صورة لأمي في سن الخامسة -الصورة: الأرشيف الشخصي للكاتب

صورة لأمي

هناك صورة لأمي انتقلت معي إلى بيتي الجديد، واحتلت ركنا، مع صورة زواجهما، هي وأبي. كانت أمي طفلة، في الخامسة، أو السادسة، من عمرها. تأسرني دوما نظرة عينيها في هذه الصورة، أرى فيها انكسارًا خالدًا، أو حزنًا خالدًا، أكبر بكثير من عمرها آنذاك، ولكنه شق طريقه ليظهر على سطح الصورة. ربما البكاء الوشيك، أو الاستسلام لقدر التصوير، الكريه عند الأطفال، والوقوف أمام المصور؛ منح هذه العين أصالتها، ونظرتها المتعالية على الطفولة، التي قربتني من الصورة، ومن جوهر أمي، الذي اقتسمته معها. كانت العين كجاسوس الأبدية داخل جسدها.

ربما أشار عليها المصور بأن تبتسم، ولم ترضخ له، أو قال لها انظرِي إلي يدي، ورفعها في مستوى الكاميرا، ولم ترضخ له أيضا. هناك، بعينيها، عتب صامت، مكبوت، لم تصرح به. بؤبؤا العين أعلى قليلا من مستوى الكاميرا، ربما كانت تنظر لأحد ما يقف وراء الكاميرا، ربما والدها، قبل وفاته القريبة؛ بهذه العين العاتبة، كأنها لم تتوقع منه أن يضعها في هذا الموقف. كان من عادتها ألا ترفض شيئا، ولكن كان هذا يحملها فوق طاقتها عادة.

كانت تركز بصرها، بدون شرود، على شيء خارجي، ولكنه داخلي أيضا. استقر بصرها على هذا الداخل الطيفي الذي كان في بداية تكونه لطفلة في الخامسة، أو بمعنى أصح ارتاح عليه، كأنها على وشك أن تستسلم للنوم، أو للبكاء، بهذا الاسترخاء الحزين.

أكرر حكاياتي عنها، ولن أفرغ، لأني لا أملك إلا أمًا واحدة، وهي المعجزة الطبيعية في حياة أي منا.

-2-

تأسرني هذه الصورة لأمي، (التي صورت على الأرجح في 1927 أو 1928) تعيدني لماض أسبق من ماضيَّ الشخصي، لتاريخ شخص آخر هو أمي، أقف وراءه، استرق النظر لحياته التي ستأتي، والتي اقتسمنا جزءا كبيرا منها. أدقق في هذه النظرة، التي لم تتغير، بالرغم من تغير الملامح. عاشت حياة قريبة جدا من حزن هذين العينين، أو انكسارهما، أو صبرهما. كان وجهها، في تلك السن، لازال في مرحلة التشكل، يُنحت على مهل، باستثناء عينيها، اكتملا مبكرا، كونهما النافذة، الذي يعبر منها التاريخ.

برغم صغرها في الصورة، فهي الأم لرجل يبلغ الستين الآن. صغر السن يحمل داخله قداسة ما تتفوق على العمر، مثل سلالة ملكية، منحت نفسها بنفسها اعتراف السماء، ومع الوقت تساوقت مع جوهرها المقدس بالتضحيات والصبر وبالرسالة الإنسانية التي تحملها.

-3-

هذا المنديل الذي وضع في الجيب الصغير، وهذا الشعر الكثيف الذي ظل لأيامه الأخيرة كثيفا وناعما كما هو. برغم حزن الصورة إلا أني أرى فيها أيضًا طفولة سعيدة، فحزنها، ليس وليد طفولة حزينة، ولكنه موهبة شخصية، تنفرد بها. هذه الطفولة السعيدة، التي ربما كانت تخجل منها، أو تريد أن تتبرأ منها، لشدة ارتباطها بالجانب المتشائم من الحياة، الذي يقف فيه الضعفاء والفقراء، والمظلومين. كانت تتماهى بكليتها معهم، قبل أن تصادفهم في حياتها. ربما ورثت منها عينيها، بدون تاريخهما.

-4-

لم يكن من عادتنا، في بيت العائلة، الاحتفاظ بصور لأحد أفرادها، سواء العائشين أو الذين رحلوا. في فترة متأخرة، قام أبي بتوصية برواز خشبي لصورة فرحهما الأنيقة، هو وأمي، ثم علقها فوق سرير غرفة نومهما مباشرة، كأيقونة العذراء الحامية. كان سلوكه هذا إحدى انتفاضاته تجاه الزمن. بجانب صورة للأخوين في عمر الخامسة والسادسة، بالترتيب، على جانب غرفة النوم. بعد سنوات طويلة، انضمت لها صورة زواج أخي الأوسط، ثم بعدها بسنوات طويلة، بعد وفاة أبي، وزواجي في البيت، أضيفت لها هذه الصورة لأمي. كانت غرفة النوم هي ألبوم العائلة شديد التقشف. يفرق بين صورة وأخرى عشرات السنوات، مثل الثقوب السوداء، كأن هذه الصور انبثقت فجأة، وتحت ضغط مكثف، من ذاكرة الجدران، لتأخذ مكانها وتؤرخ بشكل كروكي، ولكنه ثاقب، لحيوات ومصائر.

