لقطة من إعلان "أبو شنب" من حملة تنظيم الأسرة

ليس تامر أمين وحده: عن نظرة ابن المدينة للريف في خطاب الدولة الرسمي

منذ أيام خرج علينا الإعلامي تامر أمين مقدم برنامج آخر النهار، ليخبرنا أن أهل الصعيد ينجبون أطفالًا لا ليلتحقوا بالتعليم بل لينفق الأبناء على آبائهم، ووسط استياء جمعي مما قاله، قررت هيئة مكتب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وقف برنامجه والتحقيق معه، ليذيع أمين بعدها اعتذارًا عبَّر فيه عن محبته المفاجئة لأهل الصعيد، الذين تربطه بهم صلة نسب.

ما عبَّر عنه أمين هو موقف طبقي يؤمن به كثيرون، يميلون لربط الفقر بالميل إلى كثرة الإنجاب، دون استيعاب لطبيعة المجتمع أو محاولة فهم الأسباب الواقعة وراء ذلك، ودون اهتمام بدراسة الإنجاب من منظور طبقي أو جندري.

الموقف سابق الذكر لا يقتصر على الأفراد، وإنما مستقر في عقول منتجي الخطاب الرسمي للدولة، فمنذ بدأت الحملات الدعائية في الثمانينيات للحث على تنظيم الأسرة، ارتكزت على لغة ذات مفردات عنصرية وتمييزية وطبقية، ولنا أن نتأمل واحدة من أشهر تلك الحملات وأولها على شاشات التلفزيون، التي قامت على لحن وبنية أغنية حسنين ومحمدين للفنانة فاطمة عيد، التي اشتهرت بارتدائها الزي الفلاحي وتفضيلها لإنتاج الأغاني الشعبية وإعادة إنتاج وتوليف التراث الريفي.


صورت الأغنية في حلبة تحطيب صعيدية واستعرضت الدراما قصة الشاب حسانين وزوجته اللذين أنجبا سبعة أطفال، وأصابهم الاعياء وكثرت حملوهم، أما محمدين فقد تعقل هو وزوجته وقررا الاكتفاء بطفلين فكانت حياتهما سعيدة، ورغم أن هناك منطقًا في القصة، إلا أنه لن يكون مقنعًا لأفراد وجدوا في النموذج الأول الضمان الاجتماعي لسنوات، فبالضرورة أن حسانين ومحمدين إذا كان الحديث عن نموذج غالب، فهما أخان من أصل عشرة.

أما "شلبية"، وهو الإعلان الذي صُوِر بطريقة الرسوم المتحركة، بحضور شخصية كارتونية لمرأة صعيدية، تقوم وحدها بكافة الأعمال المنزلية وتربية الأطفال ونظافتهم، وتشكو حالها وضياع صحتها ووحدتها وإرهاقها من رعاية أطفالها.

ربما هذا الإعلان كان أكثر في واقعيته من الأول، وقد راعى حضور المرأة واستحضار صوتها ومشاعرها من العمل المنزلي، ولكنه أهمل التمعن في نظم التربية في المجتمعات التي يتحدث عنها، فمن الشائع أن التربية في تلك المرحلة الزمنية كانت لاتزال تتم بنمط جماعي، حيث تسكن العائلة بيتا كبيرا يضم الأبناء وزوجاتهم وتتم الأعمال المنزلية بالإنتاج الجمعي المتخصص فتلتزم مثلًا اثنتان من نساء البيت بالطبخ واثنتان برعاية الأطفال، وأخريات بتنظيف الحظائر وحلب الحيوانات، وتجتمع النساء جميعهن في الأعمال الكبرى كالخبز.


اشترك الإعلانان في التأكيد على أن الإقبال على الإنجاب هي حالة صعيدية، وكان الخطاب موجهًا لهم وفي تعميم أبله، ودون ارتكاز على دراسات حقيقية، فهي ليست إلا لغة مستعلية وعنصرية حاولت أن تتوارى وراء اللهجة الصعيدية والملابس والموتيفات البصرية.

