معدات للتنقيب عن الغاز على الشاطئ الفلسطيني المحتل- الصورة: فليكر برخصة المشاع الإبداعي

نهب الغاز الفلسطيني: ماذا بعد الحرب على غزة؟

كانت موجة الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على غزة، رغم أنها الأسوأ منذ عام 2014، متوقعة في ظل الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل وتعثر المفاوضات حول احتياطيات الغاز، التي وصلت إلى طريق مسدود قبل شهر واحد من الاعتداءات التي تخفي أيضًا صفقة مشبوهة لاحتكار حقول الغاز الفلسطينية ومصادرتها لصالح إسرائيل والشركات الكبرى.

تلك قصة تعود إلى بداية عام 1999، عندما أعلنت شركة الغاز البريطانية بريتش جاز جروب، اكتشاف حقل غزة البحري غزة مارين على مسافة تتراوح ما بين 17 و21 ميلًا بحريًا قبالة ساحل غزة؛ حفرت الشركة بئرين في الحقل، وأسفرت دراسة الجدوى عن احتياطيات تقدر بـ1.6 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي من النوعية الجيدة، وهي كمية تكفي لتلبية الاحتياجات الداخلية للفلسطينيين في الضفة وغزة، وتسمح بالتصدير.

تملك السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي إطار اتفاق أوسلو الثاني، الذي جرى التوقيع عليه في عام 1995، حق الولاية البحرية على مياهها، في حدود 20 ميلًا بحريًا من ساحل غزة، ووقعت السلطة مع الشركة البريطانية عقدًا مدته 25 عامًا للتنقيب والاستخراج في حقل غزة البحري، تحصل بموجبه الشركة على 90% من الحصص، في حين تحصل السلطة على 10% إلى أن يبدأ الإنتاج، بعدها يمكن التفاوض على زيادة نسبة السلطة الفلسطينية إلى 40%، سوف تحصل شركة اتحاد المقاولين الفلسطينية، المقربة من السلطة، على 30%، وأقرت السلطة الفلسطينية الخطة التي قدمتها الشركة، وتتضمن مد أنبوب لنقل الغاز من البحر إلى غزة، بكلفة قدرت بـ150 مليون دولار.

في 2006 قررت الحكومة الإسرائيلية التفاوض لشراء إسرائيل 500 مليون قدم مكعبة من الغاز الفلسطيني، في مقابل 4 مليارات دولار سنويًا، نصيب الفلسطينيين منها 1 مليار دولار سنويًا، على أن يبدأ التنفيذ في عام 2009، وتم الترويج للصفقة بأنها تحقق منافع متبادلة للطرفين وتهيئ مناخًا جيدًا للسلام، في العام التالي، تغير المناخ السياسي، فتولت حكومة جديدة لحماس في غزة، وانفصلت سياسيًا وإداريًا عن الضفة الغربية، وأعلنت عن نيتها تغيير شروط العقد، خاصة ما يتعلق بنسبة الـ10% التي يحصل عليها الفلسطينيون.

أحد رؤساء أركان الجيش الإسرائيلي السابقين طلب من الحكومة الإسرائيلية عدم إبرام الاتفاق، وحرض على شن حرب على غزة، قائلًا إن تحويل مليار دولار سنويًا للفلسطينيين، يعني أن إسرائيل تمول الإرهاب. وفي ديسمبر/كانون الأول 2008 بدأت إسرائيل عملياتها العسكرية على غزة، التي انتهت بسيطرة إسرائيل على حقول الغاز الفلسطينية البحرية، دون اكتراث بالقانون والاتفاقيات الدولية، التي تعتبر السيادة الفلسطينية على حقول غزة محسومة وليست محلا للتفاوض.


