جدارية لصدام حسين في متحف الحرب بلندن. الصورة: فليكر- برخصة المشاع الإبداعي

لعبة الطغيان: السقوط في الحفرة على طريقة صدام حسين

في ستينات القرن الماضي، كان الشاب العراقي صدام حسين يدرس الحقوق في مصر، ويسكن في الدقي. هناك حكايات كثيرة عن حياة الشاب صدام في مصر، لكن ألطفها تلك التي لا يمكن أن تعرف إذا ما كانت نكتة أم واقعة حقيقية. كان صدام يجلس على مقهى إنديانا، المجاور لكوبري الدقي الآن، ويقال إنه لم يكن منتظمًا في دفع الحساب أحيانًا، وإنه، عندما أصبح رئيسًا، أرسل مبلغًا لصاحب المقهى، سدادًا لبعض الديون القديمة. ذهب المندوب إلى المقهى، وقال لصاحبه "هذا المبلغ مرسل إليك من صدام حسين"، فأجابه الرجل متسائلًا "إيه ده، هو الواد صدام لقى شغل؟".

في نوفمبر 2000، زرتُ بغداد مع مجموعة من الشعراء، الذين كانوا، مثلي، شبابًا في ذلك الوقت. كان العراق لا يزال تحت الحصار الدولي المفروض عليه بعد مغامرة "الواد صدام" لغزو الكويت، لكن الحصار لم يمنع الرئيس صدام من إقامة مهرجان المربد الشعري السنوي، بل ربما زاده إصرارًا على مواصلته كنوع من الدعاية المضادة للحصار والمحاصرين. مئات الشعراء من العالم العربي كانوا يتلقون دعوات لحضور المهرجان الضخم، وكان منهم من يعود بساعة فاخرة عليها صورة صدام حسين.

بعد الحصار، كان من المعتاد أن يقابلك أحدهم على مقهى زهرة البستان في وسط البلد، ليسألك "مش عايز تروح المربد"؟ كان المربد على بعد خطوات من زهرة البستان، إذ يكفي أن تعبر شارع طلعت حرب، أمام مقهى ريش، لتدخل دار الكتاب العراقي، فتحصل على دعوة للمهرجان. ولكن، مَن يقبل أن يذهب إلى مهرجان يستغله رئيس ديكتاتور في تلميع صورته؟ الرجل، الذي لم يعش شعبه يومًا بدون حرب، ولم يعش يومًا بدون اعتقالات واغتيالات، يريد أن يلتقط صورة لنفسه مع مثقفين عرب، ليظهر راعيًا للثقافة والفنون، فهل نكون جزءًا من أدواته التي يستخدمها لتجميل صورته، إذا ما ذهبنا إلى هناك؟

كانت زيارة بغداد جزءًا من أحلامنا، نحن الأدباء الشبان وقتها. كنا نشم رائحة بغداد في الكتب والمجلات الثقافية المدعومة التي كانت تأتي إلينا من هناك، فتمنحنا من الثقافة الكثير، في مقابل ما نملك، وهو أقل القليل. حافظت بغداد في وقت حكم صدام حسين على كونها أحد المراكز الثقافية المهمة في العالم العربي، على الرغم من الحروب العبثية المتتالية التي أقحمها فيها الديكتاتور، بحثًا عن مجده الشخصي. وكانت أنوار الثقافة والمعرفة التي تأتينا من بغداد جزءًا مهمًا من التكوين الثقافي لجيل بدأ الكتابة في الثمانينات من القرن الماضي، لكن هذه الأنوار كانت نتاجًا، ربما، لحريق بغداد الكبير الذي بدأ مع تولي "الواد صدام" الحكم، عام 1979، ولم ينته بمحاكمته وإعدامه عام 2006. هل ندعم صدام إذا شاركنا في المربد؟ نزور بغداد، التي نحب، قبل أن تحترق تمامًا، أم لا نزورها؟ هذا هو السؤال.

قال قائلنا "نريد أن نرى العراق وأهله. سنذهب لدعم الشعب العراقي، لا الرئيس العراقي". واتفقنا على أننا سنذهب، وعلى أننا سنفعل كل ما يمكننا لكي لا نظهر في الصورة التي يريد صدام أن يلتقطها لتزيين حكمه، وأن نتفادى المشاركة في أي نشاط له طابع دعائي سياسي. سنسمع شعرًا، ونقول شعرًا، ونلتقي شعراءً، ونتحدث كلما أمكن الحديث، ونصمت كثيرًا كالعراقيين.

