تصميم: يوسف أيمن- المنصة

الصوت البريء: "الراوي" في سينما داوود عبد السيد

1

من بين طرق السرد التي يستخدمها المخرج داوود عبد السيد في أفلامه؛ هذا الحضور الملح "للراوي". أحيانا يكون له حضور تقريري، كما في فيلم مواطن ومخبر وحرامي، يقف في مكان ما، بعيد عن أبطاله، ليعلق علي الحكاية، ويمنحها التفاصيل الخفية، أو يربط بين نقلاتها الزمنية الطويلة. أيضًا هناك "الراوي" الذي يأخذ مكان الصوت الداخلي لأبطال حكايته، عندما يقوم أحدهم، برواية هواجسه وتحولات حياته، كما في فيلم أرض الخوف. صوت يأتي من مكان عميق وكاشف، كأنه منولوج طويل، لا يسمعه إلا المتفرج، أو القارئ، ليشهده على اعترافاته ومراجعته لحياته، وبشكل أدق ليملأ به فجوة الماضي، للحكاية، أمام المتفرج.

يحمل هذا الصوت الداخلي نبرة "البوح الذاتي"، الموجه للذات والآخر معًا، والذي يُظهر رغبة صاحبه في أن يتجاوز أزمته، أو على الأقل يعبِّر عنها بوضوح. أحيانا ينتقل هذا "الصوت الداخلي" للراوي، إلى الخارج، ولكن له درجة الصدق نفسها للصوت الداخلي، ولكنه هذه المرة موجه لـ"الآخر"، كنوع من التفريج عن هذا الماضي الشخصي المخبوء، الذي لا يهتم أحد بسماعه، مثل مونولوج عبد الله شابلن مع يوسف كمال في البحث عن سيد مرزوق.

هذا "البوح الذاتي" لا يُمنح إلا لمن لهم ماض، يريد المخرج أن يكشف عنه، فجميع أبطاله لهم حكايات لها بدايات واضحة، داخل زمن الحكاية المضغوط الذي يضعهم فيه المخرج، حتى ولو كانوا عابرين، فالجميع يقف على قدم المساواة من ناحية تأصيل وجودهم داخل الحكاية، ودرجة وضوح ماضيهم، بداية من الشيخ حسني في الكيت كات، حتى عبدالله شابلن، لاعب البيانولا في البحث عن سيد مرزوق.

هؤلاء الأبطال، لهم "صوت داخلي" ووجهة نظر في الحياة، من الصعب أن تتعايش مع دراما الآخرين وأصواتهم، لذا يبرز صوتهم، وهم في وحدتهم، كأنه صدى لصوت تاريخي بعيد، مثل صوت يحيى المنقبادى في أرض الخوف، أو صوت نرجس في أرض الأحلام، أو صوت نورا في رسائل البحر، على سبيل المثال، وباختلاف درجة التمثيل لهذا الصوت التاريخي. هناك تداخل بين الراوي وهذا "الصوت الداخلى" لأبطاله، أو أن الراوي يأخذ مكانه، أو يتحد معه، كأنها سيرة ذاتية لهذا "الصوت الداخلي"، المتكرر في أفلام داوود، الذي لا يسمعه إلا المتفرج، كأنها أيضا سيرة للصمت، أو لما لم يتم البوح به، أو الخطاب المكبوت في اللاشعور.

2

حضور البدايات فكرة هامة جدًا بالنسبة لداوود في طريقة بنائه للفيلم والحكاية معًا، لذا تكثر هذه المونولوجات الطويلة، التي يحكي فيها أبطالها ماضيهم، ربما لاستيفاء الحكاية السينمائية لأزمنتها التقليدية، ولكن داخل قالب غير تقليدي، فانتازي، أو موسيقي، أو روائي يقسم الفيلم إلى فصول. ربما لأن الماضي، كزمن، غير ممثل في أفلامه، ليس هناك تصاعد زمني، أو قفزات زمنية كبيرة، باستثناء مواطن ومخبر وحرامي، فعادة يُستعاد الماضي، عبر سرد البطل وتصويره له، وليس عبر الصورة، وأغلب الزمن المعيش هو الحاضر الدائم، وقليلًا ما يتطور الفيلم ليلمس زمن المستقبل.

