صاحبة قناة "مطبخ لومي لوما". الصورة: يوتيوب

أنا وماري ولومي والعشاء الأخير

أحس الرجل الإسباني ذي الأربعين عامًا أن حرارته مرتفعة، فأجرى اختبار البي سي آر، ثم ذهب إلى عمله في إحدى الصالات الرياضية دون أن ينتظر نتيجة التحليل، متجاهلًا التحذيرات. طلب منه رفاقه أن يعود إلى منزله ويعزل نفسه، إذ بدت عليه عوارض الإصابة بكورونا، فرد طلبهم بخلع الكمامة ومطاردتهم والسعال بوجوههم وهو يتوعدهم بنشر العدوى.

وثَّق العلماء على مدار السنين تنامي ظاهرة الـ Stealthing، وهي تعمُّد بعض الرجال المصابين بأمراض تناسلية، خاصة الإيدز، نقل العدوى لشركائهم، وربما الاجتهاد بنقلها لأكبر عدد ممكن، ويقال إن ذلك كان إحدى الهوايات السرية للفيلسوف الفرنسي الشهير ميشيل فوكو، لكن حتى 2019، لم يناقش العلماء النشر المتعمد للإنفلونزا أو غيرها من الأمراض المنقولة بالهواء إلا في إطار توقع سيناريوهات الحروب البيولوجية والعمليات الإرهابية.

سيحتل الإسباني مكانة خاصة في أبحاث علماء النفس والاجتماع والوقاية المجتمعية لسنوات قادمة. يبدو وكأن الرجل ممثلًا لنوع نادر من الشر الصريح، واضح النوايا والأفعال. يحذِّر المرء أنه سينقل عدوى قاتلة لمن حوله، ثم ينفذ تهديده فورًا.

ليت الأمر دائمًا بهذه البساطة.

القاهرة.. نيويورك

تقف السيدة المصرية صاحبة قناة مطبخ لومي لوما على يوتيوب أمام الكاميرا وهي ترتدي كمامة، صوتها يتهدج ونفَسها يتحشرج، لكنها لا تتوقف عن مخاطبة جمهورها. تقول في الفيديو الذي كتبت عليه "تحدي الكورونا"، إنها أصيبت وابنتها بالمرض، لكنها لن تسمح له بالانتصار، فقررت أن تعود إلى مطبخها وتعد إفطار رمضان.

تدعي السيدة أنها تتبع تعليمات الطبيب بدقة، وأنها عزلت نفسها وابنتيها المصابتين عن زوجها وابنها اللذين نجيا من العدوى. بنهاية الفيديو، تتفاخر السيدة قائلة "مش إحنا اللي شوية كورونا تهدنا وتقعدنا في السرير". تستعرض أطباق الملوخية وطاجن البطاطس والدجاج والجلاش. تلمس كل ذلك بيديها العاريتين لتستعرض جوانبه أمام الكاميرا قبل أن تقدمه لأسرتها.


"تحدي الكورونا" من مطبخ لومي لوما


تحول فيديو السيدة إلى ميم ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، مصحوبًا بتعليق "العشاء الأخير". لومي، وهي واقفة في مطبخها، عالمة بإصابتها بعدوى قاتلة، واثقة في صحة فعلتها، تعيد للأذهان أشهر واقعة حجر صحي في التاريخ.

عام 1906، نمى لعلم السلطات الصحية في ولاية نيويورك الأمريكية أن ستة أفراد من أسرة ثرية أصيبوا بحمى التيفود، وهو مرض ينتج عن بكتيريا قد تلوِّث الطعام والشراب، فتصيب المرضى بالحمى والصداع، وربما تنتهي بهم لفقدان الوزن الحاد ثم الموت. سعت السلطات لتتبع مصدر العدوى، فوجدوا عدة حالات مشابهة بأنحاء الولاية تمتد من 1901 وحتى الحالة الأخيرة. بعد كثير من التحقيق ومحاولة البحث عن سبب الإصابات الغامضة، تيقنت السلطات أن هناك عامل واحد فقط يربطها جميعًا: الطباخة ماري مالون.

