تامر محسن. الصورة: صفحته الشخصية على فيسبوك

مشروع تامر محسن الحداثي في موسم البروباجندا الرمضانية

ماذا تعنينا الفرجة على عالم ملؤه المعاناة والتوتر؟ وما فائدة فهمنا لقوانين إسحاق نيوتن وحركة الأجسام فلسفيًا ليس فيزيائيًا على إدراكنا لأحداث مسلسل اختار صناعه أن يستقي اسمه من بندول نيوتن "لعبة نيوتن"؟ وهل فعلًا يصبح تساؤل تامر محسن القديم أكثر نضجًا هنا والآن؟ وعلى الرغم من كل شيء لماذا يحلِّق مشروع تامر محسن الدرامي بعيدًا عن محتوى السباق الرمضاني في كل مرة؟ ما الذي يلفت النظر إلى تامر محسن كمشروع يصلح التأسيس عليه؟

منذ أول أعماله السينمائية أن تنام بهدوء حتى السابعة، حتى الآن يختار في كل مرة مغامرة جديدة بعيدة عن نجاحه السابق. قدّم منذ بداية تجاربه أعمالًا لاقت نجاحًا نقديًا وجماهيريًا كبيرًا ولم يستغلها أو أبطاله الذين نجحوا بها، بدأها بمسلسل بدون ذكر أسماء، وفيلم قط وفار؛ كلاهما مع الكاتب الراحل وحيد حامد، لاقى المسلسل نجاحًا كبيرًا لم يلقه الفيلم، آنذاك كان اختيار تامر محسن شديد الذكاء باختيار الوسيط التلفزيوني لعرض صورته الخاصة به أكثر من كونها تسعى للاندماج في المشهد الفني والسلام.

في 2015 صنع مسلسل تحت السيطرة بمساعدة الكاتبة مريم نعوم، كانت إحدى المرات الأكثر جرأة في عرض قضية الإدمان بشكل غير تقليدي لافت للنظر. ترسخ أكثر وجود الطبقة الإجتماعية للأبطال وتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على الأحداث مثلما سيقدم بعد ذلك بسنوات قليلة أنضج أعماله في هذا المساء الذي يؤسِس أحداثه على اختيار بطله أنور (إياد نصار) من وضعه المزيف داخل الطبقة المزروع داخلها بقصه حبه من عبلة (حنان مطاوع) الفتاة الوحيدة مثله.


هادئ ومتحقق، يترك موضوعه يختمر تمامًا على مدار عامين أو أكثر لكل مشروع، وهو ما يكشف إلى أي مدى اهتمامه بالمشروع على حساب التواجد ذاته. هنا والآن يستمر مشروع تامر محسن لو جاز التعبير، البعيد نسبيًا عن إنتاجات الدولة وتدخلاتها، المكمّل لسياقات سابقة تنضج في كل مرة مع الرجل، نشاهد مسلسل لعبة نيوتن الذي تغير اسمه إليه بعد أن كان تقاطع طرق. يقدِّم على غير العادة لغة مكتوبة وبصرية غير معتادة على الدراما المصرية، يصلح مشروعًا دراميًا حداثيًا ملهمًا بدأ منذ بدون ذكر أسماء، وترسّخ في هذا المساء، بنضج أكثر يقدِّمه كأنضج مخرجي جيله.

في بدون ذكر أسماء المسلسل الذي كان شرارة انطلاق مشروع تامر محسن الدرامي، في لحظة تساؤل مؤسِسة هربت بطلته من اختيارها الروتيني لتحب كما أرادت، بعدها أفردْ مساحة أكبر للتساؤل في مسلسل هذا المساء الذي عبّر اسمه نفسه عن حالة مسرحية متجاوزة للجميع، وفتح مسارات أكثر للفلسفة والتأويل على الأحداث من منظورات مختلفة للمشاهدة، اختيار بطله الحقيقي تمثّل في قصة حب بعيدًا عن منطقِه الضيِّق المغلَق، لم يكن هروبًا فقط من طبقته المجبر عليها.

في مسلسله الجديد لعبة نيوتن، يُحكِم محسن الدائرة أكثر حول التساؤل في أكثر حالات نضجه، من خلال فتاة تطمح لظروف معيشية أفضل، ولا يمكنها خوض ذلك دون حب حقيقي لا يمثّله زوجها المتورطة فيه سابقًا، قدر ما يمثّله الآخر المتحقِّق، والأكثر حرية، تلك "القوى الخارجية" بحسب تعبير نيوتن الذي استعاره تامر محسن، التي حركت طرفي اللعبة في أطراف مختلفة من العالم وضعتهما أمام اختيارات دفينة أكثر حرية وصدق في حالة البطلة التي تعيش ولادتها الثانية فلسفيًا، كأنها تلد طفلها/ ذاتها من جديد في عالم تريد أن تعيشه ليس كالذي فُرض عليها.