3

أحيانًا يختلف دور هذا "الراوى" من كونه راويًا جزئيًا، يشغل مساحة دوره وتاريخه الشخصي فقط داخل زمن الفيلم، دون أي دعم من ذاكرة أخرى، كما تحكى "نرجس" في أرض الأحلام علاقتها وذكرياتها مع حي مصر الجديدة، أو كما يروي يحيى وحياة والضابط عمر في قدرات غير عادية.

كأن "الصوت الداخلي"، في مونولوجه مع نفسه، أو أمام جمهور الفيلم، لا يمرض، وهي العلاقة الجوهرية في فكر داوود: أن هذا الصوت هو الصوت البريء الذي يجب أن يقود مسيرة الكلام والخطاب للإنسان، ومن يتخلى عنه يتعرض لفقد شيء جوهري يصعب تعويضه.

وهناك الراوي الكلي، يحيى المنقبادي ذو الصوت الملحمي الذي يروي رحلة بحثه عن هويته المفقودة، عبر علاقته المتذبذبة مع الخوف. وهو راو لا يحكي فقط تاريخًا شخصيًا، أو ذاكرة شخصية، ولكنه يحكي تاريخ أفكار وتحولات مفصلية مرت بحياته، وهناك ذاكرة أخرى تقف وراء ذاكرته، وبواسطتها يمتلك درجة من الوعي، أبعد من الحكاية التي يحكيها. ثم هناك الراوي العليم، ذو الحس التقريري، كما وضحت سابقًا، الذي يتخلص من ذاتية الصوت الداخلي للبطل، ليستقل تماما خارجه، وبصوت محايد بدون عاطفة، كما في مواطن ومخبر وحرامي، ليقف من وراء كل الأبطال والشخصيات، ليتحدث ويفسر ويتنبأ بالنيابة عنهم.

4

هناك أكثر من راوٍ في فيلم رسائل البحر، الذي تدور أحداثه في الإسكندرية، يقسم عليهم المخرج هذا "الصوت الداخلي"، بالتساوي، كأنه يستعير فكرة التعدد التي تسم المدينة، ويقسمها على لسان أبطاله، باختلاف حياة كل منهم، كمعادل لتعدد ألسنتها.

نورا تروي جزءًا من رواية الفيلم، ويشاركها يحيى الذي يروي، أمام الجمهور مباشرة، على الرغم من تلعثمه، جزءًا من حياته، عندها يتكلم بوضوح وبدون تلعثم، عكس سلوكه أثناء الفيلم، كأن "الصوت الداخلي"، في مونولوجه مع نفسه، أو أمام جمهور الفيلم، لا يمرض، وهي العلاقة الجوهرية في فكر داوود: أن هذا الصوت هو الصوت البريء الذي يجب أن يقود مسيرة الكلام والخطاب للإنسان، ومن يتخلى عنه يتعرض لفقد شيء جوهري يصعب تعويضه. وأيضا هناك قابيل الذي يروي "نَص حياته" لأوسه قبل دخوله غرفة العمليات ليجري عملية خطيرة في المخ.

5

فى فيلمي أرض الخوف ومواطن ومخبر وحرامي، بجانب حضور الراوي، بمنولوجاته الطويلة، هناك أثر ما يتركه، بجانب حكايته وماضيه وذكرياته، ألا وهو "النص"، الذي يفرق عن الكلام الشفاهي الذي يجري على لسان أبطاله. هنا دخل الكلام في حرم مقدس فتحول من كلام شفاهي إلى كلام له خصائص "النص المكتوب".

في أرض الخوف، تشعر بأن هذا الراوي، بصوته الملحمي، ولغته الفصيحة الشعرية، كأنه يقرأ من "نص" مكتوب أمامه، يؤرخ فيه لحياته، جميع نصوص المونولوجات الشخصية الطويلة، في أفلام داوود، تتسم عادة بعناية لغوية خاصة، سواء كانت باللغة الفصحى أو العامية، تصل لحدود الشعر، في قوة تكوينها، وعناصر تخييلها، وعمق المكان النفسي الذي تخرج منه، مونولوجات طويلة تربط بين الصورة والنص، كأن هناك "نصًا مكتوبًا"، يسير بجوار الصورة، أو يقف خلفها، أو ربما يسبقها، كأن المخرج/ الراوي يترك "رسالة" بليغة وخالدة، متضمنة في أفلامه، داخل هذا القالب الكتابي؛ لأحد بعده، الذي هنا هو الجمهور، يطلعه فيها على جوانيته، خوفا من أن تفقد، فيحفظها داخل أصوات رواة أفلامه. لا أعرف لماذا يخطر على بالي هذا الخاطر الآن، أن هؤلاء الرواة، في أفلامه، كانوا يخاطبون الجمهور مباشرة، أكثر مما يخاطبون مجتمعهم داخل الفيلم، كأنهم يقفون على خشبة مسرح تاريخية.

