تصميم لعائلة. المصدر: بيكساباي - برخصة المشاع الإبداعي

"قانون أكثر عدالة للأسرة": مقترح مؤسسة "قضايا المرأة" يبحث عن طريق البرلمان

خلال الأسبوع الماضي، انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي قصة "يوميات خ. م"، ذلك الشاب المصري الذي تبيّن، بعد تقدمه لخطبة فتاة، أنه مرتبط بثلاث سيدات أخريات في محافظات مختلفة، بعلاقات تنوعت بين الزواج وعقد القران والارتباط غير الرسمي.

بالتزامن مع انشغال الغاضبين بهاشتاج قصة هذا الشاب، انتشر هاشتاج آخر حول "قانون أكثر عدالة للأسرة"، يدعو للتوقيع على عريضة داعمة لمسودة قانون للأسرة أعدته مؤسسة قضايا المرأة المصرية بدلًا من آخر اقترحته الحكومة، ولاقت مسودته التي أرسلت إلى البرلمان انتقادات كثيرة بسبب مواد تنتقص من أهلية النساء القانونية.

يقول داعمو المسودة التي عملت مؤسسة قضايا المرأة عليها منذ نحو عقدين، إن تطبيقها سيحول دون تكرار قصة خ. م، وسيقدم حلولًا لمشكلات أخرى كثيرة طالما شهدتها البيوت وساحات المحاكم. ودشنت المؤسسة حملة توقيعات بدأت في الرابع من الجاري وتستمر حتى منتصف الشهر، على أمل إيصال صوتها إلى مجلس النواب.

عن الحملة الترويجية لمشروع القانون وأبرز ما سيحدثه من تغييرات حال إقراره، تحدث مسؤولان في مؤسسة قضايا المرأة للمنصّة، وقدّما قراءة له.

مشروع سنين

على مدار ما يقارب عقدين، ومنذ عام 2003، بدأت مؤسسة قضايا المرأة المصرية في وضع مشروع قانون للأسرة، يُنظّم كافة شؤون الأحوال الشخصية و"يُحقق العدالة لكل أفرادها"، على حد وصف بيان أصدرته المؤسسة.

ويوضح البيان أن فلسفة المسودة تستند إلى "مبادئ حقوق الإنسان بشكل عام وحقوق النساء والأطفال بشكل خاص في الدستور والاتفاقيات الدولية التي وقّعت وصدّقت عليها مصر، ومبادئ الشريعة الإسلامية القائمة على العدل والمساواة والآراء الفقهية المستنيرة، والمسؤولية المشتركة للأسرة بين الزوجين أثناء العلاقة الزوجية وبعد انفصالهما، وجعل الولاية حقًا للمرأة الرشيدة تمارسه وفقًا لاختياراتها ومصلحتها".

للوصول إلى هذه الأسس التي تضمن خروج القانون في صورة جيدة، اتخذت "قضايا المرأة" عدّة إجراءات تمثّلت في "عقد ورش عمل متخصصة مع القانونين للخروج بأهم الإشكاليات والثغرات داخل قوانين الأحوال الشخصية الحالية والوقوف على أهم إشكاليات وعيوب تنفيذ الأحكام وأسبابها، وعقد اجتماعات مع متخصصين علوم (نفس، واجتماع، واقتصاد) للوقوف على الآثار المختلفة التي يسببها عوار وإشكاليات قوانين الأحوال الشخصية".

مشروع قانون الأسرة من مؤسسة قضايا المرأة- الصورة: صفحة المؤسسة على فيسبوك

وكان من بين آليات المؤسسة أيضًا "الاطلاع على تجارب الدول العربية والإسلامية التي أدخلت تعديلات على قوانينها للأحوال الشخصية، ومراجعة قوانين الأحوال الشخصية المصرية سابقة الإصدار والأخذ بأفضل ما فيها وبما يحقق المصلحة الفضلى للجميع نساءً ورجالًا وأطفالًا، والعمل بمحافظات مصر من خلال عرض المسودة الثانية من مقترح القانون على أصحاب المصلحة من النساء والرجال وأخذ ملاحظاتهم التي ساعدت في الخروج بالمسودة الثالثة".

مواد عصرية

في رحلة إعدادها مشروع القانون، قررت مؤسسة قضايا المرأة تشكيل لجنة قانونية من متخصصين، تنوعوا بين محامين بالنقض وقضاة، للعمل على صياغته.

أحد هؤلاء المتخصصين هو ياسر عبد الجواد، المحامي بالنقض والمستشار القانوني لمؤسسة قضايا المرأة وأحد مؤسسيها، الذي كشف عن محطات وضع مشروع القانون وتحديثاته إلى أن وصل للنسخة الحالية.

قال عبد الجواد "في أوائل الألفينات، كنا بنحلم بصدور قانون مدني موحد لكل المصريين. لكن واجهنا اعتراضات من الجانبين المسلم والمسيحي؛ فبدأنا نشتغل على مشروع قانون أسرة متكامل للمسلمين وآخر موازي للمسيحيين، يصدروا ويكون لهم قانون إجرائي واحد. حاليًا، وبعد الضجة المثارة بسبب مشروع قانون الأحوال الشخصية اللي قدمته الحكومة، طرحنا مشروع القانون الخاص بينا".