لعبة نيوتن: سينمنتالية ملهمة

كُرتا "اللعبة" على جانبيها يمثلهما حازم وهنا كأجسام ساكنة متلاصقة يحركهما العالم، دون إرادة واعية من كليهما، كل حركة منهما تسبب توتر مزعج كجزء أصيل من فرضية لقصة كل حدث داخلها يتورّط داخله المشاهد بالتعاطف: زوجان في حالة سكون لا يحركه سوى الأحداث الخارجة عن إرادتهما يسعيان للترقي الإجتماعي.

مرة أخرى، لا أملّ كعادتي مما أومن به مهما تكرر، اختار محسن بطلته التي تمثل أنضج ممثلي جيلها كذلك، منى زكي أو "هنا" البطلة التي نعيش معها ملحمتها التي تشبه ملحمة البطل "توفيق"، الذي كتب عنه قديمًا الروائي العراقي فؤاد التكرلي في المسرات والأوجاع؛ كلاهما في لحظة مصيرية لإجابة تساؤل فلسفي مؤرق؛ توفيق اكتشف ببطء فقدان تعاطف أهله وأصدقاءه معه بتقدمه في السن دون إنجاز وترقي اجتماعي.


والبطلة هنا في لعبة نيوتن، فتاة تريد أن تخلق عالمًا أفضل لطفلها وربما كرغبة دفينة لمحاولة الحصول على بعض الحرية التي لم تستشعرها طوال حياتها، كان عليها أن تتأمل ما فعلته في حياتها وما لم تفعله لتستحق تلك الحياة، إذ أن بوادر المشاكل والمزعجات بُذرت ونمت وأخذت تلتف حول عنق حياتها، منذ الحلقة الثانية، بالتحديد أثناء سيرها في الشارع وحيدة تجر ماضيها وحقائبها.

تبدو لنا كل الأحداث التالية الجديدة والمسترجَعة، كلها من أجل محاولة اكتشاف أخطاءها الشخصية التي اقترفتها فكبلتها، وتلك الأخطاء التي لم تقترفها فزادت من تكبيلها، تتوحّد القصة في بطلتها هنا تحديدًا لتؤسس تساؤلًا مرتبكًا، وتتجاوز بطلته فلسفيًا لتضعنا أمام بديهية أننا جميعًا أبناء الماضي الذي لا يمكن التحرُّر منه سوى بمراجعته أكثر مما يجب، والحساب على فاتورة مسرَّاته وأوجاعه على حدٍ سواء.

فيزياء الكم وفلسفة الكيف

يسير المخرج بموتيفات بصرية غير ملفتة أو مضاءة بفجاجة، وشريط صوت مملوء بالأغنيات التي تُظهِر الحياة كحلم موتّر ومحتمل، تمامًا كما يسعى السيناريو للحركة دون وعي كامل من أبطاله، يتعامل معهما كبطل/ جسم ساكن يتحرك كرد فعل مضاد في اتجاه لأشياء حدثت بالفعل، كتطبيق لأول قوانين نيوتن المرجعية لأحداث المسلسل: الجسم الساكن يظل ساكن والجسم المتحرك يظل متحرك ما لم تؤثر عليه قوى خارجية.

حلقات المسلسل بدت لي في البداية "فرشة" تحتمل حركة أسرع في الأحداث أكثر مما وجدت، خصوصًا عندما لاحظت الطول النسبي لوقت بعض الحلقات الذي يصل لأربعون دقيقة، كنت قاسيًا نوعًا ما على الأحداث حين أصدرت حكم أرعن أن بها بعض "المطّ" والتطويل، وحين لم أجد إجابة واضحة للتساؤل الأكثر تأسيسًا للمسلسل: هل كانت هنا تحب حازم فعلًا أم كان اختيارها المثالي وقتها فقط؟ توقفت عن حُكمي وشعرت أنني أحتاج وقت أطول للإعادة والمشاهدة والتفكير مرارًا في إجابة التساؤل الذي يعيد ذاته.