6

شيء آخر يدل على الحضور المادي لمفهوم "النص"، وليس "الكلام"، في أفلام داوود، كما في فيلم أرض الخوف، تلك الخطابات، أو الرسائل، التي ربما تكون هي "المصدر"، أو "النص" الذي يقرأ منها الراوي في الفيلم؛ وتتجمع بدون أن تصل للجهة المسئولة المراد الوصول إليها، التي يكتشفها ويطلع عليها موسى موظف البريد.

اللقاء الثاني بين يحيى وموسى في أرض الخوف


لاحظ هنا ازدواج الوظيفة، ورمزية الاسم لموظف البريد، كرسول يقوم بتوصيل الرسائل، وبالطبع الاطلاع عليها. هذه المفارقة جعلت هذه "الرسائل" التي لم تصل، عبارة عن "رسالة" عابرة للزمن لا تخص مرسلًا بعينه، تماما مثل "الرسالة" التي تأتي في البحر محفوظة داخل زجاجة، وبلغة غريبة، في رسائل البحر، لا تخص مستقبلا بعينه، هناك دائما "رسالة" تنتظر من يتلقاها.

ربما قام موسى، موظف البريد، وأحد رسل الأدب، بالاحتفاظ بهذه المجموعة من الرسائل الأدبية، وربما فكر في أن ينشرها في عمل أدبي مستقل بعد ذلك، لهذه النفس التي انكشفت أمامه فجأة، ولا سبيل لأن توجد، أو يكون لها مستقبل، إلا من خلاله، كرسول، لذا سيوجد لها هذا المستقبل خارج زمن الفيلم.

مفهوم السيرة الذاتية في رؤية داوود السينمائية، لا يخص أحدًا بعينه، بل هو يتأرجح بين التشخيص والتجريد.

في ذلك الفيلم الرمزي، يطرح المخرج سؤالًا يعيد جوهر الأسئلة الوجودية في روايات الستينيات الرمزية، التي تدور حول الله وشكل حضوره، وشكل تدخله في حياتنا، وهل الله، بالنسبة لبطل أو لراوي الفيلم، غير موجود، أم أنه فقط غير عابئ بالرسائل؟ أم أن هناك شفرة خاطئة تجعلنا لانعرف كيف نكلم الله؟ بالطبع هناك تداخل بين الله وبين أشكال السلطة بمعناها المطلق، ربما يرتبط هذا الطرح الميتافيزيقي، الرمزي والغامض، برواية الطريق لنجيب محفوظ، ويمكن أن يضاف لها أيضًا رمزية الأب الغائب.

7

أحيانًا يمنح داوود هذا الراوي مكانًا وجوديًا مرحًا، ليس متضامنًا مع ذاته، وأيضا ليس متنصلًا منها، كالشيخ حسني، الذي تأخذ، معه، فكرة نقد الذات مفهومًا شعبيًا متسعًا، مزيجًا من السحر ورغبة التجاوز، والاستسلام، في آن، فهو لا يريد أن يغير حياته، بقدر الحصول على المتعة، لأن التغيير والتجاوز، قد حدثا بالفعل، بأن عاش هذا "البطل الأعمى" حياته بالطول والعرض غير مصدق في "عماه". الشيء نفسه ينطبق على "السيد حبشي" الساحر في أرض الأحلام، كلاهما يعاني من عجز جسدي يتم مواجهته، وتجاوزه، أو تجاهله والالتفاف حوله، لاشك أن هذا الحس الساخر في هذين الفيلمين، مقام من مقامات النقد الذاتي، المتحورة، ولكنه نقد مخلوط بسحر الحياة، وبأخطائها، فهناك حكاية بها مراجعة، أو سيرة لتجاوز العجز.