وأضاف عبد الجواد للمنصّة "وضع مشروع القانون جاء لأننا نرغب في وجود قانون متكامل، لأن قانون الأحوال الشخصية المصري قديم جدًا، إذ تعود بدايته إلى ما يناهز 100 عام، ولم يشهد على مدارها سوى تعديلات طفيفة للغاية؛ ولهذا كان من الصعب تطبيق مثل هذا القانون على المواطنين اليوم، وقد صار مهلهلًا بصورة استدعت وجود قانون متكامل".

عن أبرز التعديلات التي ورد في مشروع قانون المؤسسة، يقول المستشار "كنا شغالين في الأول على تعديلات لقانون الأحوال الشخصية القائم، وبعضها اتاخد بيه وبعضها لأ. مثل إنشاء محكمة الأسرة بدل محكمة الأحوال الشخصية.. لأن دي كانت بتشتت الجهود بإقامة الدعاوى في محاكم مختلفة حسب الدعوى بين طلاق أو نفقة أو حضانة، لكن محكمة الأسرة بقت متخصصة لكل الدعاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية".

يتابع "كنا مقترحين إن ده يكون في ملف واحد، لكن للأسف ماتاخدش بالمقترح ده. وكمان كنا مقترحين رفع سن الحضانة لـ15 سنة موحدّة للولد والبنت، وده اتاخد بيه. بعد ما كانت في الأول 7 للولد و9 للبنت، ولما رفعوها بقت 9 للولد و12 للبنت".

تعلن المؤسسة أنها "حاولت من خلال المقترح إيجاد قانون أكثر عدالة لجميع أفراد الأسرة المصرية، قائم على مبادئ العدل والمساواة والإنصاف". وكان من أبرز المواد التي ستحقق هذه المساواة، مقترحهم بـ"حق الأم المغتصبة في إثبات نسب طفلها (الناتج عن الاغتصاب) لأبيه (المغتصِب) ، وذلك في ضوء وجود الأساليب العلمية الحديثة"، وكذلك مادة تقرّ بـ"حق الأم المسيحية المطلقة في الاحتفاظ بحضانة أولادها من زوجها المسلم أو الذي كان مسيحيًا واعتنق الإسلام، حتى يبلغ سن 15 عامًا، مساواة بالأم المسلمة".

اختلافات المقترحين

عقد عبد الجواد مقارنة بين مشروعي القانون المقدمين من الجهتين، الحكومة والمؤسسة، وقال عن أبرز الاختلافات بينهما "مشروع الحكومة بيخفض مجددًا سن الحضانة عن المطبّق حاليًا، لكن احنا ثبتناه على 15 سنة. ومنعًا لاستهلاك وقت في حالة الطلاق بسبب الخلافات الناتجة عن غياب الاتفاقات الموثّقة؛ اقترحنا تعديل وثيقة الزواج بوضع الشروط الشائعة فيها، ليتشجع المتزوجون على الاختيار، لأن السائد حاليًا هو الإحجام عن وضع شروط إما كسلًا أو مراعاة للتقاليد".

يضيف "وبهذا، سيكون بالوثيقة شروط ويختار الناس منها. وفي حالة اختيار شروط؛ سيتم وضع ختم صيغة تنفيذية على الوثيقة، بحيث في حالة الانفصال يتم تنفيذ الشروط فورًا بتأشيرة من القاضي فقط وكأنها حكم قضائي دون إقامة دعاوى واستهلاك وقت، لأنها أصبحت سند تنفيذي".

تطرقت مقترحات المؤسسة للماديات، وذلك باقتراحها اقتسام عائد الأسرة، وهو ما شرحه مستشارها القانوني، وقال "أي أموال موجودة تنقسم بين الزوجين في حالة الطلاق. لكن لأن ليس المجتمع بأكمله مؤهل لهذا الأمر؛ فجعلناها شرط اختياري في وثيقة الزواج، وليست مادة بنص ملزم في القانون"، موضحًا أن الأزواج الذين سيختارون الالتزام بشرط اقتسام عائد الأسرة بين الزوجين "سيتم إلغاء كافة النفقات لا عدّة ولا متعة وحتى الأطفال الإنفاق عليهم هيكون مشترك بين الاثنين".


اقرأ أيضًا: مشروع قانون الأحول الشخصية: رِدّة تشريعية إلى "القرون الوسطى"

تصميم: يوسف أيمن - المنصة

وكما تطرقت الوثيقة إلى الاتفاقات المادية المصاحبة لحالات الطلاق، فإنها تناولت كذلك أمورًا أخرى تتعلق بحقوق الأب، كالتي ذكرها القانوني "دي من الحاجات المهمة اللي اقترحناها، احنا عندنا في القانون الحالي الأب في المرتبة 16 في ترتيب حضانة الأطفال، فاحنا خليناه رقم 2 بعد الأم، بينما مشروع قانون الحكومة وضعه في المرتبة الرابعة بعد الأم والجدتين".