حالة الترقي الطبقي التي تسعى إليها هنا أو "هناء" قبل أن تهرب من اسمها الذي يشدها في طبقة تحاول الهرب منها، هي الأصل المتجاوز لكل كليشيهات المسلسل؛ هذا الرجل الضعيف تمامًا ترسمه ورشة كتابة مها الوزير كذكوري أكثر مما يبدو يتلفظ بكلمات عفا عليها الزمن خصوصًا في سياق حبه لهنا، أو أن تقدم الشاب الأمريكي في صورته الأكثر نمطية وهو مولع بالمخدرات والنساء، يمكنني أن أتفهم كل تلك "البهارات" المكمّلة غير الملفتة للنظر أمام أصالة التساؤل المتسبب في التوتر الذي يحيط الأحداث من كل جانب: الفتاة التي تتساءل عن حقيقة حبها الذي كان بمثابة معتقد لا يمكن الفرار منه.

منى زكي التي أحبها أكثر مما يجب

خرجت منى زكي (هنا) من بيت الرجل "الحُلم" محمد فراج (مؤنس) الذي لا تدرك حبها له منذ اللحظة الأولى، كذلك رفض محمد ممدوح (حازم) معاشرة الفتاة التي تركت نفسها أمامه، هي لم تجب على إعلانه بالحب، صمتت ورحلت، هو لم يقرر أن تمشي الفتاة من المنزل ونام خارج غرفة نومه؛ كلاهما رفض كجزء من خوف أصيل من فقدان العرض تمامًا كرفض مبدئي لأشخاص آخرين لا نود خسارتهم تمامًا؛ يقع الإنسان في حب أشياء دون وعيه غالبًا، وحتى لا يفقدها يرميها بعيدًا عنه.

هذا الحب الكامل الذي لا يشوبه بعض التعاطف مع الآخر، المكمّل لنا، يصبح أكثر سيطرة علينا حتى إذا جاءنا أثناء ارتباطنا بشخصًا آخر لم يحقق ذلك، لا حب دون قرار ناضج، هذا التوتر المزعج نوعًا ما في أحداث المسلسل ربما نتج عنهما معًا كأشخاص لا يمكنهم الخضوع جيدًا للحياة والاختيار بحرية أكثر كأجسام ساكنة، قوانين نيوتن تثبت أن توترهما غير الواعين به يُنتج إزعاجًا للمشاهد الذي يصبح بديلًا عنهم متورط، دوره الاختيار بين ما تتخبط أمامه تلك "الأجسام الساكنة" كأطفال نتورط في حبهم ولا يمكننا تحمل صراخهم المستمر دون سبب معلَن.

منى زكي في مسلسل لعبة نيوتن

لا قديسون لا ملائكة

كل هذا التواصل المزيف بينهما، والمتسبب في أحكام قاسية بالتطويل، حتى إذا أيّده المسلسل في الحلقات المقبلة ليس لأنها تريد أن تعود له مرة أخرى، بل لأنها لا يمكنها الانتصار على مخاوفها فجأة، إعادة إنتاج المشاعر ذاتها في حلقات تالية دعوة مفتوحة للتساؤل حول مدى مصداقية هذه المشاعر في كل حكم، "هل لا زالت تحبه؟" تساؤل مركب ساذج يتحول مع نضج المشاهِد إلى "هل أحبته من الأساس؟"، تتحرك الأشياء أولًا لتجعلها تتحرك وهو ما يزيد توترنا نحن، خلال عشر حلقات ربما لم تسع "هنا" لفعل واحد باختيارها تمامًا، تتحرك ببطء في مواجهة أفعالها التي تعلم أنها تبعدها عن ماضيها وطفولتها، بينما نستشعر نحن أنها على استعداد أكثر مما يجب لنسبان هذا الماضي تمامًا لتسعى من جديد مع حب لا تفهمه تمامًا الآن، كجزء من عقدة ذنبها البشري بالتنازل عن هذا الماضي.

الآن تصبح كل لحظة تعيشها في عالمها الجديد معلّقة باحتمال ظهور حبيب أبعدته كتصرف طبيعي لسياق حياتها وفكرها وأزمتها الشخصية، تمامًا كما فكَّر رجل الدين المستقرة حياته أكثر مما يجب؛ كلاهما وفقًا لماضيه الظاهر لا يعرف في حياته كلها شيئًا يشبه إحساسه تجاه الآخر، كلاهما كان يأمل تغيير حياة الآخر وإنعاشها، قبل أن تضمر وتموت، وهو ما يبدو عمومًا أكثر إغراءً للجميع ليس كمبرر درامي فقط، منطقي أن يحيطنا كل هذا التوتر.