كان علينا أن نسافر على نفقتنا الخاصة، فحصلت على سلفة من عملي في مجلة الإذاعة والتليفزيون لتغطية تكاليف السفر، وتدبر بقية أصدقائي أمورهم بطرق مشابهة. سافرنا إلى نويبع، ومنها إلى العقبة، ثم عمّان ومنها إلى بغداد، في رحلة استغرقت قرابة يومين من الإرهاق والمغامرات وريبة السلطات في مصر والأردن من المسافرين إلى ذلك البلد المحاصر، إضافة إلى برد العاصمة الأردنية الشهير.

منذ اللحظة الأولى، بدت لنا شوارع بغداد أشبه ما تكون بشوارع القاهرة، حتى يكاد الأمر أن يختلط عليك، بين شارع الرشيد في بغداد وشارع العروبة في القاهرة. وزاد التشابه، لاحقًا، عندما غصنا عميقُا في حواري بغداد، فرأينا ما لم يرد لنا صدام ورجاله أن نراه.

يقع فندق المنصور ميليا على ضفة نهر دجلة الذي يقسم العاصمة العراقية إلى شطرين، تماما كما يفعل النيل مع القاهرة. لكن مياه دجلة بدت ساكنة، ملفوفة بالوحشة، كأنما كانت تدرك أن حركتها مراقبة، وأن ثورتها غير محمودة العواقب. ولولا سكون دجلة، الذي بدا لي حزنًا، لاعتقدت أنني في أحد فنادق القاهرة المطلة على النيل، ولكن الفندق نفسه سيفض هذا الاشتباك في خيالك بين العاصمتين. يكفي أن تجلس في الريسبشن لتشرب الشاي، فتصطدم بعينيك صورة ضخمة معلقة على الجدار للسيد القائد المهيب الركن صدام حسين، ممسكًا بكوب صغير من الشاي، مثلك، وناظرًا إليك نظرة الموناليزا غير محددة الاتجاه.

من اليمين: الروائي سعد القرش، الشاعر اليمني مهدي علواني، القاص سامح الأسواني، الشاعر التونسي الراحل محجوب العياري، ياسر الزيات، الشاعر العراقي علي حبش، الشاعر فارس خضر، الشاعر سمير سعدي. الصورة: أرشيف كاتب المقال

أنت معتاد على رؤية صور مبارك في كل المصالح الحكومية في مصر، وعلى السخرية منها، ومن صاحبها، لكن الأمر هنا مختلف تمامًا. أنت لا ترى صور صدام في الريسيبشن فقط، لكنك تقابله في كل مكان بصورة مختلفة حسب طبيعة المكان الذي تزوره: على مبنى هيئة الاتصالات، تجد صورته ممسكًا بالتليفون، وفي حمام السباحة، ترى صورته وهو يسبح في نهر دجلة، وفي الاستاد ترى صورته وهو يمارس الرياضة، وفي المطاعم تراه مصورًا على مائدة، وفي اتحاد الكتاب ممسكًا كتابًا... وهكذا. وعندما أردت الذهاب إلى التواليت في بهو الفندق، سألت أصدقاءنا العراقيين عن مكانه، ثم نظرت إلى صورة السيد الرئيس القائد المهيب الركن المعلقة، ففهموا ما أقصد، وانفجروا في الضحك. كان من الصعب عليّ أن أتخلص من هاجس وجود صورة الرئيس في التواليت، طوال فترة وجودي في بغداد.

كانت ضحكة أصدقائي العراقيين غريبة جدًا: ضحكة عالية انقطعت فجأة كأن أحدًا ضغط على زرار فأطفأهم جميعًا، وفهمت أنه الخوف. لم يكن دجلة حزينًا بقدر ما كان خائفًا، وهذا ما أدركناه طوال رحلتنا. كان الفارق كبيرًا بين قدرتنا على السخرية من حسني مبارك وإلقاء النكات عليه في كل مكان، وخوف أصدقائنا العراقيين من أن يكون هناك من انتبه إلى ضحكتهم، عندما نظرت إلى صورة الرئيس. بدا لنا أن ألسنتنا "فالتة"، بحكم عادتنا كمصريين، وقتها، على مقاومة طغيان الحكام بالسخرية والنكات، فخشينا أن ينزلق لسان أحدنا بكلمة تنتهي بكارثة. ولكن، ماذا نفعل عندما تمتد بنا السهرات مع أصدقائنا العراقيين وتصفو؟ اتفقنا على كلمة سر، على طريقة إسماعيل ياسين، هي "سمك"، يقولها أي منا عندما ينتبه إلى أن صديقه على وشك الخوض في المحظور. وسرعان ما سيطر نداء "سمااااااك" على أحاديثنا، متبوعًا بضحكات فيها خليط من البلاهة والدهشة والخوف.