كانت مالون وقتها في السابعة والثلاثين من عمرها، ولا تعاني أي أعراض مرضية أو مشكلات صحية على الإطلاق. لذلك، شعرت بصدمة هائلة حين أتاها مفتش صحي يطلب منها، بأدب شديد، أن تعطيه عينات من دمها وبولها وبرازها، فأمسكت بشوكة طبخ ضخمة وطاردت المفتش الذي فر هاربًا.

حضرت الشرطة بعد عدة أيام، وقبضت على ماري التي لا شك كانت تشعر بظلم هائل وأنها ضحية مؤامرة غير مفهومة، وأخضعها الأطباء لاختبارات وتحليلات فاكتشفوا المفاجأة المروّعة. ماري هي أول مريضة في تاريخ أمريكا الشمالية تصاب ببكتيريا سالمونيلا تايفي المسببة للتيفود، دون أن يؤذيها المرض أو تعاني أي أعراض على الإطلاق.

فرضت السلطات حجرًا صحيًا إجباريًا على ماري. ظلت تتقدم بالتظلمات وتشكو وحدتها الأليمة، فكتبت "لم أعانِ يومًا واحدًا من التيفود. لماذا أُجبر على العزلة مثل مرضى الجزام، وأُحبس منفردة لا يرافقني سوى كلب؟"

أُفرج عن ماري بعد 3 سنوات من الحجر بشرط واحد فقط: ألا تمتهن الطبخ أبدًا. عملت ماري في غسل الملابس، بأجر أقل من نصف ما كانت تكسبه من الطبخ، وأصيبت أثناء عملها بجرح أعجزها عن العمل ستة أشهر. الحكومة بالطبع مذنبة أنها لم تؤهل ماري لمهنة أخرى ولم تهتم بمصيرها بعد أن منعتها من مصدر رزقها الوحيد، لكن ذلك أيضًا لا يبرر ما فعلته بعدها.

عام 1915، هاجم التيفود 25 من أطباء وممرضي إحدى مستشفيات نيويورك. تقصت السلطات سبب العدوى فوجدوا أن المصابين كلهم تناولوا آيس كريم ملوث أعدته طباخة تدعى السيدة براون. مزيد من التقصي كشف أن براون هي نفسها ماري مالون. هذه المرة، لم تتردد السلطات، وأصدرت بيانًا قاطعًا "لم يعد لماري الآن أن تدعي أنها مصابة بريئة لا ذنب لها.. خاطرت عن علم وعمد بأرواح الآخرين، ويجب معاملتها على هذا الأساس".

ماري مالون. صورة برخصة المشاع الإبداعي: ويكيبيديا

أعادت السلطات ماري إلى الحجر الصحي الإجباري لباقي حياتها، حتى ماتت عن عمر 96 سنة قضت منها 26 في العزل. يسجل التاريخ ثلاث وفيات مؤكدة من التيفود تسببت ماري فيها، لكن العدد الحقيقي مجهول، إذ أنها عملت طباخة في أماكن كثيرة تحت أسماء وهويات مستعارة، وحرصت ألا تطيل البقاء في أي مكان حتى لا ينكشف أمرها.

أما لومي فتحظى بأكثر من ربع مليون متابع ومتابعة على قناتها على يوتيوب. كم منهم مصاب بكورونا؟ هل شاهد الفيديو رجل وقارن زوجته المريضة بالسيدة لومي واتهمها بالكسل والتخاذل؟ كم سيدة تأثرت بالفيديو، وأعدت لأسرتها صواني البطاطس بالفيروس؟

قراءات الحجر المنزلي

لم يوثق العلماء بعد حالات تعمد نقل العدوى الفيروسية المنقولة بالهواء، بحسب كتاب سيكولوجية الأوبئة لعالم النفس الكندي ستيفن تايلور، الذي نشر كتابه في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، واستعرض فيه دراسات نفسية عديدة ودروسًا متنوعة من الأوبئة السابقة التي مرت بالبشرية، مثل الإنفلونزا الإسبانية والطاعون، وأعقبها بشرح استنتاجاته وتصوراته حول تعامل البشر مع الوباء القادم، دون أن يعلم أنها سيراها تتحقق بعد شهرين فقط.