-5-

عندما كنت طفلا، في عمر أمي، لا أتذكر سوى العالم الذي جمعني بها، بأشيائها الخاصة، بصندوق حليها، الحقيقي منها والفالصو، بطاقم زجاجات الزينة، ذات اللون البمبي الموضوعة على درج التواليت الخاص بها، خاصة زجاجة الرائحة الفارغة ذات المنفاخ، أملأها بالماء مثل أنية العطر المعدنية عند الحلاقين، وأصوب الرذاذ، في إحدى ألعابي اليومية، على شعرها ووجهها.

من فيلم The Elephant Man- الصورة: IMDB

الكاتب الفرنسي رولان بارت، له أيضا ذكريات، مع أمه وثقها في كتابه الغرفة المضيئة، وهو كتاب عن الفوتوغرافيا، بشكل عام، بوصفها فنا، وبوصفها أداة أنثروبولوجية لقراءة التاريخ والمجتمع. كتب هذا الكتاب بعد سنة تقريبا من وفاة أمه، واستعان فيه ببعض الصور الشهيرة كعلامات هامة في تاريخ الفوتوغرافيا، بجانب استعانته بصورة لأمه، لم ينشرها في الكتاب، ولكنه تحدث عنها ووصفها بدقة، في عدة صفحات شديدة الخصوصية، والشجن. قرأت هذا الكتاب الثري بالمشاعر والملاحظات العميقة، وأعدت قراءته مرة أخرى، وأصبح مرشدا، بشكل ما، لاكتشافاتي وطريقة قراءتي لصورة أمي.

سمى رولات بارت هذه الصورة بـ "حديقة الشتاء"، كانت أمه فيها طفلة في الخامسة تقف بجانب أخيها على "نهاية جسر خشبي في حديقة شتائية لنباتات ذات سقف زجاجي"، ويرى أن هذه الصورة المضببة، وربما الباهتة، التي أخذت لأمه مع أخيها، هي أصدق صورة تجسد جوهرها، الذي أختبره أثناء حياته معها. في هذه الصفحات اتخذ بارت من صورة أمه دليلًا، أو شاهدًا، على إحدى مزايا الفوتوغرافيا: أن الأهمية ليست في الحرفية ووضوح الصورة، فقط، ولكن الأهم هو الاحتفاظ بالجوهر، فالاحتراف في الفوتوغرافيا هو الهواية.

-6-

هناك صورة أخرى لأمي لازلت أتذكرها، قمت بتصويرها بنفسي، أثناء حدوث إحدى المعجزات الكونية. في إحدى شتاءات الإسكندرية في التسعينيات، ملأ الثلج حديقة بيتنا بكثافة. خرجت أمي لحظتها للجلوس في البلكونة لتشاهد هذه المعجزة الإلهية. كان وهج اللون الأبيض للثلج ينعكس على وجهها ويضيئه كان هناك دائرة نورانية باردة تحوط الوجه. لم تكن صورة "حديقة الثلج" واضحة، ولكنها كانت الصورة الأخيرة لها، كأنها تأبين مبكر تم قبل وفاتها بسنوات. في كل موقف وحدث أتخيل المستقبل. في سنواتها الأخيرة كانت أذني مضبوطة على نبضات قلبها. نذهب للطبيب أو أسارع بجهاز قياس الضغط والنبض، تقول لي بخجل متوار"ماتزعلش كده"، عندما ترى جزعي، أو صورتها المستقبلية مرسومة على وجهي وعيني.

"اعتنيت بها أثناء مرضها، حملت لها سلطانية صغيرة للشاي أحبتها، لأنها استطاعت أن تشرب منها براحة أكبر من الفنجان. لقد أصبحت طفلتي الصغيرة، متوحدة بالطفلة الأصل التي كانت في صورتها الأولى. لدى بريخت، أعجبت كثيرا بالأدوار الطبيعية المعكوسة، حيث الابن هو الذي يربي الأم ( بكياسة)".