ربما أن يعيش الجميع على أمل حب يقترب تحققه أكثر نشوة للمرء من حب متحقق بالفعل لكنه مزعج لمشاعرنا البشرية أيضًا، وإلى أن يتقبل الأبطال كما نتقبل كمشاهدين مشاعرنا تلك ونفهم آدميتنا أكثر بأننا "لا قديسون ولا ملائكة" كما كتب إيفان كليما روايته التي تحمل التسمية ذاتها يظل التوتر جزء أصيل من القصة.

ضوء خافت في الموسم

يبرز لعبة نيوتن كبارقة أمل خافتة للمشاهد وسط موسم رمضاني مهترئ، فسباق الدراما هذا العام، وكما يبدو من تعليقات عديدة نقدية وعامة، غير مبشر على كافة المستويات، ردئ، مادة خام للسخرية وانعدام الواقعية، يعلن سيطرة واضحة لموضوعات بعينها على غيرها ولأشخاص محددين معلن توجيهاتهم ونظرتهم للأمور.

في مسلسه الجديد موسى يقول كاتبه ناصر عبد الرحمن للمنصة أنه كتبه لمحمد رمضان خصيصًا، وأثناء اجتماعه مع رمضان وشركة الإنتاج (سينرجي)، قالت له الشركة المنتحة "احلم وإنت بتكتب وإحنا هننفذ". تمامًا مثلما فعل كاتب مسلسل النمر محمد صلاح العزب، الذي قال للمنصة إنه يسعى لعمل دراما أكشن كنوع مستحدث في دراما رمضان.

فيما تتسابق ثلاث مسلسلات مخابراتية صريحة على جرعة "الوطنية"، هي هجمة مرتدة، وهو من إخراج أحمد علاء الديب، ابن الروائي الكبير، وتأليف باهر دويدار، القادم من كلبش والجزء الأول من الاختيار، وإنتاج المتحدة للخدمات الإعلامية، والقاهرة كابول، الذي كتبه عبد الرحيم كمال، القادم هذا الموسم بهذا المسلسل ونجيب زاهي زركش المقتبس من "الزواج على الطريقة الإيطالية، رغم عدم إعلان مؤلفه ذلك، والثالث والأشهر هو الاختيار 2، من تأليف هاني سرحان وإخراج بيتر ميمي، مخرج الجزء الأول، وإنتاج سينرجي.


اقرأ أيضًا: الدراما الرمضانية: لمن الكعكة هذا العام؟


هناك أيضًا قصر النيل غير المفهوم هويته وسِر تسميته إلى الآن، وهو أيضًا من إنتاج سينرجي والمتحدة، وحرب أهلية باسمه المضلِّل الذي يحكي قصة نفسية نوعًا ما داخل أسرة صغيرة. وكل ما نفترق، الذي تخرج فيه ريهام حجاج من قبرها بكامل مكياجها لتؤسس سخريات يستخدمها رواد مواقع التواصل لآخر رمضان من فرط كذب الأحداث، وبنت السلطان، المقتبس من Orphan Black لكنه نسخة رديئة.

كليشيهات كاذبة عن الحارة الشعبية في ملوك الجدعنة الذي صوِّر في لبنان مثل لحم غزال، واللي مالوش كبير، مسلسل على الله حكايته تمامًا من كثرة كليشيهاته، ونسل الأغراب، الذي يسيء لسمعة الفن ليس لنفسه فقط، وضل راجل الذي يعرض ذكورية الحارة الشعبية بشكل أقل فجاجة من أشباهه، وكليشيهات مقابلة في ضد الكسر، الذي يعرض جرائم القتل الغامضة في أحد الأحياء/ الكومباوندات الفارهة داخل مصر، ومسلسل كله بالحب شديد السوء.

أمامنا عدد غير قليل من الفرجة غير الصحية نقديًا وجماهيريًا، ربما يقطعها عدد قليل ليس أفضل شيء لكنه على الأقل غير مضر بالصحة، مثل مسلسل بين السما والأرض، المأخوذ عن قصة كتبها نجيب محفوظ للسينما وأعادها للتلفزيون بذكاء نسبي هذا العام السيناريست إسلام حافظ والمخرج محمد العدل، وخلي بالك من زيزي، الذي يقدم أمينة خليل في أنضج أدوارها على الإطلاق، سبع وعشرون مسلسل بينما يغرد بحرية فارقة مشروع رجل يؤمن بما يقدم تماما ويعطيه المساحة والوقت الكافيين.