8

بتكرار هذه المونولوجات، التي تكشف البدايات، التي هي جزء من الماضي؛ يتسامي هذا "الماضي"، ولا يصبح مخصصًا لأحد بعينه، ولكنه "الماضي" أو "المرجع"، أو "النص المرجعي"، أو "شبح النص"، الذي يواجهه المخرج عبر أبطاله، لأن به بدايات الأزمات والحلول، وهو أحد ملامح ومرتكزات السيرة الذاتية، بجانب أفعال المراجعة والنقد، والاعتراف والبوح، ربما أيضًا هناك ملمح آخر، لقالب السيرة، هو الإلحاح على تكرار أسماء أبطاله، يحيى، يوسف، والتباسها الرمزي، مع أسماء دينية، أو غيرها، كأنه بطل واحد عابر بجميع الأفلام، أو محاولة تثبيت لسيرة شخص ما، عن طريق الاسم، اسم واحد وأرواح مختلفة. الاسم عبارة عن جسم يعيش داخله العديد من الأبطال، مفهوم السيرة الذاتية في رؤية داوود السينمائية، لا يخص أحدًا بعينه، بل هو يتأرجح بين التشخيص والتجريد.

آسر يس: أنا بتهته وأنا بتكلم مع الناس من فيلم رسائل البحر


9

ليس من الضروري أن تلتبس السيرة الذاتية ببطل محدد، أو براو محدد، أو بسيرة حياة محددة، ولكنها سيرة حياة لفكرة التحرر، والتجاوز والمقاومة، وذاتية البطل تتحدد عبر تعدد أشكال الرواة، والمكان الذي يتخذونه داخل الحكاية، بداية من الصوت الداخلي العميق في أرض الخوف، للصوت الساخر في الكيت كات، للصوت التقريري في مواطن ومخبر وحرامي. تعدد أشكال الرواة، جعل هناك قضية شخصية، وعامة، في آن، يتم صياغتها من داخل وعي المخرج/ الراوي الشبح، الذي يقف بالقرب من كل أبطاله، كأن هناك سيرة عريضة مجزأة على عدة أفلام، وحتى لو كان ظاهرها مكررًا.

ربما نحن أمام سيرة فكرية، لا تخفي المرجع أو "النص" الإنساني الذي يقف وراءها. أعتقد أن أي سيرة لها نص/ مرجع مكتوب، تعود إليه وتأخذ منه، نص جماعي يتضمن تاريخ الأحلام والرؤى والنموذج الأعلى للإنسان، لصاحبها. ربما يكون هذا النص المرجعي كتابًا سياسيًا، أو دينيًا، أو قالبًا روائيًا، والأخير، ورمزيته، هو الذي سيظهر بوضوح في فيلم مواطن ومخبر وحرامي.

10

من أهم مميزات هذه السيرة، غير الزمنية، هي الطفرات التي تحدث بها؛ عنصرا "المفاجأة" أو "الصدفة" جزءان أساسيان من تقنية سردها، هي سيرة حلمية، لا زمنية، بشكل ما، تشتغل على مستوى آخر من الواقع واللاشعور، ربما من مميزات أصحابها، أنهم يحققون جزءًا من أحلامهم، فهي في العموم سيرة ناجحة. هناك نجاح ما، في النهاية، يحققه أبطاله، والمهم هو شكل هذا النجاح. نجاح مرتبط بالتقبل، واكتشاف جزء أصيل في الذات واللاشعور، عبر الرحلة، وتحديد الموقع الطبيعي للفرد، وإعادة مَوقَعة وجوده الاجتماعي، ولكن بدون أن يفقد حلمه، مثل الشيخ حسني، أو يحيى أبو دبورة، أو يوسف كمال، أو نرجس. فالاستنارة لها شكل مختلف في عالمه السينمائي، فهي إعادة رسم خريطة جديدة للذات.

شغلت هذه المساحة الحلمية سينما رأفت الميهى، خصوصًا أفلام الفنتازيا، ولكنها جاءت مقيدة في رمزيتها مما حولها لنص فلسفي مباشر وقصير النفس.

هناك، من أبطاله، من يتجاوز عجزه، ولو دفع ثمن هذا، ومنهم من يتحرر من ضغط عائلته، ومنهم من يتحرر عبر صياغة جديدة لنظرته للذنب، كون الذنب هو العائق الحقيقي أمام التحرر، أو التجاوز؛ التخلص من ذنب أتى من هذا "الماضي"، وأصبح أبطاله مسؤولين عنه، بوعيهم به أو دون وعيهم به. هناك "ضمير جمعي" يقف وراء هذه السيرة، كما ذكرت، وزمن الفيلم هو زمن المواجهة لأبطاله لهذا الضمير الجمعي الذائب في الماضي.

