من احتفالات جماهير الزمالك بعد الفوز بالدوري- الصورة: حساب النادي الرسمي على فيسبوك

ربع قرن من تشجيع الزمالك: أجندة الحب "الغشيم"

"غشيم في حب الوطن طبعًا غشيم/ ياللي عشقت الوطن من الصميم"؛ يصف عبد الرحمن الأبنودي حب ناجي العلي لوطنه فلسطين بالغشيم، ورغم انه وصف خاص جدًا ومميز للحب، لكن هل يمكن للحب ألا يكون غشيمًا؟

30 نوفمبر/تشرين الثاني 1996

كنت طفلًا أبكي من الخوف عندما يصيح أبي مع كل احتفال بهدف يحرزه فريقه، الذي سأعرف لاحقًا أنه الزمالك.

أتذكرُ بشكل ضبابي كأس العالم 1994 الذي استضافته أمريكا، تحديدًا مباراة النهائي بين إيطاليا والبرازيل، وكيف كنت متعاطفًا أشد التعاطف مع ذلك اللاعب الذي أطاح بركلة الترجيح الأخيرة إلى خارج المرمى، ثم وقف مصدومًا يتأملها حيث ذهبت، سأعرف لاحقًا أنه روبيرتو باجيو، وأن الفائز يومها كان منتخب البرازيل، الذي عرفت أنه أقوى منتخب في العالم فنفرت منه دون سبب.

مبارة العودة كاملة بين الزمالك وشوتنج ستار


إن ما جذبني إلى كرة القدم كانت ركلات الترجيح من نقطة الجزاء، أحببت أن تنتهي كل اللقاءات بالتعادل حتى أستمتع بمشاهدتها، لكن في تلك المرة، ولأن الزمالك كان يلعب مباراة تبدو أهم مباراة في العالم، وأهم حتى من مباراة البرازيل وإيطاليا، كان أبي وأخي الأكبر يشجعان بحماس شديد فانتقل لي خوفهما من ضربات الترجيح التي يتحكم الحظ في نتيجتها بدرجة كبيرة، فظللت أشجع الزمالك حتى يفوز في وقت المباراة الأصلي، لكن الدرس الأول الذي يجب أن تتعلمه إذا قررت تشجيع الزمالك هو أن "ما تخشاه سيحدث".

وبالفعل ما خشيناه حدث، انتهى الوقت الأصلي واضطر الزمالك لضربات الترجيح، التي صارت تخيفني للمرة الأولى، حتى انتهت بتخطي الزمالك شوتنج ستارز وفوزه بدوري أبطال أفريقيا في ليلة 30 نوفمبر 1996، للمرة الرابعة في تاريخه والأولى في تاريخي.

28 مايو/آيار 1999

كأس مصر هي أكثر بطولة شاهدت الزمالك يتوج بها، لكن هذه المرة كانت مختلفة، لأنني تعرفت يومها على أحد مجاذيب الزمالك و"الغشيم" في حبه محمود أبو رجيلة.

كانت الأجواء في ذلك اليوم، 28 مايو 1999، أقل حدة منها في مباراة شوتنج ستارز، أفهم أن كأس مصر بطولة أقل أهمية لكنه يظل نهائيًا وتظل بطولة خاصة بالنسبة للطفل الذي لم يكن قد أكمل بعد عامه العاشر، وفاز الزمالك على الإسماعيلي بثلاثة أهداف لهدف، وتوج بكأس مصر.

2 مارس/آذار 2001

لم تبدأ علاقتي بحازم إمام من الزمالك، لأنه كان احترف في أودينيزي الإيطالي في سن صغيرة، بل بدأت مع منتخب مصر في بطولة أفريقيا 1998، التي تألق فيها حازم وصنع العديد من الأهداف لحسام حسن، تحديدًا بدأت علاقاتي بالثعلب من ركلات الترجيح أيضًا، مثل باجيو، ولكن حازم سجلها في شباك ساحل العاج هذه المرة محرزًا الفوز لمصر التي تأهلت لنصف النهائي للمرة الأولى بعد 12 سنة من الخروج من ربع النهائي، يومها عندما سجل حازم الركلة الأخيرة والحاسمة هتف المعلق "حازم محمد يحيى الحرية إمام"؛ تعلقت بهذا الاسم وبات أحد أبطالي الذين أتابع أخبارهم وهو يلعب بعيدًا في وقت لم تكن متابعة أخبار المحترفين أو مشاهدة ملخص لمساتهم بالأمر السهل كما هو الآن.

ثم أعلن عن عودة حازم قبل مباراة القمة في موسم 200/2001 بأسبوع واحد فقط، فيما ظلت أخبار تأخر بطاقته الدولية وعدم تمكنه من لعب المباراة منتشرة على مدار ما تبقى من أيام على المباراة، وفي صباح يوم المباراة نفسه أعلنت الأهرام أن البطاقة الدولية لم تصل بعد وأن حازم لن يتمكن من لعب المباراة، لكنها كانت وصلت بالفعل وخرجت قائمة الألماني أوتوفيستر وحازم من ضمن البدلاء.

