دير درنكة- الصورة: فليكر La Pulgarcita برخصة المشاع الإبداعي

ثلاث زيارات إلى درنكة: قدس الغلابة في مصر

ليست الصورة ضبابية تمامًا، ولكنها باهتة مثل صورة التقطها صبي بكاميرا متهالكة في الثمانينيات، كانت زيارتي الأولى، أنام في حضن أمي الملتصقة بأبي في آخر مقعد خشبي بقطار الدرجة الثالثة؛ ها هو الساحر يشد انتباه الجميع في عربة مزدحمة جدًا، ويذهلهم بعد أن وضع مسمارًا حديديًا كبيرًا في أذنه ليخرجه من فمه، لا أرى منه غير رأسه، مجرد رأس ساحت تفاصيله بفعل حركته المتسارعة، لا أذكر شيئًا من كلماته، كان جلباب أبي بنيًا، ومن المؤكد أن أمي اتشحت بالسواد، فلا أذكر أنها ارتدت لونًا آخر سواه.

أسيوط 85

ونعيش ونزورك يا عدرا.. ونقزقز فولك يا عدرا

كل الذكريات التي تخص زيارتي دير درنكة تعود إلى طفولتي، عجيب هذا العقل كيف يحتفظ بكل تلك الصور والروائح والألوان والبشر دون أن ندري، ويخرجها دون أن نستدعيها؛ يتصرف من تلقاء نفسه دون أوامر مني، لكن ما جعل عقلي يخزن هذه الذكرى تحديدًا، هو أن صندلي الجديد ضاع مني في القطار وأنا نائم إلى جوار أمي وأبي، سرقته امرأة من الغجر، كانت تجلس تلاطفني من خلف خشبات المقعد الواسعة، نصف المهشمة، وأنا خائف من ملامحها وقرط فضي كبير يتدلى من أنفها، أغلقت عيناي لأنساها فغفوت، ولم أكتشف ضياع صندلي سوى عندما توقف القطار، ولفحني أبي على كتفه، لحمايتي من الزحام أثناء نزولنا، أطل من شباك القطار لمحاولة قراءة كلمة "أسيوط" على لافتة حديدية ضخمة.

دير درنكة- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

أ..سـ.. يـ .. و... لم أكد أنهها حتى انتفضت أمي تسألني عن صندلي، بحثنا عنه تحت المقعد، لكن أبي الذي ضحك بخبرة العالم ببواطن القطارات والسفر قال موجهًا حديثه لأمي "تعيشي وتزوري"، فالصندل سُرق مني أثناء نومي، تم سلته من قدمي الصغيرتين المتدليتين من الكرسي دون أن يلحظ أحد، أسمع صوت أمي وهي تدعو على من فعلها، صوتها واضح تمامًا وأقوى من الصورة حتى "ما فيش غير الغجرية اللي عملتها، العدرا تشلّها".

ملوي 95

ما حدش جناكي نخلتك يا عدرا ما حدش جناكي

جناها ولدي يا عدرا وداب في هواكي

وأجيبلك عباية وادعيلي يا أمه.. وأجيبلك عباية

وأجيبلك عباية وادعيلك يا ابني.. يا سند الولايا

لا أتذكر اسم المرأة التي كان صوتها يترنم بهذه الترتيلة فيما يشبه العديد، لكن صوتها كان يخرج منها فرحًا وطربًا، ترقص كلماتها في أعمق أعماقها وحتى مسامع الجالسين في سيارة نصف نقل ماركة دايهاتسو، مغطاة بتندة حديدية يحيط بها شكائر نايلون مضفرة بالسلك ومربوطة إلى التندة من كل جانب. أذكر أنه كان من غير المسموح لسيارات النقل دخول محيط الدير دون هذه التندة، التي كانت تحرمني من الاستمتاع بمنظر الطريق الزراعي من ملوي وحتى أسيوط ودير درنكة، وكنت أحاول قطع الأكياس فيها أو توسعة الفراغات لأسترق النظر للقطارات التي تسابقنا إلى الجنوب، وأشكال وألوان السيارات التي تزاحمنا الأسفلت جيئة وذهابًا، وحتى رعشة البدن في دخول شوارع أسيوط، والصعود إلى جبل درنكة.

