تصميم: يوسف أيمن- المنصة

في رفض المثالية: أو لماذا أكره صورة "تلك الأم"؟

بغضب شديد، أستقبلُ احتفالات عيد الأم كل عام؛ حين يصدر العالم صوتًا واحدًا، وتحاصرني في المول والتلفزيون وحتى في الموبايل، إعلانات التحريض على اقتناء الهدايا لها، وأنا أم وابنة في الوقت نفسه، أسأل نفسي هل هذا، حقًا، احتفاء بالأم؟ أم تنميط لها داخل قالب أكرهه وأحاول الفكاك منه كلما استطعت؟

يبدأ مارس/ آذار فيسقط العالم في بكائية فايزة أحمد "ست الحبايب يا حبيبة"؛ تشعرني الأغنية بالألم كما لو أنها عدودة لعمر لا تعرف الأم فيما أفنته، أو دعاء برجماتي من ابنة ترجو الله أين يستمر ذلك الضياع، تقول "أنام وتسهري وتباتي تفكري وتصحي من الآدان وتيجي تشقري يارب يخليكي يا أمي".

تتمحور أهداف تلك الأغنية وغيرها من الملاحم الغنائية والدعائية في صنع نموذج واحد عن الأمومة، تبجل فيه السهر والشقاء والتضحية والإيثار، وتحتفي بنكران الذات والانغماس في رعاية الأبناء والبنات، وتمجيد قدرة الأمهات على إخراج أبناء ناجحين وفقًا للنموذج الحائز على الرضا المجتمعي طبعًا، مع الالتزام بإخفائها الحزن أو الغضب أو التعب أو الملل من أداء تلك الوظيفة.

في إعلانات مسابقات الأم المثالية التي تنظمها وزارة التضامن الاجتماعي والمؤسسات الاجتماعية المختلفة، تُحدد معايير مثالية الأمهات وفقًا لما عانته والمكانة التي وضعت فيها أبنائها، على أن يتراوح عمرها بين الأربعين والخمسين، وأن تكون أمًا لاثنين أو ثلاثة أبناء أتموا مراحلهم التعليمية بتفوق دراسي، حبذا لو رافقه تفوق رياضي أيضًا، وأن تساهم في تحسين مستقبلهم المادي وحثهم أو مشاركتهم في بدء عمل خاص بهم دون انتظار فرصة التعيين الحكومي، بالطبع يُرحَب بالأرامل والمطلقات الباقيات دون زواج، فيما تكون الفرصة أرحب أمام من لديها أبناء يعانون إعاقات جسدية أو عقلية استطاعوا تجاوز صعوبات الحياة رغم وجودها.

صورة توضح حيلة الأم المخفية- الصورة: ويكيبديا برخصة المشاع الإبداعي

هذه المسابقات مؤلمة للأمهات، لأنها تختبر أمومتهن وفقًا لمعايير تحقُّق أبنائهن فيما اختاروا بأنفسهم الخوض فيه، وتشجعهن على تجاهل مشاعرهن وما عانوه في سبيل تحقيق ذلك؛ تذكرني تلك الصورة للأم بما رصدته إيمان مرسال في كتاب كيف تلتئم عن الأمومة وأشباحها من حيلة "الأم المخفية" التي كان يلجأ المصورون إليها في ستينيات القرن التاسع عشر لالتقاط صور الرضع، فيغطون أم الطفل برداء أسود تمامًا حتى إذا ما حملت ابنها منحته شعورًا بالأمان ولم تظهر في الصورة، فهل يكون الزج بالأم في سباق الكفاح ذلك وفق هذا التصور تكريمًا له؟ هل هي المسؤولة فعلا عن قدرة أبنائها على التحصيل الدراسي والتغلب على مشاكل نظام التعليم؟ وهل عليها بعد ذلك أن تواصل العمل لتضمن لهم مشاريع تؤمن مستقبلهم المادي؟

يضرب هذا النموذج لب العلاقة بين الأم وأبناءها، فتصبح قائمة فيما بينهم على الملكية والاستثمار، وكأن انهماك الأمهات في تربية أبنائهن وما يبذلنه في سبيل ذلك من تضحية محض مشاريع ترتبط بالمكسب والخسارة، الأمر الذي يمنحهن شعورًا بالملكية والاستحقاق، ويفسر بشكل ما ظاهرة الحماة السلطوية، فبمجرد بلوغ أبنائها سن الرشد تبدأ الأم لا شعوريًا في محاسبتهم على ما بذلت، مما يجعلها رافضة لأي اختيار يصدر منهم ويخالف توقعاتها ونظامها القيمي والفكري، ويجعلها تعادي في الوقت نفسه شركاء أبنائها العاطفيين سواءً كانوا رجالًا أو نساءً، لأنهم شركاء غير مرحب بهم في حياة أعدتها هي وحدها.