تحدث تايلور عن أن بعض الناس سيتخلصون من حيواناتهم الأليفة خوفًا من العدوى، وسيعانون مستويات حادة من القلق، وأن المرضى النفسيين والمتعايشين مع اكتئاب ما بعد الصدمة سيواجهون الأيام الأصعب.

وتكلم عن خطورة تسمية الوباء باسم بلد أو جنسية أو حيوان بعينه، وأن لذلك نتائج مدمرة قد تتجسد في موجات من العنف العنصري. وتحدث عن رافضي تناول اللقاحات ومروجي نظريات المؤامرة، ودوافعهم التي تتنوع بين السذاجة وضعف القدرات النقدية، والنرجسية الشديدة التي يغذيها الإحساس الوهمي بأن لديهم معارف ومعلومات خاصة لا يحظى بها الجميع. وعن أن البعض لديه ما يسمى "التفاؤل غير الواقعي" الذي يدفعهم للإحساس بأن المصائب تصيب الآخرين وحدهم، مهما أحاطت بهم الأخطار والتحذيرات، وأن أولئك سيكونون دائمًا أقل اهتمامًا بغسيل أيديهم واتباع الإجراءات الوقائية مع علمهم بأهميتها.

وتحدث عن أشياء أخرى كثيرة.

طيف ماري

تتسارع أنفاسي محاولًا إدخال المزيد من الأكسجين إلى رئتي، يمتد الألم الحاد تدريجيًا من أسفل الرقبة لمنتصف الظهر، وترتفع درجة حرارة جسدي. يؤثر الوباء اللعين على تركيزي، فلا أستطيع أن أتابع فيلمًا لآخره، أو أقرأ صفحة من كتاب دون تشتت. ألجأ لمواقع التواصل الاجتماعي كي أشغل وقتي قليلًا، فأجد نفسي في مناقشات مع المشككين في اللقاحات، والكارهين للأطباء، والعالمين ببواطن المؤامرات، فتزيدني غضبًا.

أستغل مرضي في أن أبث مزيدًا من الخوف الصحي في نفس أمي، أستحلفها على الهاتف ألا تتهاون في إجراءات الوقاية وأن تسعى لتلقي اللقاح في أقرب فرصة. تخبرني عن نصائح بعض من حولها بعدم تلقي اللقاح وأضراره المحتملة، فألعن أسلافهم جميعًا، وأرجوها أن تتجاهل كل هذا الهراء وأن تثق في رأيي هذه المرة، فتُقبل على التسجيل دون حماسة.


اقرأ أيضًا: مخاوف غير علمية وحملات توعية غائبة: لماذا يخشى الكثيرون من اللقاح؟


أنهى كوفيد-19 حياة أحد أقرب المقربين إلى قلبي. أصاب من أصاب من الأهل والأحباب والأصدقاء، وأصابني شخصيًا مرتين ففرض عليَّ أسابيع من القلق والعزلة القاسية. أخرج من التجربة، مثل غيري ممن وصفهم تايلور، بمزاج سيئ وشعور عام بالإحباط والإرهاق النفسي ممزوج باللوعة على الراحلين. غير أن كتاباته، وكتابات غيره، لا تشفي الغليل ولا تهدئ الغضب، ولا تساعدني كي أكتفي بالتفاسير المنطقية لكل ما يحدث.

يأتيني نبأ الرجل الإسباني فأتمنى أن يكون الجميع مثله، صريح في نواياه، واضح في شروره، يسهل التعرف عليه وتجنبه والسيطرة على تأثيره. الخطر الحقيقي من أولئك الآخرين، أولئك الذين بداخلهم بعض الجهل، فيسيئون تفسير نصائح الأطباء، وبعض الأنانية، فيضعون معاشهم فوق مصلحة الآخرين، وبعض التفاؤل الأحمق فيظنون أن أفعالهم لن يكون لها نتائج سلبية.

أراهم في الشوارع دون كمامات، وفي المقاهي يدخنون الشيشة، وفي فيديوهات يوتيوب يعدون الطعام لعائلاتهم، فأخالهم جميعًا قطعانًا من الزومبي تلبستهم روح ماري مالون.