مواد جدلية

قد يكون مقترح الحضانة مُرضيًا للرجال، لكن هناك ما قد يثير الجدل، إذ اقترحت المؤسسة في مشروعها أن يكون الطلاق للطرفين بيد المحكمة وليس بالإرادة المنفردة، وللقاضي أن يأذن للراغب في الطلاق بتنفيذه، لكن بعد ترتيب كل حقوق الطرف الآخر.

اقترحت "قضايا المرأة" تدخل القضاء في التعدد، وذلك في صورة تصريح من القاضي الذي سيستدعي المرأتين، الزوجة الحالية والأخرى المرغوب في الزواج بها، ليتأكد من رضاهما عن هذا الوضع، وفي حالة رفض الزوجة وطلبها الطلاق؛ يتم تطليقها وترتيب كافة حقوقها، ولو وافقت يتم ترتيب الأمور والحقوق بينها وبين المرأة الأخرى.

يشرح عبد الجواد هذا المقترح، موضحًا أنه في حالة إقراره، فإن القانون يقترح أيضًا "معاقبة أي مأذون يقدم على عقد زواج دون إذن القاضي. وللعلم، هنا القاضي لا يمنع شرع الله، كما قد يعتقد البعض، بل يرتب الحقوق".

عن احتمالية أن يفتح هذا الشرط الباب للزواج العرفي، نفى عبد الجواد هذا الأمر قائلاً "عالجنا هذا الأمر في مشروع قانوننا، إذ أنه ألغى من الأساس فكرة الزواج العرفي، ولن يعتدّ إلا بالعقد الرسمي. ومنحنا مهلة سنة للمتزوجين عرفيًا من أجل توفيق أوضاعهم".

مواد ممنوعة

حاولت مؤسسة قضايا المرأة أن تقدم من خلال مشروع القانون الخاص بها مواد تتناسب مع العصر الحديث، لكن الباب لم يكن مفتوحًا على مصراعيه للتجديد، إذ ما زالت هناك الكثير من المحظورات مثل السماح بالزواج بين غير المنتمين لدين واحد، التي قال عبد الجواد "لم نتمكن من وضعها في مشروع القانون، لأن المجتمع ما زال غير مؤهل لهذا الأمر".

وأشار إلى عدم قدرة المؤسسة على صياغة قانون مدني بالكامل، مُعلّقًا على ذلك بقوله "نفسنا نغير حاجات كتير، لكننا في الأخير بنحاول نحسن أوضاع في إطار المتاح والمقبول. بحيث لو لم يتم قبول القانون وإقراره، فعلى الأقل يتاخد منه مواد. يعني بنحاول نطور الوضع الحالي بما لا يتعارض مع الثابت والمتعارف عليه".

حملة للتضامن

ما رتبه المستشار القانوني وزملاؤه على مدار الفترة الماضية، خرج للنور عبر حملة نظمتها مؤسسة قضايا المرأة، ضمن سلسلة حملات اعتادت تنظيمها على مدار الفترة الماضية، بهدف الترويج لمشروع القانون.

عن هذه الحملة، تقول جواهر الطاهر، مديرة برنامج الوصول للعدالة بالمؤسسة "أطقلناها بالتزامن مع الانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة لمقترح القانون الذي نعمل عليه منذ عام 2003، والمؤسسة اشتغلت على الترويج له على مستوى الجمهورية وأعادت صياغته بالشكل الحالي بمساهمة في التعديلات من مجموعة من المحامين المتخصصين في قضايا الأحوال الشخصية ومجموعة من الاخصائيين النفسين والاجتماعيين".

تبذل المؤسسة مجهودها حيال القانون منذ ما يناهز عقدين، وذلك بمفردها تمامًا، حسبما كشفت الطاهر "الحملة بلا شركاء، ومَن عمل على مشروع القانون لجنة من مجموعة من المحامين المتخصصين في الأحوال الشخصية، والنائبة نشوى الديب عرضت تبني مشروع القانون".

يسمح مشروع القانون باقتسام العائد المادي في حالة الطلاق- الصورة: صفحة المؤسسة على فيسبوك

الحملة تم تدشينها بهدف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المؤيدين حتى يتم تقديم مشروع القانون للبرلمان بالشكل الأمثل، لاسيما وأنه وفقًا لما ذكرته جواهر الطاهر "مشروع قانون متكامل، لأنه يشتمل على الشقين، الموضوعي والإجرائي؛ ما يجعل منه مشروع قانون يصب في مصلحة الأسرة بالكامل وليس مصلحة فرد على آخر، وبهذا يضمن المصلحة الفضلى للطفل".

واختتمت الطاهر بالقول إن مشروع القانون "هو نتاج حوار مجتمعي بدأ من 2008 وحتى الآن، وتم الأخذ في الاعتبار عند صياغته كل الملاحظات التي تلقتها المؤسسة خلال موائد الحوار واللقاءات الجماهيرية التي تمت في محافظات مصر كلها من أسوان للإسكندرية".