أحبها وطالما تمنيتها، جلست بالساعات في المكتبات لأعرف تاريخ مصر العظيم، قرأتُ كيف نشأتْ أقدم دولة موحدة مركزية، دولة قامت على سواعد المصريين جميعًا، نساءً ورجالًا، امرأة بجانب رجل، تتعلم، تزرع، تتاجر، تحكم، مثلها مثله، تشاركه وتتكاتف معه منذ بداية استقرارهم على الوادي لترويض نهر النيل بالتعاون والعمل، ثم فردت العدالة جناحيها، توزعت الثروات بالعدل، وتكافأت الواجبات والفرص في كل شيء، تقلد الموهوب منصبه الذي يستحقه، بداية من أوزير وإيزت وست ونفتيس، وبتاح وسخمت، وصولا لحتشبسوت، ونفرتيتي، وكانت القديسة إيزيس أو إيزة، أيقونة الديانة المصرية، المكاتفة لزوجها ولولدها لدرجة أن هيرودوت، المؤرخ اليوناني، زار مصر 500 قبل الميلاد، رأى المرأة المصرية تذهب للأسواق تبيع وتشتري وتتملك، تزوج نفسها وتطلق نفسها، فيقال "وجدت المرأة المصرية تسود الرجل"، ولم لا، وقد أتى من بلاد تحتقر نساءها وتباع وتشترى، حتى فلاسفة اليونان احتقروها واحتكروها كسلعة، لم يستوعب كبير مؤرخي الإغريق فكرة أن المصريين فطروا على المساواة والعدالة.

العدالة والمساواة حولت سكان الوادي من مجموعات بشرية متنقلة لأصحاب أول حضارة ودولة مركزية على الكرة الأرضية، فعلوا ذلك عندما آمنوا "قولًا وعملًا" بحق الفرد، أي فرد، في العمل الجماعي والمساواة في الحقوق والواجبات، وكله أمام "الماعت" سواء.

تساءلت كثيرًا عن الشبه الكبير بين قريتي الصغيرة ومصر القديمة، قريتي وقرى النوبة القديمة ظلت محتفظة بطبيعتها المتأصلة بسبب عزلتها في الجنوب وحفاظ المجتمع على ثقافته، حتى بناء السد العالي، جعلها تنجو من كل الانكسارات والهزائم والأعداء المتربصين والحاقدين ببداوتهم، بعدما بذلوا الغالي والنفيس في سبيل طمس هوية المصريين بداية من إجبارهم على الكتابة بلغة غير لغتهم الأم "المصرية القديمة"، لتتسع الهوة بين لغة العلم والعمل والعدل والمساواة والحرية وبين أهلها، أهل تلك الحضارة العظيمة، فيبتعدون شيئًا فشيئًا عنها، وينسونها، ثم ينكرونها، ويتبرأون منها.

اعرف نفسك

اغترب المصريون عن بعضهم البعض داخل بلدهم، غرس المحتل فسائل وفصائل الفرقة بينهم، فأصبح هذا مصري مسيحي وذاك مصري مسلم، وذاك مصري يهودي، بل مسلم مسيحي يهودي، ثم نوبي صعيدي وبحراوي، رجل، امرأة، طفل، كهل، شاب، شابة، قبيلة فلان وقبيلة علان، كيف يعرف الشعب المصري نفسه أو يهتدي لفكرة العدالة التي أنشأ لها ميزانًا وفلسفة "اعرف نفسك"، لتنشئ حضارتك، كيف مع كل هذا التمييز والتفرقة والعنصرية الواردة إليه مع كل احتلال.

عيش حرية عدالة اجتماعية، هتاف ثورة يناير الذي اهتز له وبه ميدان التحرير، وكل ميادين مصر، مطلب ظل يتردد لسنوات، ويتصدر النقاشات والجدل على شاشات التلفاز والسوشيال ميديا والصحف الورقية والالكترونية، وأنا أتابع لأفهم، وكلما تابعت زاد الأمر تعقيدًا، لأن من تصدر المشهد رافعًا شعارات ومطالب المصريين "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، إذا تقلد منصبًا، تربع على الكرسي، يبدأ صوته في الخفوت، يؤسس للحفاظ على"المنصب"، الذي وصل إليه، يعيش لنفسه فقط، وبالكثير لحاشيته، عرفتُ شخصيًا بعضًا ممن ينتمون للتيارات السياسية والمثقفين يملكون الأراضي والسيارات والملايين، يستطيعون مساعدة مئات الفقراء، ولكنهم يرتعبون من فكرة أن يصبحوا فقراء مثلهم، عرفت أنها ستظل دائرة مفرغة، فلا المظلوم ولا من يرفع الشعارات فقط، أقول فقط، سيأتي بالعدالة، فالظالم لن يتخلى عما يملك، والشعاراتي إذا جلس على الكرسي نسى وتجبر خوفًا من عودته لصفوف الفقراء.

ولا يبقى إلا صاحب المظلمة، صاحب الفقر الذي يستغله معدوم الفكر ومدعي الفكر، عدت لقريتي ونضال المصريين في مصر القديمة وكلي ثقة في أن العدالة تبدأ من القاعدة، قاعدة الميزان حتى تستوي كفتيه، فتفرد ماعت جناحيها وتحمي أبناءها.

فى السنوات العشر الماضية قرأتُ وتأملت وتابعت المنادين بالعدالة والرافعين شعارتها وكيف ارتزق البعض بها، عدت وتأملت حياة قريتي ونضال المصريين في مصر القديمة، ومن تجربتي في الحياة عرفت أن العدالة تأتى من القاعدة.


  • العنوان من أغنية بلاد الدهب لأحمد منيب.