لم يكن هناك مكان آمن لتبادل الأحاديث مع العراقيين، وكانت الطريقة الوحيدة الآمنة هي المشي في الشارع، بلا توقف. سألت صديقًا عراقيًا عن سر هذه الطريقة، فشرح لي أن المشي يجعل من الصعب تتبع أصواتنا، كما أن من الصعب تسجيلها لو أن سيارة تسجل الأصوات المحيطة. همس شاعر عراقي صديق في أذني "تعال، سنذهب إلى بيتي لأعرفك على عائلتي"، فذهبت. خرجنا من الشوارع الرئيسية اللامعة، لندخل في حي شعبي، أشبه بإمبابة، وتبعته من حارة إلى حارة، إلى أن وقفت أمام بيت، لا يقل عن أي بيت في أي حي عشوائي في القاهرة. أدهشني المآل الذي آل إليه العراقيون تحت الحصار، في بلد يمتلك من الثروات ما لا يمتلكه غيره: النفط، والزراعة والصناعة والعقول والثقافة والعمق الحضاري. لماذا يعيش العراقيون إذن كل هذا الفقر؟ رحبت بي زوجة صديقي وبناته، قبل أن تعود الزوجة لتقدم لي فطائر باللحم، أحسست بأنها آخر ما في البيت من طعام. لاحظت أن دولاب الملابس موجود في الصالة، وبه مجموعة صغيرة من الكتب مع قليل من الملابس، فقال لي صديقي "بعت المكتبة، بكل كتبها. ماذا ستفعل المكتبة للأطفال؟" عندما خرجت من البيت، بكيت بلا دموع، إلى أن دخلت غرفتي في الفندق، فانهرت تمامًا. العدل غائب، ليس في هذا البلد فقط، بل في الحياة بشكل عام. لم تغب نظرات بنات صديقي عن ذاكرتي إلى الآن، وهذه قسوة الذاكرة.

أحسست بالقرف من كل هذه الأضواء في مهرجان يريد أن يخفي جوع صديقي وعائلته، ومن كل هؤلاء الذين يلبسون ربطات عنق، هي في حقيقتها حبال تربطهم بتلك السلطة التي هدمت بلدًا عظيمًا. كنت جالسًا مع رفاق الرحلة في ريسيبشن الفندق، الذي حولناه إلى مهرجان مواز، عندما جاء أحد المنظمين مسرعًا، وصائحًا، كأنه يقود قطيعا من الأغنام "يلا يلا ع الباصات، يلا ع الباصات، ع الباصات". سأله أحدنا عن السبب، فأجاب "هتقابلوا السيد الرئيس، يلا بسرعة ع الباصات". قال أحدنا "سمااااك". وقلت للرجل "اسمح لنا بس نروح غرفنا نلبس ملابس لائقة". قال "بسرعة، الباصات هتتحرك". في الطريق إلى غرفنا، كانت خطتنا واضحة: أن نختفي في غرفنا تمامًا، إلى أن تفوتنا الباصات، ثم نعود إلى الريسبشن، وهذا ما كان.

نجونا من لقاء السيد الرئيس القائد المهيب الركن، وذهبنا إلى بنك قريب لاستبدال بعض العملات. كان لدى كل منا القليل من الدولارات التي دبرها لتكلفة تغطية الرحلة، لكن القليل الذي نمتلكه كان كثيرًا بالنسبة لزملائنا العراقيين. في البنك، فوجئنا بأن الدولار الواحد أصبح يساوي 17 ألف دينار عراقي، وربما لذلك نصحنا أصدقاؤنا بأن يأخذ كل منا كيسًا ليضع في الفلوس. اكتفي كل منا باستبدال 10 دولارات، أي ما يساوي 170 ألف دينار عراقي، وانتظرنا أن يعد موظف البنك النقود، لكنه اكتفى بوضع عدد من "الرزمات النقدية" على ميزان أمامه، قبل أن يسلمنا إياها. لا وقت لعد النقود، ولا جدوى من ذلك، وهي على كل حال، كما اكتشفنا، ليست مصنوعة من البنكنوت، بل مجرد أوراق مطبوعة، اكتشفنا أن ألوانها من الممكن محوها إذا بقيت في اليد فترة طويلة. كانت الدينارات مجرد أوراق مطبوعة، لكنها كانت مقبولة من الجميع، فليس هناك بديل.