كانت امرأة سمينة لكنها رشيقة، هذا ما أثبتته وهي تهم للركوب إلى الصندوق الممتلئ بصفائح الجبن وأخوتي وبي؛ أبي وأمي يركبان في الكابينة إلى جوار عم فاروق، السائق وصاحب السيارة وصديق أبي وشريكه في رحلات أسيوط التجارية كل أسبوع.

كانت المرأة تنتظر السيارة الأجرة التي عليها الدور في الموقف، قبل أن تشير إلى سيارتنا عندما تعرفت على والدي، الذي أخبرنا عندما وصلنا أنها قريبة لنا من بعيد؛ عرفت أننا ذاهبون لزيارة درنكة، وفجأة وجدناها تقفز في الصندوق وتسلم علينا واحدًا واحدًا، وتبوسنا من خدودنا بحب الأمهات الفلاحات الطازج، ثم افترشت الجزء الخلفي من السيارة، وسندت ظهرها على الباب وهي تشكر العدرا على تسهيلها مشوارها بإرسالنا لها في تلك اللحظة، كانت سيدة في العقد الخامس من عمرها تقريبًا، بيضاء البشرة وترتدي فستانًا بطابع فلاحي يظهر سمانتيها الضخمتين جدًا، أذكر لون فستانها الأخضر المنقوش بورود كثيرة وصليبها الخشبي الكبير المعلق بـ"قطان" خيط في رقبتها و"حردية" زرقاء، آثار الشمس على صدرها واضحة، لكن أجمل ما أحببته فيها هو زغرودتها التي كانت تطلقها نهاية كل ترتيلة تترنم بها أو هتاف لأم النور.

قولوا يا عيال... قالت المرأة التي رافقتنا في رحلتي الأولى بسيارة عم فاروق إلى أسيوط للمبيت في "العدرا"، كانت تتصبب عرقًا بسبب رطوبة أغسطس ولم يفلح معها نسمات الهواء التي تتسرب من بين فتحات التندة، بح صوتها وكانت تلهث كأنها تجري إلى جوار السيارة وليست فوق عجلاتها، لم تفارق الابتسامة وجهها وكأنها "رايحة القدس"، فزيارة جبل درنكة ودير العذراء كان وما يزال "قدس الغلابة" في الصعيد.

سايقها يميني سواق الطيارة.. سايقها يميني

سايقها يميني يحرسك يارب.. ورايا حريمي

سايقها شمالي سواق الطيارة.. سايقها شمالي

سايقها شمالي يحرسك يا رب.. ورايا عيالي

اقتربنا من دير المحرّق، أحد الأديرة العريقة في مصر باسم العذراء مريم، نطلق عليه أيضًا اسم "العدرا القبلية"، فهناك "العدرا البحرية" والمقصود به دير العذراء في جبل الطير بسمالوط، وهنا في القوصية "العدرا القبلية".

دير المحرق بأسواره الشاهقة، التي قالت لي أمي إن به المذبح المذكور في الإنجيل "سيكون لي مذبح في وسط مصر" (إشعياء 19:19)، حيث تقول أسطورة إن مذبح كنيسة العذراء القديمة بالدير، يتوسط مصر تمامًا، لكن ما أضافته أمي لي عن اسم الدير "المحرّق" كان أمرًا مؤكدًا، فالاسم جاء من كثرة ما ألم به من حرائق على مر التاريخ، شخصيًا عاصرتُ وشاهدتُ أكثر من حريق في الدير خلال إقامة محبي العذراء وزوارها خلال الاحتفالات التي تدوم خمسة عشر يوما كل عام في بؤونة/يونيو.