صوت المدينة "المتعقل"

شاركت الفنانة كريمة مختار في حملة لتنظيم النسل ضمت الريفيين كفئة جديدة مسؤولة عن المشكلة السكانية، ظهرت الفنانة المحبوبة كطبيبة، وحافظت على زيها وطريقة تصفيف شعرها ولغتها القاهرية، في إعلان كان الأشهر وقتها وسمى بـ"جالك اليوم يا عواد" يعكس دراما لموقف التقى فيه عواد، وهو شاب ريفي، بالطبيبة يشكو لها ضعف زوجته وقلة حيلتها وتعبها المستمر وملله الحياة الزوجية، وبعد لقاء الزوجة التي كشفت أن مرضها نتيجة رغبته في إنجاب الأطفال بكثرة، تنصحه الطبيبة بالكلمة الطيبة مع زوجته والعمل دون راحة ليكفل الحد الأدنى لمعيشة أطفاله.

وتواصل الطبيبة لقاءاتها، مرة مع منّاع الذي يريد الزواج بأخرى لأن "مراته مبتجبش إلا بنات"، وعواطف السيدة الريفية التي تشرح لها مختار طريقة استخدام حبوب منع الحمل وتقول لها "ممكن الحبوب تسببلك شوية دوخة وغممان نفس، خليكي مكملة عليها وهي هتروح"، أما سكينة التي لم تنفذ نصيحة الطبيبة ولم تركِّب اللولب، لأن حماتها أكدت لها أن الحمل لا يتم في فترة الرضاعة، فعادت نادمة على أفعالها وقد حملت، والست عنبة "المكلضمة" ذهبت ترجو الطبيبة أن توقف زوجها عن رغبته في الزواج من أخرى، بعد أن كانت تنجب الأطفال "لتربطه" إلى جوارها، وتنتهي رحلة الطبيبة، وقبل أن تعود للقاهرة في إجازتها، عقدت جلسة مع نساء القرية ورأستهن بجلستها على مقعد، بينما جلسن هن على الأرض وكأنهن يتلقين عظة دينية، وبدأت بتقديم النصائح حول التربية وتحديد النسل.


في المدينة كان خطاب الطبيبة وكانت النساء واعيات بأهمية تنظيم النسل، ففي إعلان "عملتها ياروءة" كانت بثينة التي باغتتها الفرحة لزيارة الطبيبة لمنزلها، مؤمنة بضرورة التزامها بوسيلة لمنع الحمل، وهو الوعي ذاته التي حملته الممرضة التي تعمل مع الطبيبة وتأتي متأخرة عن عملها تشكو للطبيبة زحام الشوارع والصعوبة التي تجدها هي وخطيبها في البحث عن مسكن لإتمام زواجهما، أما إعلان "حامل يابطة"، وهي امرأة قاهرية لديها ثلاثة أطفال، عاد زوجها فجأة من سفره، وكانت توقفت عن تناول حبوب منع الحمل لأنها أرهقتها فحملت، واتهمتها الطبيبة بعدم الالتزام.

أما خديجة التي شك زوجها عامر أنها تتناول حبوب منع الحمل، ذهبت هي وزوجها الحداد للطبيبة فكشفت لهما عن حمل الزوجة الثاني الذي أعقب ميلاد طفلهما الأول بشهور، ناصحة إياهما بأنه كان الأفضل إبعاد الحمل عن الولادة لعامين أو ثلاث حتى تتمكن الأم من تربية الطفل الأول بكفاءة، وهناك أوسة التي نست "الحباية" فعادت نادمة للطبيبة، أما محمود فكان مؤمنًا بتنظيم الأسرة، فيما كان عقل لطفية مع التنظيم وقلبها مع سرعة الإنجاب، ولكنها سرعان ما عادت لرشدها على يد الطبيبة وقالت "أنظم وأكسب ابني ونفسي وجوزي".