اقرأ أيضًا: فلسطين: دورات العنف واستنزاف طاقة الغضب والأمل


في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اشترت شركة النفط الأمريكية العملاقة شيفرون شركة نوبل إنرجي التي تعاقدت مع إسرائيل لتطوير مواردها البحرية من النفط والغاز. في عام 2017، كانت منظمة سومو وهي منظمة هولندية لحقوق الإنسان، تمولها المفوضية الأوربية ووزارة الخارجية الهولندية، اتهمت في تقرير لها شركة نوبل بالمشاركة في نهب الغاز الفلسطيني، وانتهاك القانون الدولي الإنساني والجنائي.

اعتمدت المنظمة في اتهاماتها على التقرير السنوي للشركة، الذي أكد أنها بدأت قبل خمس سنوات، ومن جانب واحد، في استخراج الغاز من حقل نوح الجنوبي، المتاخم لحقل الحدود الفلسطيني الخاضع للسلطة الفلسطينية، وذكر التقرير الذي كتبته ليديا دي ليو أن خرائط الشركة البريطانية، تؤكد أن استخراج الغاز من حقل نوح، ينتقص وبشكل متزامن من احتياطيات الغاز التي يمكن استخراجها من حقل الحدود الفلسطيني، وأن الشركة لم تأخذ في اعتبارها أن قطاع غزة أرض محتلة، ولم تهتم بحقوق السيادة الفلسطينية على حقل الحدود وحقول ساحل غزة.

استخرجت نوبل إنرجي، بالشراكة مع شركة الطاقة الإسرائيلية ديليك جروب Delek Group ، الغاز من حقول فلسطينية أخرى، منها حقل الحدود الفلسطيني وحقل ماري-بي، الذي يقع ضمن 6600 كيلومترًا مربعًا من المياه البحرية، التي يرجح أن تكون تابعة لفلسطين. يحتوي حقل ماري- بي على 1.5 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي، وهو ما يكفي لتزويد الفلسطينيين لمدة 15 عامًا على الأقل، وتم بيع الغاز الذي استخرجته الشركتان، إلى شركة الكهرباء الإسرائيلية التي تديرها الدولة المحتلة، التي بدورها تبيع الكهرباء للفلسطينيين، وتزود بها المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

حلت شركة شيفرون الأمريكية محل شركة نوبل إنرجي، الأمر الذي يجعل من شركة النفط العملاقة شريكًا متواطئا مع إسرائيل في نهب الغاز الفلسطيني الذي يحدث على مرأى ومسمع، ودون اعتراض، من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية.

حرمان الفلسطينيين من مواردهم

عندما بدأ الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود في 1994، كانت إسرائيل استحوذت على أكثر من 60% من الأراضي في الضفة الغربية وثلثي مراعيها، وعلى 40% من أراضي قطاع غزة القابلة للزراعة، وعلى 85% من مصايد الأسماك، بحسب دراسة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد.

حرم الفلسطينيون من مواردهم المائية من نهري اليرموك والأردن، وتعرضت المياه للتلوث بسبب قيام إسرائيل بتحويل مجرى مياه بحيرة طبرية وتحويل مجرى المد المطري الآتي من تلال الخليل، وفي غزة، تعاني خزانات المياه الجوفية الساحلية، التي تعتبر المصدر الأساسي للشرب، من تسرب الماء المالح إليها، في حين تستنزف إسرائيل المياه الفلسطينية، فاستخرجت كميات فوق المستوى المتفق عليه بموجب المادة 40 من الاتفاقية المؤقتة.

وبعد أكثر من عشر سنوات من الحكم الذاتي، كان أكثر من 85% من المياه الجوفية الفلسطينية، في الضفة وغزة، في قبضة إسرائيل، في الوقت الذي تجبر فيه الفلسطينيين على استيراد أكثر من نصف احتياجاتهم من المياه من إسرائيل، وفيما يتعلق بالاستهلاك الإجمالي، بلغ معدل كمية المياه المستخدمة سنويًا للفرد الواحد 1959 مترًا مكعبًا في إسرائيل، مقارنة بـ238 مترا مكعبا سنويا لكل فرد فلسطيني، بحسب ما يشير إليه الدكتور عدنان عبد الرحمن أبو عامر، في كتابه الحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة: الأسباب، اليوميات، والنتائج.