عدنا إلى موضعنا المختار في الريسيبشن، تحت صورة السيد الرئيس القائد المهيب الركن الممسك بكوب الشاي، وجلسنا مع أصدقائنا العراقيين، نتبادل قراءة الشعر، والنظرات المحذرة، وكلمة السر "سمك". مضى نحو خمس ساعات؛ عندها رأينا في تليفزيون صغير أمامنا وضعته إدارة الفندق، أن هناك بثًا مباشرًا لاستقبال الرئيس المثقفين العرب. كان الرئيس جالسًا في استاد رياضي كبير، يستعرض ما سماه جيش القدس، عندما ظهرت مجموعة من الرجال والنساء الذين يرتدون أزياء مدنية، عندها قال المذيع بصوت يملؤه الحماس ".. وها هي وفود مهرجان المربد الشعري، جاءت من كل حدب وصوب في الوطن العربي، لتحية السيد الرئيس وتأييده"، ووقف صدام حسين مرتديًا معطفًا أسود، وقبعة سوداء، وأمسك بندقية بيد واحدة، أطلق منها عدة أعيرة نارية ردًا على تحية الوفود التي كانت ترفع الأيادي ملوحة للقائد المهيب. عرفنا أننا نجونا، وعرفنا من العائدين أنهم ظلوا محتجزين في مكان مغلق بلا طعام أو شراب لأكثر من خمس ساعات، إلى أن فتحوا لهم الباب، فوجدوا أنفسهم يمرون أمام صدام حسين. لم ننج من مقابلة الرئيس فقط، بل نجونا أيضا من انتظار الانضمام إلى القطيع.

في اليوم التالي، كان علينا أن نزور ملجأ العامرية. في 13 فبراير 1991، قصفت طائرتان أمريكيتان من طراز إف-117 ملجأ في حي العامرية في بغداد، مما أدى إلى مقتل 408 مدنيين، أغلبهم من الأطفال والنساء. كانت هذه واحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبها القوات الأمريكية، خصوصًا أن الملجأ مخصص لحماية المدنيين، بحسب السلطات العراقية، ووضعت على سقفه علامات واضحة تميزه للطائرات المعادية، باعتباره ملجأ مدنيًا. يمنح القانون الدولي الإنساني حماية خاصة للمنشآت المدنية، الأمر الذي جعل الفعل الأمريكي جريمة حرب مكتملة الأركان. استغل النظام العراقي مجزرة ملجأ العامرية في الدعاية ضد التدخل العسكري في العراق، وضد الحصار الذي اعتبر أنه يستهدف تركيع العراق وتجويع شعبه. وكانت الصور المنشورة عن ملجأ العامرية وقت الحادثة أكثر بشاعة من أن تُرى، فضلا عن صور الفجيعة في عيون أهالي الضحايا، والحكايات المؤلمة عن تلك الضحكات الصغيرة التي سبقت القصف.

مع بداية الحرب العراقية الإيرانية، التي سميت لاحقًا بحرب الخليج الأولى، بنى العراق 38 ملجأ حصينًا، كان بينها ملجأ العامرية الذي حمل الرقم 25. تبلغ مساحة الملجأ 500 متر مربع، وهو مكون من ثلاثة طوابق، مصمم للحماية من الضربات النووية. يبلغ سمك جدران الملجأ، وسمك أسقفه، مترًا ونصفًا من الخرسانة المسلحة، والمدعومة بصفائح حديدية يبلغ سمكها أربعة سنتيمترات. هذه التحصينات جعلت الأمريكان يصممون صاروخين خصيصا لضرب الملجأ، أحدهما صاروخ خارق، مهمته اختراق السقف الحصين، وآخر حارق يدخل من الفتحة التي أحدثها الصاروخ الأول، ليحرق كل ما في داخل الملجأ، ومن فيه، وهذا ما حدث بالضبط. كان الملجأ مصمما بحيث يمكن للمحتمين به أن يبقوا فترات طويلة داخله، بدون أي احتياج لطعام أو شارب من الخارج، ولكن الصاروخين، الخارق والحارق، أحرقا الأجساد داخل الملجأ، والأرواح خارجه.

قبل زيارتي ملجأ العامرية، بسنوات، استمعت إلى مقطوعة موسيقية للفنان نصير شمة بعنوان حدث في العامرية، فبكيت، وكان بكائي يتكرر في كل مرة أستمع إليها. كنت مستعدا للبكاء قبل الزيارة، لكن شيئًا أبدًا لا يمكن أن يصف ما رأيت، ولا الإحساس الذي أحسست. كانت سنوات تسع مرت على المجزرة، لكن كل شيء بقي في مكانه كأنه حدث بالأمس. قبل أن تخطو خطوتك الأولى، ستشم رائحة الشواء، ستشم رائحة اللحم البشري مشويًا، ستشعر كأن أطفالًا يشدون ملابسك في محاولة للنجاة، وقد تسمع نواح النساء اللواتي فشلن في حماية أنفسهن، أو إنقاذ أطفالهن، من هذا الجحيم.