اطمئن.. الرجولة الجديدة لا تؤثر على الذكورة

إن كنت من مواليد الثمانينيات فلا يمكن أن تنسى حملة تنظيم الأسرة "الراجل مش بس بكلمته الراجل برعايته لبيته وأسرته"، التي أداها الفنان أحمد ماهر، وبدأت الحملة بإعلان لرجل صعيدي يشكو لأمه ضيق الحال، حيث باع محصول أرضه ووزعه على احتياجات أطفاله، أما الإعلان الثاني فكان فيه أب وأم يسكنان المدينة، والزوجة حامل بينما نسمع جنينهما يتحدث إليهما من بطن أمه، ويدلي بطلباته، ويؤكد على إعجابه بكلمات الأب التي هي شعار الحملة.


انتهت الحملة بإعلان يقول فيه أحمد ماهر "فيه ناس فاهمة الرجولة غلط"، ثم يستعرض مواقف لشابين أحدهما مدني والآخر ريفي، يرميان بأعباء الحياة المنزلية على زوجتيهما، ويتخليان عنهما في لحظات الولادة والإعياء، ثم يقول "فيه ناس فاهمة الرجولة صح"، ويظهر نفس الشابان وهما يساندان زوجتيهما في الأعمال المنزلية، وهما تساعدانهما في العمل بالحقل ورعاية الأطفال الذين لا يزيد عددهم عن اثنين في كل أسرة.

تزامنت الحملة مع فعاليات المؤتمر الدولي للسكان الذي عقد بالقاهرة عام 1994، حيث توصلت الدول المشاركة إلى ضرورة إعادة النظر في أجنداتها من منظور الجندر، وبدأ الحديث حول تحليل ظاهرة الزيادة السكانية، بالرجوع للموروث الثقافي حول مفاهيم الرجولة والأنوثة، ربما كان هذا دافعًا للحملة أن تتمعن في معاني الرجولة، وتؤكد للرجال أن مساهماتهم في الأعمال المنزلية والرعائية لا ينقص من قيمتهم الاجتماعية، وهو تطور ملموس في الخطاب، فبدلًا من الطبيبة كريمة مختار التي رجت الرجال في الكلمة الطيبة والاكتفاء بزوجة واحدة، وضع ماهر التزامات الرجل أمام عينيه.

احتمال آخر لنداءات الرجولة الجديدة، ارتبط بتوجه دولة مبارك نحو النيوليبرالية والخصخصة، وإسناد العديد من الأعمال للآلة عوضًا عن الإنسان، مما فتح الباب على مصراعيه لفرص عمل متعددة أمام النساء، مع ساعات عمل أطول من المعتاد، فكان لا محالة أن ينعكس ذلك على أدوار الرجال والنساء الجندرية في الأسرة.

الرجال التي تنجب فرادى

كان مضحكًا لي أن أشاهد مجموعة إعلانات حملة تنظيم الأسرة التي خُصصت لتشجيع النساء على الاستفسار الطبي عن وسائل منع الحمل، تستخدم سؤال بصيغة المذكَّر "اسال استشير"، ولكن الأمر لم يتوقف عند حدود اللغة، ففي حملة تنظيم الأسرة التي انطلقت عام 2019، تحت شعار"السند مش في العدد. 2 كفاية" والتي قام ببطولتها الفنان أكرم حسني في حضور ذكوري متفرد، غابت فيه النساء تمامًا.

شخَّص حسني شخصية "أبو شنب" وهي شخصية هزلية صعيدية تجيد الرقص والغناء، وتقوم في الإعلانات بتمثيل مواقف مضحكة، في الإعلان الأول يتلقى أبو شنب تهديدًا من شخص اقترض منه أموالًا ولم يسددها، فطالبه بالالتزام بالدفع أو تسليمه أرضه التي تبلغ مساحتها نصف قيراط، فيرد أبو شنب مستعليًا ومعتزًا بأولاده وعزوته، وينادي عليهم ثم تبدأ أغنية راقصة ينادي فيها على أولاده دون جدوى، لانشغال كل منهم بحياته الشخصية.


في الجزء الثاني من الإعلان وأثناء خضوع أبو شنب لبيع أرضه، ينصحه أحد أبنائه بقراءة العقد قبل البيع فيستجيب ويمرر العقد على أبنائه جميعًا، الذين يخطئ في أسمائهم، فيكتشف أنهم جميعًا غير قادرين على القراءة، حتى تصل الورقة لطفلة تستطيع قرائتها، ويحسبها ابنته لكنه يفاجئ بأنها ابنة المشتري الدائن.