خلصت دراسة الأونكتاد، التي أنجزها الأستاذ بجامعة ماكماستر الكندية عاطف قبرصي، إلى أن حوض الشام، الذي يمتد على مساحة تقدر بـ83 ألف كيلومتر مربع في شرق البحر الأبيض المتوسط، من أهم مصادر الغاز الطبيعي في العالم، ونقلت عن دائرة المسح الجيولوجي الأمريكية تقديرات أن متوسط ما يمكن الحصول عليه من النفط القابل للاستخراج بـ1.7 مليار برميل، ومن الغاز القابل للاستخراج بـ122 تريليون قدم مكعبة.

وأكدت الدراسة التي حملت عنوان التكاليف الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني: إمكانيات النفط والغاز الطبيعي التي لم تتحقق، أن "للفلسطينيين نصيب كبير ليس فقط في الحقول الواقعة ضمن أراضيهم، بل أيضًا في كل الحقول المشتركة، وينبغي التأكد من حقوق الملكية لكل طرف قبل بدء الاستغلال، و"أن استغلال هذه الموارد المشتركة من قبل أي طرف ينتقص من حصة الأطراف الأخرى" وقدرت الدراسة القيمة الصافية لهذه الموارد بـ524 مليار دولار، وأنه يتوجب توزيعها بشكل منصف بين الأطراف المختلفة.

ووفقًا للدراسة، يواصل الاحتلال منع الفلسطينيين من تطوير حقول الطاقة الخاصة بهم، ويحول دون استغلال هذه الأصول والاستفادة منها، ويحرم الشعب الفلسطيني من منافع استخدام هذه الموارد الطبيعية في تمويل التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتلبية احتياجاته من الطاقة، وتقدر الخسائر المتراكمة المترتبة على ذلك بمليارات الدولارات، و"أن الفلسطينيين خسروا بالفعل حوالي 2.57 مليار دولار بسبب منع إسرائيل لهم من ممارسة حقوقهم في الاستفادة من استغلال مواردهم الطبيعية المكفولة بموجب القانون الدولي، وأنه كلما طالت فترة منع إسرائيل للفلسطينيين من استغلال مواردهم، زادت تكلفة الفرصة البديلة، وزادت تكاليف الاحتلال".

وحذرت الدراسة من أن "الاحتلال أدى إلى إفقار الشعب الفلسطيني، وقوض قدرته على الوصول إلى موارده والاستفادة منها، وحرمه من حقه في التنقل بحرية داخل وطنه والقيام بمعاملات اقتصادية واجتماعية مع جيرانه ومع شركائه التجاريين في جميع أنحاء العالم". وأنه في ظل عدم ترسيم واضح للحدود، وتخصيص منصف لحقوق الملكية، فإن التسارع والاندفاع في استغلال موارد الغاز في شرق المتوسط يحرم الفلسطينيين من حصتهم المشروعة في موارد حوض الشام، في انتهاك واضح للقانون الدولي. وخلصت الدراسة إلى أن منع وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم ومواردهم الطبيعية والمياه وحقول الغاز، هي عوامل أساسية في تطور الصراع ومداه وحدته.

الصراع على الغاز

في عام 2019، أطلقت قبرص واليونان وإسرائيل وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية ومصر منتدى غاز شرق المتوسط EMGF لتطوير مركز إقليمي يمكنه تصدير الغاز إلى أوروبا، وحظيت المبادرة بدعم وزارة الخارجية في عهد ترامب، وحرص وزير الخارجية آنذاك مايك بومبيو على حضور الاجتماعات الأولى، وفي بداية العام الجاري، بدأت جولة جديدة من المحادثات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وقطر والإتحاد الأوربي، تركزت حول الشراكة في تحقيق "الطموح" الإسرائيلي لتصدير غاز شرق البحر المتوسط إلى أوربا، شملت المباحثات آفاق تطوير حقل غزة البحري.