11

أعود وألح على وجود "نص مرجعي"، أو "حكاية كبيرة"، يتجمع فيه هؤلاء الخارجون عن الطبقات التقليدية، يمكن أن تحدث فيه المعجزة، وتلعب فيه "الصدفة" دورها، ويتحول فيه الواقع إلى حلم، أو العكس. ربما هذا النص/ الحكاية المتخيل، هو مكان المصالحة بين الطبقة الاجتماعية والتجاوز والحلم، وهي الخلطة الإيديولوجية التي يستخدمها داوود عبد السيد في أفلامه ليمسك بأطراف هذه الرؤية التي سيرى بها المجتمع، وبدون تخل عن أي من ثوابته أو قضاياه، ولكنه سيضعها في مساحة جديدة من اللاشعور.

عبر أفلام داوود عبد السيد، وجيله من مخرجي الثمانينيات، دخل هذا النوع من الحكي المفارق لطبقات اجتماعية، بعد أن هجرها طويلًا. كان أبناء هذه الطبقات يسعون خلالها وراء حكاية واحدة فقط: الصعود الاجتماعي أو التواؤم مع التهميش الناتج عن الغلاء وغياب القيم وغيرها. إنهم الآن في سينما داوود وجيله، يبحثون عن اكتشاف وجودهم الداخلي، ويراجعون حياتهم، ويحلمون. ربما هذا النوع من الخيال كان موجودًا في سينما الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، ولكن ربما كانت رمزيته ومضامينه مباشرة تمامًا، في الثمانينيات، على سبيل المثال، شغلت هذه المساحة الحلمية سينما رأفت الميهي، خصوصًا أفلام الفنتازيا، ولكنها جاءت مقيدة في رمزيتها مما حولها لنص فلسفي مباشر وقصير النفس.

12

هناك "نص مادي مكتوب"، غير السيناريو، يشغل بؤرة الفيلم، ويقرأ منه أبطال أفلامه، وبسببه ستتغير الأحداث، أي كان شكل هذا النص، سواءً كان "رسالة" في زجاجة كما في رسائل البحر أو رسائل يكتبها أحد الأبطال ويرسلها لجهة غير معلومة، كما في أرض الخوف، حتى يحضر "النص المكتوب" بكل ماديته وقالبه المفضل كرواية، مادية وليست مجازية، مفقودة، داخل مواطن وخبر وحرامى.

الراوي في أفلام داوود له طموح أكبر من حضور صوته داخل العمل، ولكن يفضل أن يكون له حضور، وأثر مكتوب، كراو حقيقي، أو ككاتب، وليس فقط كحكاء شفهي. الكتابة هي ابنة الذاكرة المادية الحديثة، وليست الذاكرة الشفاهية. بشكل عام تتطور وظيفة "الرسالة" من كونها رسالة في زجاجة ملقاة في البحر، أو رسالة فقدت طريقها للمرسل إليه، أو رسالة مجازية كالتي يرسلها الله للبشر، لتصبح إحدى وسائل الاتصال بهذا المكان الآخر المخفي والمكرر في أعمال داوود، كونه مكانًا يمكن الوصول إليه، والتحدث معه.

هذا "المكان الآخر" لا يظهر فقط عبر الصدفة، الذي يضع فيها أبطالة ليكتشفوا ما خفي من إمكاناتهم مثلًا، ولكنه مكان له منطقه في الظهور والتعبير عن نفسه، ويمكن تبادل الرسائل معه، وانتظارها، وغيابها أيضا لمدة طويلة. هناك من يكتب في هذا المكان الآخر ويستخدم رمز الكتابة والكلمات ومشاعرهما، كونه صورة من عالمنا، ولكن بدون فوارق زمنية ثابتة تصل من خلالها الرسالة.

13

في أكثر التفسيرات تشاؤمًا يمكن أن تكون "الرواية"، التي احترقت في فيلم مواطن ومخبر وحرامي، هي مجاز لهذا "النص المرجعي"؛ في هذا الفيلم لعب المخرج على فكرة "النص" ووجوهه ودلالاته ومجازاته العديدة: ماضيه، غيابه، ضياعه؛ والتي سببت ارتباكا في حاضر الشخصيات بسبب هذا "المرجع المفقود".


اقرأ أيضًا: رحلة "الفرد" في سينما داوود عبد السيد