منذ عدة أيام قفز أحد تذكارات أمي فجأة، وسط دولاب الأكواب والماجات في البيت، كان منسيا في دولاب تخرين آخر، ثم اكتشفته سلوى، ونقلته للدولاب. وقعت عيني على الكوب، ذي الزجاج الثخين، الذي كانت تشرب فيه الشاي واللبن، ويشبه الكأس. بسرعة انكشف الزمن الكامن وراءه، كأنه يحدثني ويعرض أمام مخيلتي كل ما علق به من أحاسيس وصور وأيدي. كانت تفضل احتساء مشروباتها الساخنة فيه، ربما كان جزءًا من تاريخها مع أبي. أو لأن زجاجه الثخين يقلل من حرارة المشروبات التي كانت تحب أن تحتسيها "ملهلبة". كان مثل قطعة نحتية تغبش زجاجها بفعل الزمن، وتحول إلى أثر غائم، ولكنه مؤثر ونافذ، مثل الصورة الباهتة، التي تحتفظ بجوهرها، تماما.

ربما الصورة تعيد إنتاج الموت في نفوسنا، هي بتعبير بارت "نوع من الغوص المفاجئ في الموت الحرفي"، كلما نظرنا إليها. ولكنها تنتج موتا مختلفا، يتبعه بعث.

-7-

تتبعت صور أمي في عدة مراحل قبل وبعد الزواج بعد أن انضم هذا الجوهر، لجوهر آخر يسمى العائلة. ولكن في هذه الصورة كان الجوهر مستفردا، خاما، نقيا، قبل أن يتداخل مع جواهر أخرى، ويصير مركبا كيمائيا.

"كان هناك جوهر مشع غير قابل للاختزال: أمي. يتصور دائما أن أعاني مزيدا من الألم لأنني أمضيت كل حياتي معها، ولكن آلامي تأتي مما كانت عليه، ولآنها كانت على ماكانت عليه عشت معها، فقد أضافت أمي إليَّ بوصفها خيرا جمال موتها روحا متفردة. أمكنني أن أقول مثلما قال الراوي البروستي في موت أمه: " لم أصرَّ فحسب على المعاناة، ولكن على احترام أصالة هذه المعاناة".

-8-

هل كانت تقرأ، خلال هذه النظرة " كبيرة السن"، هذا التاريخ الذي سيأتي. كانت باستمرار تقرأ المستقبل تتبعه في الحلم حتى تعثر على الأمل، أو ما يدحض الأمل. الأمل كان يدور حول أشياء غاية في البساطة، ولكنها جوهرية، الأمان، والسلام بين الجميع، ومن أجلهما ضحت بالكثير ربما ضحت بأمانها وسلامها الشخصيين، كأنها صاحبة رسالة.

أكرر حكاياتي عنها، ولن أفرغ، لأني لا أملك إلا أمًا واحدة، وهي المعجزة الطبيعية في حياة أي منا. عندما كانت تحكي لي حدوتة: على بابا، ست الحسن والجمال، قصة سيدنا يوسف في الجب، قصة سيدنا موسى وهو يتأرجح في صندوق من القش وسط النيل؛ تتباطأ في سرد الأحداث، تتوسع في وصف المشهد بإسهاب، تحفظ راكور المشهد جيدا. ولأن الحكاية معادة عشرات المرات، ومعروف نهايتها، لا تبقى إلا التفاصيل، دائما مختلفة، وبها نضارة الخلق. ولأن النهاية معروفة، أيضا، فقد كان المشهد، يمتد أفقيا بلا مستقبل، أغفو ثم أستيقظ فأجدها غافية. ربما هذا النوم المفاجئ أنقذها وأنقذني من ملل التكرار، وعدمية أي حدوتة معروفة مسبقا.

مشهد من فيلم The Elephant Man

كان هناك مشهد أثير لأمي لم أنسه، حدث بعد وفاة أبي، له علاقة استثنائية بالصور، وسجلته في أحد دواويني. كانت جدران العائلة تتآكل من أسفل. كانت تمزق كل صور العائلة، للذين انفصلوا عن شجرتها أو ماتوا، وهي معهم، لأن لا أحد سيعتني بهذه الذاكرة. كانت تخشى من عدم الاعتناء بتاريخها، فقامت بتمزيقه والتضحية به، بنفسها، باستثناء بعض الصور القليلة والعادية تماما التي تجمعها بأحفادها في مناسبات عائلية. لم تنج سوى هذه الصورة الشخصية فقط، وهي طفلة، كأن زمن الطفولة، بالنسبة لها، هو زمن عام لا يخص أحدًا، ولا حتيى ينتمي لها، ولا ينتمي للذاكرة التي تخشى من فنائها. ربما كان هذا الزمن، وهذه الصورة، هي بذرة الصور التي يجب أن تحيى حتى تنبت منها ذاكرة جديدة.