في 21 فبراير 2021، أكد مسئولون من مكتب الرباعية الدولية (الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا)، خطة جديدة لمنتدى غاز شرق المتوسط، تهدف إلى نقل الغاز من حقل ليفياثان الإسرائيلي الذي تديره شركة شيفرون، عبر خط أنابيب إلى إسرائيل، ومن هناك إلى غزة عبر خط أنابيب جديد مقترح، ومن المقرر أن تمول قطر الجزء الإسرائيلي من الخط المقترح، بينما يمول الإتحاد الأوربي الجزء الذي سيصل إلى غزة، وتُوجت الخطة باتفاق 21 فبراير بين إسرائيل ومصر لربط حقل إسرائيلي تديره شركة شيفرون بمنشآت لتسييل الغاز في شمال مصر لتصدير الغاز إلى أوروبا.

وفي اليوم نفسه، وقعت السلطة الفلسطينية في رام الله مذكرة تفاهم مع الشركة المصرية القابضة للغاز الطبيعي المملوكة للدولة لتطوير الحقل، وأعلن صندوق الاستثمار التابع للسلطة الفلسطينية أن الاتفاق سيقدم "حلاً جذرياً لأزمة الطاقة التي يعاني منها قطاع غزة"، وكشف مصدر فلسطيني أن السلطة الفلسطينية "تلقت إشارات إيجابية من الجانب الإسرائيلي بشأن إمكانية تطوير حقل غزة البحري في البحر المتوسط".

في الوقت نفسه يفسر تقرير الأونكتاد قرار إدارة بايدن الأخير بالمضي قدمًا في إتمام صفقة الأسلحة لإسرائيل، الأمر الذي يتوافق مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية التي تقوم على دعم هيمنة إسرائيل على موارد الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، بما في ذلك حقول الغاز الفلسطينية، وفي هذا الإطار يمكن تفسير موافقة الإدارة الأمريكية مؤخرًا على صفقة مبيعات أسلحة لإسرائيل بقيمة 735 مليون دولار مرتبطة بشكل واضح بمخاوف إسرائيلية أمريكية حول أمن موارد الطاقة في المنطقة.

مشكلة حماس

ترفض حركة حماس، التي تسيطر على غزة، إنفراد السلطة الوطنية الفلسطينية بملف مفاوضات واتفاقيات الغاز مع إسرائيل، وردًا على مذكرة التفاهم الفلسطينية المصرية، قال نائب رئيس المكتب السياسي للحركة موسى أبو مرزوق، عبر تويتر ، إن "غزة يجب أن تكون حاضرة في أي تفاهمات حول حقول الغاز على شواطئها". وقال، لا ينبغي أن نقف مكتوفي الأيدي أمام تصدير مواردنا الطبيعية إلى الأراضي البعيدة، بينما تضطر غزة إلى استيراد الغاز الطبيعي من الاحتلال، نحتاج إلى معرفة تفاصيل الاتفاقية التي تم توقيعها مع صندوق الاستثمار".

وفي إشارة إلى دعم إدارة بايدن للخطط الجديدة لتطوير حقول الغاز، تمت الموافقة في مارس الماضي على انضمام الولايات المتحدة رسميًا كمراقب إلى منتدى غاز شرق المتوسط، لكن حماس كررت رفضها لاتفاق غزة البحري، وقال نائب رئيس المجلس التشريعي أحمد بحر، إن "السلطة الفلسطينية لا تملك بأي شكل من الأشكال توقيع الاتفاقيات نيابة عن الشعب الفلسطيني ومؤسساته الشرعية"، وغرد أبو مرزوق بأن حماس ليست ملزمة باحترام أي اتفاق بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