في الواقع، أراقب يوميًا نفسي كي ألا أصير هذا النوع من الأم المثالية؛ أؤمن بحدودي في حياة ابني ضَي وبحدوده في حياتي، أحبه وأعطيه لأنني أحب نفسي ولا أغفل عن مشاعري تجاهها، أعبر عن غضبي وعن مللي وأشارك أصدقائي أسئلتي الذاتية ومشاعري تجاه كل مرحلة من مراحل الأمومة أمر بها.

لمن الهدية اليوم؟

بناءً على ما سبق، فإنني لا أجد في إجبار ضي على شرب الحليب يوميًا حماية له مثلما تقول دعاية شركات اللبن الكبرى، ولا أقوم في الوقت نفسه بأعمال المنزل بحب وشغف كما تدعي إعلانات أدوات التجميل، ولن أكون سعيدة إن كوفئت بجهاز يسهل الطبخ أو الغسيل كدليل على صدق مشاعر أبنائي تجاهي.

رغم عشرات العروض والتخفيضات التي تقدمها الشركات بداية من الألماس إلى الفول المدمس، لم أشعر أن تلك العروض تحتفي بأمومتي بل تمثل قيمًا مضادة للشراكة أحاول بثها في منظومة ضي السلوكية، فمثل هذه الإعلانات تحبس النساء في أدوار جندرية وتقدمهن وفق الصورة السائدة، بل وتنمي شعورًا بالمنِّ لدى الأبناء والأزواج الذين يشاركون في الأعمال المنزلية، فهم هكذا يساعدون الأم شفقةً منهم لا يشاركونها باعتبار أن تلك المهام واجبة عليهم جميعًا.

من يستفيد من تلك العروض هي دائرة رأسمال التي تحيط بنا، ليس فقط بصعود مؤشرات المبيعات في الشركات المختلفة، بل في تمكُّن الرأسمالية من إعادة إنتاج نظامها الاجتماعي القائم على استغلال النساء في القيام بأدوار وأعمال غير مدفوعة الأجر لتمكن الأطفال من التواجد في المدارس والرجال من أداء وظيفتهم في المؤسسات، أما المرأة العاملة فعليها أن تلعب الدورين وتتحرك على حبل التوازن بين المنزل والعمل.

كابنة وأم.. كيف أرد الهدية؟

تشكل ثقافة المجتمع طقوسه في الأعياد، فمن الأعياد ما يرتبط بالأكل والطبخ والأضحية، ومنها ما يرتبط بالزيارات سواءً كانت عائلية أو دينية، ومنها ما يرتبط بشراء الملابس الجديدة.... إلخ، غير أن عيد الأم الذي بدأ في الولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من أنا جارفس عام 1908 اتخذ الشكل الرأسمالي المرتبط بشراء الهدايا وتقديمها، مما دعا جارفيس نفسها للندم على إطلاق الفكرة ودعوة الناس للتوقف عن شراء زهور القرنفل البيضاء التى احتكرها بائعو الورد ورفعوا سعرها، مما دفعها لإصدار بيان صحفي شبهتهم فيه بقطاع الطرق، "ما الذي بوسعك فعله لتقويم المشعوذين، وقطاع الطرق، والقراصنة، والمبتزين، والخاطفين.. فما الذي من شأنه أن يحد من جشعهم نحو أحد أرقى وأنبل وأصدق الحركات والاحتفالات"؟ وبحلول عام 1920، كانت آنا تحث الناس على عدم شراء الزهور على الإطلاق.

يحاول عالم الأنثربولوجي مارسيل موس في كتابه المترجم للعربية بحثٌ في الهِبة، رصد التباين في معنى تقديم وتبادل الهدايا في المجتمعات القديمة وما طرأ عليه من تغيير في المجتمعات الحديثة باتجاه الرأسمالية، فضلًا عن المؤشرات التي تهب الهدية قيمتها، بداية من الخراف التي تربى أو الأكل المطبوخ الذي يعبر عن مشاعر الهادي باتجاه المُهدى إليه، وانتقالًا إلى ما صار يعكسه ثمن الهدية أو ماركتها من قيمة مادية، لكن الثابت بين كل ذلك هو ما لازم الهدية في كل صورها من ضرورة ردها، يقول موس "تتم التبادلات والتعاقدات داخل الحضارات على شكل هدايا، نظريًا بطريقة اختيارية، ولكنها في حقيقة الأمر إلزامية الرد".