كانت الحرائق تسببها، في الغالب، بوابير الجاز، التي تشتعل وتمسك نيرانها في الخيام المنصوبة بالملاءات والكراتين، لازلت أذكر جدران السور الشاهق وعليه آثار الحرائق، لدرجة أن مسؤولي الدير اتخذوا قرارًا بعدم دخول بوابير الجاز مع الأسر التي تأتي للمبيت في ساحة الدير طوال أيام صيام نهضة العذراء، بينما كانت أسرتي تفضل المبيت في الليلة الكبيرة فقط (الليلة الأخيرة) سواءً في العدرا البحرية في شهر بشنس/ مايو، والعدرا القبلية الذي ترتبط الاحتفالات فيه بفترة زراعية انتقالية للذرة الشامية أو "القناديل" في المنيا، حيث دائمًا ما تذكرني أمي بأنها أيام "الستة وعشرين بتوع العدرا"، التي تبدأ مع احتفالات "العدرا القبلية"، وحتى احتفالات عيد العذراء بأديرتها والكنائس التي تحمل اسمها، منذ بداية الذي ينتهي يوم 22 مسرى/ أغسطس من كل عام، الذي نزور فيه أيضًا أخر محطة للعائلة المقدسة في مصر: دير درنكة بأسيوط، حيث نفترش الحصر والملاءات في أي مترين فارغين قرب أحد الكنائس.

في هذه الأيام نزور الكنائس المختلفة والمغارة المقدسة للمسيح التي قيل إن العائلة المقدسة نزلت بها عندما زارت مصر، ثم نتجول في المولد الممتد في الصحراء حول الدير بالكامل وفي داخله، لنشاهد الذبائح المقدمة للعذراء كنذور سنوي معتاد من البعض، ونأخذ البركة من كل الصور والأيقونات التي تصادفنا، ونحضر الزفة اليومية التي تبدأ وتنتهي بالمغارة المقدسة ويطوف فيها المطران بصحبة الكهنة والرهبان والشمامسة الذين يحملون أيقونات ضخمة للسيدة العذراء والشموع، يرتلون ويرتل معهم الجميع على أنغام الناقوس مديح العذراء في موكب كرنفالي ممتع.

في الليل نسهر، بعد الأكل والراحة ننتظر "ظهور العذراء السنوي المعتاد لمريديها على هيئة حمامة قرب الفجر"، لتنطلق الزغاريد والصفير والهتاف في كل مرة تظهر فيها حمامة بيضاء على قباب الكنائس، وحتى طلوع النهار، وفض المولد.

درنكة 2021

لا أعلم ما الذي جعلني أوافق على عرض أمي بأن أرافقها في زيارة عدرة درنكة هذا العام، سوى إرضائها فقط، لم يكن في بالي تلك الزيارة بعد عشرين سنة أو أكثر منذ آخر مرة زرت فيها درنكة، وأكثر من ذلك بكثير منذ آخر مرة زرناها معًا وهي تمسك بيدي فيما نصعد الجبل في عز القيظ.

قالت لي أمي "ندرت للعدرا أزورها معاك لما تتجوز وتخلف"، تحققت أمنية أمي، وتزوجت أخيرًا، لكن زوجتي ما تزال في شهور حملها الأولى، ولم تستطع الحضور معنا، كنت وأمي فقط هذه المرة، ربما طلبت مني مرافقتها اليوم لأكون بقربها وهي تدعو أمام أيقونات العذراء الكثيرة في الدير المقدس، وأن تشاهدني العدرا بعدما صرت رجلًا كاملًا تزوجت وأنجبت كما تعشمت أمي.

دير درنكة- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

كانت فرحة أمي جمة عندما رأت المصاعد الزجاجية الضخمة تصعد من أسفل الجبل وحتى مدخل الدير في أعلاه، فيما تنفست الصعداء بعد أن كنت أحمل هم صعودنا الجبل سيرً على الأقدام، بدا واضحًا أن الدير لم يعد كما كان زمان في أخر مرة زرته فيها، فقد شهد الكثير من التطور، وهو ما تجلى واضحًا في المغارة الأثرية التي كانت تعيش فيها العائلة المقدسة منذ ألفي عام.

زادت فرحة أمي عندما رأت السيراميك الملون في أرضية المغارة، والمقاعد المنتشرة، وأجهزة التكييف التي طردت الحر والرطوبة خارج المغارة الضيقة، بينما جلستُ أسترجع صورة المغارة القديمة، قبل أن تتحول على أيدي المجددين إلى ما يشبه قاعة الأفراح.