أبرز لقطات مباراة الزمالك والأهلي (3-1) موسم 2000-2001


فاز الزمالك على الأهلي وحقق درع الدوري في ذلك العام بعد غياب سبع سنوات، وفزت بدرعي الأول كمشجع للفريق، لكن ما تبقى حقًا في ذاكرتي من ليلة 2 مارس 2001، هو هتاف ارتجالي هتفه جمهور الزمالك فور الإعلان عن نزول حازم إلى ملعب المباراة "العو أهو"، والحقيقة أنه كان "عو" بالفعل، والحقيقة أيضًا أنهم خافوا كثيرًا.

16 يناير/كانون الثاني 2003

"أعداؤه كرهوه ودي نعمة"

الأبنودي


للزمالك ألف غشيم في حبه، بل ملايين؛ لذلك سيرفض محمد صبري أموال الخليج ليلعب مبارتين فقط مع الزمالك، ويبكي عبد الواحد السيد في الملعب عندما يتسبب في هدف يدخل شباكه، سيحضر ذلك المشجع الضرير إلى الاستاد لدعم الزمالك حتى وهو يعرف أنه لن يشاهده وفي يده راديو يسمع فيه ما يجري أمامه، سيظل الملايين يشجعون الزمالك رغم كل الإحباطات والهزائم المتكررة، ويغني أحد المشجعين وحيدًا "لو لحظة انكسار وراك جمهور أسود عمره ما انهار"، في الدقائق الأخيرة من مباراة الهزيمة الثقيلة من حرس الحدود بخمسة أهدف للا شيء.

لكن يظل شيكابالا هو أفضل تجسيد للغشيم في حب الزمالك، مهارات من حازم وسمار من أحمد الكاس وقدم يسرى صاروخية من محمد صبري وانفعال طفل صغير يحب الزمالك ويريد أن يفعل كل شيء من أجله، فنحبه حتى لو لم يفعل شيئًا.

هدف شيكا في غزل المحلة


يظهر شيكا كمراهق ابن 16 سنة في مباراة غزل المحلة في كأس مصر ويسجل هدفًا رائعًا يعد بالكثير، وأنه في كل مرة سيأتي بشيء إعجازي لا يقدر عليه سواه؛ ننتظر من غيره المقبول ومنه ننتظر المعجزة، يحملنا شيكا سنوات بعد ذلك وحيدًا ويحاول الطيران فيقع منهكًا لأنه إنسان، ونغضب منه لأنه بدا كإنسان عادي، فيحاول مرة أخرى ويفشل أو ينجح، لكن ذلك لا يؤثر في حبنا له بالمرة.

ربما يقول أحدهم "شيكابالا قليل الأدب وماعندوش إنجازات، أنا مارضالكوش الحقيقة يبقى دا أسطورتكم"، هذا الشخص ومن يتبنى رأيه، لن يفهموا أبدًا أن شيكابالا أسطورة، لأننه ببساطة "شبهنا"؛ شيكا مثل كل المتيمين بالنادي، غشيم في حبه، بطولته الأهم هي لحظة رقصه مع الجمهور، يحب الكؤوس بالطبع لكنه يحب أيضًا الترقيصة الحلوة واللعبة الحلوة واللمسة الحلوة، لا شيء منهم يغني عن الآخر، شيكابالا ليس نبيًا أو قديسًا، لم يكن يومًا ملك، هو الصعلوك الذي أحببناه ونصبناه علينا.

23 مايو 2003

عندما تشجع الزمالك ستعرف أن السهل صعب. لا تتوقع منه شيئًا لأنه دائمًا يخبئ المفاجأة مرة وحلوة، لا تنظر إلى قوتك أو قوة المنافس، ولا تنتظر إشارات أو تحليل منطقي يقودك إلى نتائج، لا تأمل أكثر من اللازم، لكن أيضًا لا تفقد الأمل، عندما تشجع الزمالك فقط شجعه.

يوم 23 مايو 2003 كان اليوم المنتظر لتتويج الأهلي بالدوري الغائب منذ عامين، امتلأ استاد المقاولون العرب بمشجعين يرتدون الأحمر ويحملون لافتات الاحتفال بالفوز بالدوري، بينما يلعب الزمالك مع الإسماعيلي في استاد القاهرة في مباراة باردة لا دوافع كبيرة فيها، كان الأهلي يحتاج للفوز على إنبي الصاعد حديثًا للدوري، فيما ستمنح خسارته مع فوز الزمالك على الإسماعيلي الدرع للأبيض.

قبل تلك المباراة بأيام خسر إنبي من المنصورة الهابط للدرجة الثانية، فقال أبي بحسم إن إنبي هيكسب الأهلي، لأضحك وأخي "إنبي اللي خسر من المنصورة هيكسب الأهلي؟" قال أبي يتوعدنا "هتشوفوا".