الإعلان الثالث اصطحب فيه أبوشنب أولاده إلى محل ملابس ضخم وجعلهم جميعًا يقيسون الملابس، ثم فاجئهم بأنه لن يشتري لهم شيئا قائلًا "واحنا من إمتى بنشتري احنا بنقيس بس".

كما أطلق حسني أغنية بعنوان "مش عارف ألاحق"، التي صُورت في محطة قطار، ويظهر فيها مجموعة من الشباب يرتدون ملابس صعيدية ويرقصون بطريقة مايكل جاكسون، متحدثًا عن صعوبة الحياة وعدم قدرته على الوفاء بطلبات أبنائه وبناته والتي منها "الشاور جيل ".

انفردت تلك الحملة بخطاب ليس فقط ذكوريًا، حيث لم تظهر زوجة أبوشنب ولم يُسمع لها حسًا، بل هو أيضًا خطاب استهلاكي حصر مسؤولية الأب في قدرته الشرائية، وهو الأمر الذي لا يغيِّر اتجاهات المستقرين ماديًا نحو الانجاب، أما الأفقر فهم يعرفون طرقًا للعيش دون أسقف وبمياه ملوثة وحياة لا تُقام إلا بالتكافل الاجتماعي، وهو ما تغاضت الحملة عن ذكره أو التعامل معه.

يذهب عالم الاجتماع الفرنسي لوي ألتوسير إلى فرضية أن "الأيديولوجية تنادي على الأفراد ليتحولوا إلى ذوات. والنداء على الأفراد كذوات يسبقه شرط "وجود" ذات أخرى فريدة ومركزية"، وأن لكل دولة أجهزتها الأيدلوجية كالإعلام والمدارس... إلخ، التي تنادي على الأفراد باستحضار نموذج تضفي عليه سمات المثالية، وتدعو الأفراد إلى تحقيقه.


اقرأ ايضًا: صدى حديث رئاسي: "انتباه جماعي" في الإعلام لمخاطر الزيادة السكانية


تتمثل فرضية ألتوسير في الخطابات التوعوية التي تطرحها الدولة لحل أزماتها، ومع التمعن في تاريخ معظم الحملات الدعائية حول مشكلة الزيادة السكانية، نجد أنها صُمِّمت في ظل غياب متعمَّد لقراءة الواقع، وبعنصرية ضد مجموعات ضخمة من المواطنين في الصعيد والريف، وبانحياز شديد لعقلنة المدينة ونسقها الفكري، وهذا الخطاب من شأنه تحقيق احتمالين؛ الأول هو استلاب الريفين للمدينة، وهو واضح في أعداد الهجرة الداخلية من أناس يقررون ترك مجتمعاتهم وقراهم المهمشة لنيل التحضر والعيش في المدن الكبرى، والثاني هو إحساس الفرد بإقصاء الآخر له والسخرية من أصله أو جماعته، وبالتالي فإما يقاوم هذا الخطاب بمخالفته، أو أن يهمل أفكاره تمامًا.

إذا كان خطاب الإقصاء هذا يعد عنفًا رمزيًا للرجال، فإن الصاع صاعين للنساء، اللاتي غُيبن عن الخطاب وقُدمن على أنهن تافهات مطيعات راغبات في الإنجاب للحفاظ على ملكية الرجل وإرضاءه، وطُلب منهن التوقف عن الإنجاب بعد ترجي الرجال بكل طرق الشدة واللين، والالتزام بوسائل منع الحمل حتى إذا سببت لهن آلمًا أو جعلتهن رهن أمراض مزمنة.

يتضح عيانًا أن الأزمة السكانية تعصف بالمصريين، ولكن هذه الحلول الفوقية التي تستهين بمشاعرهم واحتياجاتهم وآلامهم، وتسخر من تصوراتهم عن الحياة والتحقُّق، لا يمكنها إلا العدو إلى الهراء.