مع كل خطوة، كان الموت يقودنا، ورائحته تسحب أرواحنا، إلى أن وصلنا إلى الصالة الأساسية التي نزل فيها الصاروخان. كان هناك ثقب كبير في السقف، يصل قطره إلى حوالي مترين، تتدلى منه أسياخ حديدية سميكة، وفي الأرض كانت هناك حفرة عميقة، أحدثها الصاروخان، اشتبكت فيها أسياخ حديدية أيضا، علقت بها أشياء، تبين لنا أنها بقايا جثث محترقة. شيء أكبر من المأساة ما رأيناه على الجدران. كانت الجدران سوداء بفعل الحريق، لا يجرح سوادها إلا بقع من الدم الغامق المحترق. وكانت هناك أشياء بارزة: هذه عين، أو بقايا جثة ألصقتها النيران بالجدار، أو جلد شخص ربما اعتقد أن بإمكانه أن يهرب من الجحيم، إذا ما التصق بجداره. لم يكن الهروب ممكنا، لأن أبواب الملجأ كانت مصممة بحيث تُغلق ذاتيا، من الداخل ومن الخارج، عند حدوث هجوم. ولم يكن الهروب من البكاء ممكنا بأي حال.

في الطريق من الملجأ إلى الفندق، لم يكن سوى الصمت، وبكاء يحاول أصحابه كتمانه، فيتحول إلى نشيج، ولم يكن بإمكاننا أن ننظر إلى بعضنا البعض. عندما وصلنا، أخبرونا بأن هناك فيلما مهما يجب أن نشاهده، فانتقلنا إلى صالة العرض، على أمل أن ننسى ما رأينا بما سنشاهد، لكننا فوجئنا بأنهم يعرضون لنا فيلما روائيًا بعنوان الفجر الحزين، عن ملجأ العامرية. سيستمر البكاء الجماعي إذن، رغم أننا نعرف أن نظام صدام يتاجر بالمجزرة، وأنه لا يقل إجرامًا عن الأمريكان. لم تمض دقائق على بدء الفيلم، حتى سمعت بكاء صديقي الروائي العراقي، الذي يجلس بجواري، قبل أن يميل علي قائلا إنه لن يكمل المشاهدة، ويطلب مني وصديقي الشاعر فارس خضر أن نتمشى معه في الشارع.


فيلم الفجر الحزين

جفف عينيه قبل أن يخرج من ظلام السينما إلى نور الشارع، ومشينا خلفه، موقنين أنه سيقول لنا شيئا لا نعرفه. في الشارع، كنا لا نزال تحت تأثير الصدمة، صامتين، لكن صديقنا الروائي العراقي، كان يرتعش ويتكلم بصوت خفيض مختلط بالخوف والبكاء "لا تصدقوهم، لا تصدقوهم، هؤلاء مجرمون، جعلوا من النساء والأطفال والمدنيين العزّل دروعًا بشرية". كان يلتفت من حين إلى آخر، ليتأكد من أن أحدًا لا يراقبنا أو يتنصت علينا، ويكمل "الأمريكان مجرمون، لكن هذا النظام لا يقل إجرامًا. لم يكن مجرد ملجأ كان الطابق السفلي الذي يقع تحت الأرض بطابقين، هو مقر القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية، وكان صدام حسين يدير المعارك من هناك. كان صدام موجودًا قبل دقائق من سقوط الصاروخين، وكانت الطائرتان تحلقان فوق الملجأ قبل قصفه، فأخرجوه. الأمريكان رصدوا إشارات لاسلكية صادرة عن قيادة الجيش أسفل الملجأ، فقصفوه. كلهم مجرمون. والآن يتاجرون بدمائهم وجثثهم. لا تصدقوهم".

بعد ذلك بسنوات، وبعد سقوط صدام ونظامه، ظهرت هذه الرواية في عدد من وسائل الإعلام، وإن بقيت دون تحقيق.

عندما عثروا على صدام في الحفرة، فهمت كيف وصل إلى هناك، ورأيت عيون بنات صديقي الذي قدم لي طعام أطفاله كرمًا، ورأيت بقايا الجثث على جدران ملجأ العامرية، وشممت رائحة شواء اللحم البشري، أدركت أن هذه نهاية طبيعية للعبة الطغيان.