هدف سيد عبد النعيم الشهير في الأهلي


شاهدنا المباراتين في الوقت نفسه ننتظر المعجزة التي بشر بحدوثها أبي؛ سجل سيد عبد النعيم هدف إنبي في الأهلي، ثم سجل الزمالك هدفًا في شباك الإسماعيلي، وانتهت المباراة بفوزه بذلك الهدف مقابل لا شيء، ثم وقف اللاعبون ينتظرون صافرة نهاية مباراة الأهلي الذي حاول التعديل كثيرًا، وفجأة قفز عبد المنصف من مكانه يجري ثم تبعه لاعبو الفريق؛ فاز الزمالك بالدوري الأجمل؛ "دا أحلى دوري أخدناه في حياتنا يا رزة" لا أحد كان ينتظر ما حدث، لكن ألم أقل لا تتوقع؟ في ذلك اليوم عشت أجمل عشت أجمل ليلة في حياتي من تشجيع الزمالك، حتى الآن لا أصدق أنني عشتها.

في الصباح أرسلني أبي لشراء كل الجرائد، لا أبالغ، كل الجرائد لنتابع ما قيل عن المباراة ونستعيد تلك اللحظة مرارًا.

9 نوفمبر 2013

في 2003 فاز الزمالك بالدوري وبأبطال إفريقيا مرة أخرى ثم الكأس في توديع حازم إمام واعتزاله، ثم لا شيء بعد ذلك ولعشر سنوات تالية.

سنوات عجاف تمر على الزمالك يسيطر فيها غريمه وخصمه الأزلي على كل شيء محليًا وقاريًا، نخسر ونخسر ونخسر ثم نفوز فيكون الفوز هو الاستثناء، يتم تخريب النادي بفعل الفساد أو الغباء أو مزيج بينهما؛ شيكابالا يحمل الزمالك على أكتافه ويحاول مرارًا لكن فريق تتغير إدارته وأجهزته الفنية بشكل مستمر يصبح الفوز فيه أمر مستبعد؛ نحاول أن ننجح فنفشل، ونحاول أن نيأس فنفشل أيضًا، ثم تأتي الثورة وتتراجع أهمية الكرة في نفوسنا، لكن مع عودتها نعود ويعود فينا الأمل من جديد؛ وصل الزمالك إلى نهائي كأس مصر 2013 في مفاجأة بمقاييس تلك الفترة، ثم يفوز به الزمالك أشاهد ما لم أشاهده أبدًا، يأخذ شيكابالا كأس البطولة ويتجه ناحية جمهور الزمالك ويمنحه لسيد مشاغب ليرفع الكأس قبل معظم لاعبي الفريق.

شيكابالا في مدرجات الزمالك مع الوايت نايتس


أتابع كرة القدم منذ حوالي 25 سنة، شاهدت مباريات في كل العالم ولم أشاهد أبدًا جمهورًا يرفع كأسًا قبل اللاعبين.

شيكابالا يفهم معاناة جمهور لا ينتصر منذ سنوات، يفهم لأنه أحد أفراد ذلك الجمهور.

8 فبراير/ شباط 2015

مذبحة الدفاع الجوي؛ جرح غائر يؤرق علاقتي بكرة القدم والزمالك، فأتوقف عن مشاهدة الفريق والكرة المحلية بشكل عام، ويصيبني ما يشبه الكفر بما آمنت به لقرابة العشرين سنة، خلل شديد كان يصيبني عندما أشاهد الزمالك صدفة على إحدى الشاشات، وكراهية عميقة أكنها نحو كل من تسبب في تلك الكارثة.

لم أحب مرتضى منصور يومًا، لكن تلك الكارثة كانت اللحظة التي أدركت فيها أنه الحاجز بيني وبين فريقي.

فاز الزمالك بالدوري الذي كنت أنتظره منذ 2004 ولم أحتفل، فاز بالكأس ولم أحتفل، بل لم أشاهد مباريات التتويج حتى الآن، أقول لنفسي "لو كان شيكا هنا ماكنش كل دا هيحصل"، مرة أخرى أحمّل شيكابالا الذي انتقل لأحد أندية البرتغال أكثر مما يحتمل، وأنتظر منه المعجزة.

24 أغسطس/آب 2021

لم أحب هذا التاريخ أبدًا، كنت أشعر دائما بضيق شديد فيه وخاصة عندما يهتم به الناس ويبدأون في إرسال رسائل التهنئة متمنين لي العمر المديد ودوام الصحة والعافية، لكن في عيد ميلادي الثاني والثلاثين كان الأمر مختلفًا، انتظرت في ذلك اليوم هديتي من شيكابالا شخصيًا، انتظرت الفوز في مباراة الإنتاج الحربي، التي ستعني الفوز بالدوري، بعد رحيل مرتضى منصور عن إدارة الزمالك.

الدوري الذي أنتظره من 2004 جاء الآن، شيكابالا آتى به، رما يقول أحدهم "عندنا منه كتير": الدوري، فأقول له "عندنا منه واحد بس": شيكابالا.