-9-

يلتقط رولان بارت أحد أعراض الحب، والعشرة الطويلة، وربما التماهي النفسي، بين الابن وأمه، أنك تقف أمام صورة من تحب، وتتشكك في كونه هو! برغم هذه السنين وهذا الحب لازلت تتشكك، ربما لأن خلال هذه السنين، كنت تراها من الداخل، ترى الملامح وهي ذائبة في شخصيتها وحياتها وجوهرها. يكتب "تشبه الصورة أي شخص، باستثناء الشخص الذي تمثله. لأن الشبه يعود إلى هوية الذات، أمر سخيف، مدني بمعنى الكلمة، بل حتى جزائي؛ الصورة تقدم الذات على اعتبار أن يشبه ذاته، في حين أنني أريد شخصا كما هو في ذاته. يتركني الشبه غير راض، وعلى نحو ما متشكك".

نفس التشكك شعرت به أمام صورة أمي، عرضت الصورة على سلوى عدة مرات، قارنتها بصورة زواجها الأحدث، لأن البشرة هنا قمحية، بينما أمي كان لها بشرة بيضاء، ووجها كان مسحوبا قليلا، بينما هنا شبه دائري وخداها ممتلئان. فالشبه العالق بخيالي يختلف قليلا عما في الصورة، ربما كنت أبحث عن جوهرها الذي أعرفه وليس "الشبه"، كما يقول بارت تعليقا على صورة والدته في حديقة الشتاء "الصورة الوحيدة التي أعطتني روعة حقيقتها، هي بالتحديد صورة ضائعة بعيدة لاتشبهها، هي صورة الطفلة التي لم أعرفها". ربما عينا أمي هما الأثر لهذا الجوهر الحزين الذي تخطى " الشبه".

-10-

ربما الصورة تعيد إنتاج الموت في نفوسنا، هي بتعبير بارت "نوع من الغوص المفاجئ في الموت الحرفي"، كلما نظرنا إليها. ولكنها تنتج موتا مختلفا، يتبعه بعث "تتصل الفوتوغرافيا في شيء ما بالبعث"، فكما أن الصور هي المكان الرمزي لرصد شجرة الموت، قبر المحبوب العابر للأزمنة، بعيدا عن رصد المجتمع الإحصائي، ولكن داخل هذا المكان الرمزي أيضا هناك بعث متجدد لأمي، يتحول بالتكرار إلى جزء من الحياة اليومية. ربما هو بعث فقدَ مفاجأته، ولكن في سبيل هذا الفقد، لأهم ما فيه، أيقظ الموتى وجعلهم أحياء، عبر الذكرى، وعبر هذه الأشعة التي تصدر منهم وتلمس جلدي. إنه بعث أثيري، المرسل والمستقبل معًا على درجة عالية من اليقظة. يكتب بارت "الصورة هي حرفيا انبعاث للمرجع، فمن جسد واقعي كان هناك، انطلقت إشاعات لمستني لتوها، أنا الموجود هنا. لاتهم الفترة التي استغرقها الانتقال، صورة الوجود المفقود مسني للتو مثل أشعة نجم مرجأة. نوع من الحبل السري يربط جسم الشيء المُصور بنظرتي المحدقة، فالضوء رغم أنه غير محسوس، هو هنا وسَطَ مجسد، اقتسم ملمسه مع من تم تصويرهم من قبل".

-11-

في فيلم الرجل الفيل للمخرج الأمريكي ديفيد لينش (1980). يحكي الفيلم عن قصة حقيقة حدثت للمواطن الإنجليزي جوزيف ميريك (5 أغسطس 1862-11 أبريل 1890) الذي كان يُعاني من تشوّهاتٍ خلقية شديدة سببها متلازمة تسمى بروتيوس. عُرف باسم الرجل الفيل The Elephant Man‏. كان هذا الرجل، في الفيلم، يحمل صورة لأمه الجميلة داخل جيب سترته، كبطاقة هويته، أو وثيقة حمايته من قبحه وتشوهه، والتي تؤكد انتسابه إلى هذا العالم، الذي لا يقبل أمثاله. صورتها هي وثيقة جماله المعكوس عليه من أمه والمدفون في السلالة. الصورة الأخرى التي كان يحتفظ بها لها، كان يضعها بجوار سريره. في مشهد النهاية قبل موته حلم بصورة أمه وحولها هالة ضوئية كأيقونة، في فضاء مظلم يتخلله نجوم وومضات ضوئية تصدر من وجهها، كانت تكلمه كأنها تعده لدخول عالمها، وتسترد وديعتها.


النصوص المائلة من كتاب رولان بارت، الغرفة المضيئة ( تأملات في الفوتوغرافيا). ترجمة هالة نمَّر. مراجعة أنور مغيث.