اقرأ أيضًا: صنعتني النساء: أمهاتي اللانهائيات


منذ عامين دخل عليَّ ضَي بمجسمات ورقية لقلوب وورود صنعها مع مدرساته كهدية لعيد الأم، سعدت بها ولكن أزعجني في الوقت نفسه فكرة تجهيز ذلك العمل الفني من خامات موحدة أهداها جميع زملائه الأطفال لأمهاتهم، وكنت أود لو يمنحوه بدلًا من ذلك ورقة بيضاء ويتركوا له الحرية في رسم ما يشعر به تجاهي، غير أن هدية ابني تزامنت مع انفجار النقاش على جروب الأمهات عن ضرورة التنسيق والتنفيذ السريع لإحضار هدايا عيد الأم لطاقم المُدرسات، وهي تبعًا للاتفاق: ثلاث سلاسل ذهبية لثلاث مدرسات، وثمانية أطقم أكواب لعاملات النظافة، وكانت حصة كل أم في المجموعة 250 جنيهًا، لكن الاختلاف، أو سبب انفجار النقاش، كان في تحديد حصة الأمهات اللائي لديهن أكثر من طفل واحد، وبعد مداولات طالت أنجزت المهمة بسلام، فيما لم أستوعب ما خضت فيه إلا بعد مشاركتي فعليًا لذلك السلوك الذي قررت عدم تكراره أبدًا.

لن أعطي شخصًا هدية احتفاءً بأمومته لأنه لم يؤد دوري كأم، وإذا شعر ابني بضرورة مهاداة مدرساته فسأعلّمه كيف يصنع الهدية ويبذل فيها مجهودًا من روحه، لن أقبل هدية مادية مقابل ما أعطيه لضي من حب، ولن تسهل عليَّ أعباء العمل المنزلي مكنسة أو غسالة أطباق، بل مشاركته لي عبر القيام بأدواره.

الأمومة النسوية

كأم نسوية أحارب كي أبتعد بابني عن هيمنة أفكار المجتمع الأبوي، أنتقدُ يوميًا كافة الامتيازات التي يهديها له المجتمع لمجرد أنه ذكر، أمنع سائق التاكسي عندما يقول له "أنت راجل متعيطش"، وأمنعه من أن يطلب من أي فرد القيام بما يقدر هو على تنفيذه، وأذكره دومًا بإمكانية اختيار الألوان التي يحبها دون الاعتبار لثنائية الألوان والأشياء التي تخص الرجال في مقابل ما يخص النساء، وأستدعي إلى قائمة أفلامنا القصص التي بطلاتها نساء بعد أن أجاهد نفسي وأشاركه شغفه بالتعرف على الأبطال الخارقين، وأحدثه عن حقه في جسده وعن حق النساء في أجسادهن؛ أبني منظومة فكرية أساسها التنوع وقبول المختلف، وأشاركه أخطائي ورحلتي لتطويرها، وأشاركه مشاكلي وخططي لحلها، وأشجب العنف وأشجع اللين، وأجاهد الأنانية وأبجل العطاء.

كل هذا وأنا أعلم أن رهاني ليس مضمونًا بالمرة، لأن السياق الحالي لا يرحب بنمط مشاركتي النقدية ودعمي لقراراته واختياراته، الذي لا يرقى إلى نمط التربية والتهذيب القائم على الثواب والعقاب والسلطة الكاملة للأم في مقابل اللاسلطة من الابن: ست الحبايب، الملكة، المثالية، في مقابل: المطيع مسلوب الإرادة طالب الرضا والدعاء من أمه.

لا أربي ضَي في معمل، وليس لديَّ أي ضمانات على أن ما أزرعه فيه هو نفسه ما سأحصده، ربما يستشعر العدالة فيما أقول وربما ينحاز للأبوية لما فيها من امتيازات لجنسه، هناك احتمالية أن يرضى عن النمط الذي أقدمه وربما يخرج ساخطًا شاعرًا بانتقاص حقوقه كابن في أمومة تقليدية، أيًا كان ما سيحدث، هذا ما أؤمن به وأستطيع أن أشاركه وأؤديه.

إذا كان ثمة عيد للأم فليضمن لنا القانون أن نكون طيبات.

تزامن عيد الأم هذا العام مع الغضب العارم على مسودة قانون الأحوال الشخصية المعروضة أمام البرلمان بكل ما فيها من انتقاص لأهلية النساء والجور على حقوق الأمهات وتحديدًا المطلقات، مئات الأمهات على سلالم المحاكم تجلس بالساعات ويمضين سنينًا للتفاوض على حقوقهن البديهية، في صراع مع قوانين تدفعهن بقسوة إلى الفقر والحرمان، عشرات المحرومات من رؤية أبنائهن، مئات الأحكام بنفقة لا تكفي الحد الأدنى من الحياة لبضعة أيام، ولاية مسلوبة منهن لصالح أباء هربوا من أدوارهم، تخوفات وتضحيات بعدم الزواج خوفًا من ضياع حضانة الأبناء.

أكتب في إبريل وليس في مارس، ويدور في ذهني حوار بيني وضَي، بعد أن استيقظ من نومه يسألني "هو النهاردة عيد الأم" فأجبته "أه بيقولوا"، فسألني "أمال امتى عيد الابن"، فقلت له "كل يوم"... وكل يومٍ، أيضًا، والأمهات بخير، ومختلفات في أمومتهن، وممارسات ما يطقن تطبيقه، وصارخات في وجه القهر، ومصرحات عن الوجع، وكاسرات لما هو نمطي، ومتمردات على ما هو متوقع منهن.