في يوليو 2014 كتب نافيز أحمد في الجارديان عن العلاقة المباشرة بين العمليات العسكرية والوصول إلى الغاز، وعرض في مقاله لوجهة نظر وزير الدفاع الأسبق موشيه يعالون، التي كان قد كتبها قبل عام من عملية الرصاص المصبوب (الحرب على غزة في عام 2008). يرى يعالون، أنه لا يمكن لأعمال تطوير حقول الغاز في غزة أن تستمر، دون موافقة الحركة الإسلامية الراديكالية، ويخلص إلى أنه بدون عملية عسكرية شاملة، تسقط سيطرة حماس على غزة، لا يمكن تطوير حقول الغاز.

يرفض يعلون الفكرة القائلة بأن غاز غزة يمكن أن يكون محركا رئيسيًا لدولة فلسطينية قابلة للحياة باعتبارها فكرة مضللة، ويرى أن أي صفقة للغاز مع السلطة الفلسطينية، لابد وأن تستفيد منها حركة حماس، وأن الحركة إما أن تستفيد من "الإتاوات" أو ستخرب المشروع بشن هجمات ضد حركة فتح أو ضد منشآت الغاز أو ضد إسرائيل، أو ضد الثلاثة جميعهم، لكن أفكار يعالون لم تكن تقتصر على حركة حماس فقط، بل تشمل كافة الفصائل الفلسطينية، يقول يعالون، إن التهديد لا يقتصر على حماس، وأنه"من المستحيل منع بعض عائدات الغاز من الوصول إلى الفصائل الفلسطينية".

هذه النظرة الإسرائيلية المتطرفة كانت هي الأساس وراء سعي إسرائيل لفرض ترتيبات جديدة في غزة بعد وصول حماس إلى السلطة، وتم تعزيز هذه الترتيبات بعد عدوان عام 2008، الذي تضمن، كما أشارت دراسة الأونكتاد، الحصار الشامل لغزة، و"عسكرة ساحل غزة بالكامل، ومصادرة حقول الغاز الفلسطينية، وفرض السيادة الإسرائيلية على المناطق البحرية"، و دمج حقول الغاز الطبيعي في غزة، بما يتعارض مع القانون الدولي، في المنشآت البحرية الإسرائيلية المتاخمة، والتي ترتبط بممر نقل الطاقة الذي يمتد من ميناء إيلات على البحر الأحمر جنوبا، إلى محطة خط الأنابيب البحري في عسقلان وحيفا شمالا.

مروان البرغوثي

كان من المقرر إجراء الانتخابات الفلسطينية التي طال انتظارها في مايو 2021. في نهاية إبريل/نيسان، أعلن عباس تأجيل الانتخابات، ولم تعترض إسرائيل، ولا الولايات المتحدة، ولا أي من شركاء منتدى غاز شرق المتوسط، ولا الاتحاد الأوربي، ولا الأمم المتحدة، وبدلا من السماح للإنتخابات باختيار قيادة فلسطينية جديدة، يمكن أن تصلح ما أفسدته عقود من التفكير العقيم والمفاوضات التي لم تحقق شيئًا، اختاروا تأجيل الإنتخابات لأجل غير مسمى.

وكان استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحيةPCPSR ، ومقره في رام الله، في مارس/آذار الماضي، أن شعبية حركة حماس قد تراجعت إلى حد بعيد، وأن النسبة الأكبر من الفلسطينيين الذين تم استطلاع آراؤهم تعتقد أن حماس سيكون لها تأثير سلبي على فرص تحسين الأوضاع الاقتصادية ورفع الحصار عن غزة. المركز الوطني الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية-وحدة البحوث المسحية-نتائج إستطلاع الرأي العام رقم 79.

على الرغم من زيادة التأييد لحركة فتح، لكن الاستطلاع أشار إلى أنه إذا أجريت الانتخابات في موعدها المقرر، فإن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد يخسر الانتخابات، مما يعرض صفقات الغاز التي تم توقيعها مؤخرا مع إسرائيل ومصر للخطر، وأشار المركز إلى أن "معظم من تم استطلاع آراؤهم، يريدون مروان البرغوثي رئيسا للسلطة الفلسطينية، وأنه إذا ما أجريت انتخابات ثلاثية، بين مروان البرغوثي ومحمود عباس وإسماعيل هنية، سيحصل الأول على 48% من الأصوات والثاني على 29% والثالث على 19%". وربما تؤثر الأحداث الأخيرة على نتائج إي استطلاع جديد للرأي في غزة والضفة، لكن يظل إسم مروان البرغوثي وما يمثله رقما صعبا في معادلة السياسة الفلسطينية.


اقرأ أيضًا: رامي شعث: مقاطعة إسرائيل قد تذهب بك إلى السجن


كان من المتوقع أن تضعف الانتخابات كل من فتح وحماس إلى حد كبير، وتحويل السيطرة على السلطة الفلسطينية إلى وجوه جديدة، وبالتالي تقويض صفقات الغاز الفلسطينية غير المتكافئة التي تم التفاوض عليها مع إسرائيل، و في هذا الصدد، ينقل نافيز عن المعلق الفلسطيني "رمزي بارود" قوله أنه "إذا ما قدر لهذا السيناريو- يقصد الإنتخابات- أن يحدث، فإن فريقًا كاملًا من المليونيرات، الذين حولوا النضال الفلسطيني إلى تجارة رابحة، كانوا معرضين لخطر فقدان كل شيء، لصالح خريطة سياسية جديدة يسيطر عليها الأسير مروان البرغوثي من زنزانته في السجن الإسرائيلي".

اندلعت المواجهات الأخيرة من حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية في 10 مايو الماضي، بسبب رغبة إسرائيل في طرد فلسطينيين من بيوتهم وإحلال مستوطنين مكانهم، في المدينة التي تعتبر محتلة وفقا للقانون الدولي، وفي 12 مايو، أعلنت حماس أنها استهدفت بهجماتها الصاروخية "منصة الغاز الصهيوني"، وأطلقت عشرات الصواريخ على منصة حقل "تمار" التي تديره شركة شيفرون قبالة غزة، وقصفت إسرائيل مواقع مختلفة في غزة، وردت الفصائل الفلسطينية بنحو 4300 صاروخا على أهداف إسرائيلية.

على الجانب الفلسطيني قتل ما لا يقل عن 240 شخصًا، من بينهم 65 طفلاً و39 امرأة، وجرح ما لا يقل عن 1900؛ بينما على الجانب الإسرائيلي قتل 12 شخصًا، بينهم طفلان، وأصيب المئات، وقالت إسرائيل إنها قتلت 160 مسلحا في قطاع غزة، وأدى تصعيد العنف في القدس الشرقية والضفة الغربية وغزة وإسرائيل، بدوره، إلى تشجيع المتحاربين من الجانبين، لدرجة أنه حتى موشيه يعلون نفسه، صرح بأن "التصعيد الأمني ​​يخدم كلا من نتنياهو وحماس، وكلاهما لأسباب سياسية داخلية".

وبعد 11 يومًا من التصعيد والعدوان على غزة، أعلن عن وقف لإطلاق النار بوساطة مصرية، وبعدها بأيام زار مدير المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل غزة ورام الله وتل أبيب لترتيب مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.

ربما يكون من السابق لأوانه القول بأن الحرب الأخيرة أعادت إحياء الحظوظ السياسية لليمين المتطرف، لكنها أوقفت، ولو مؤقتًا، نهب إسرائيل وشيفرون للغاز الفلسطيني، وأكدت أن الغاز الفلسطيني سيظل عنصرًا أساسيًا وحاسمًا في ترتيبات المرحلة القادمة.