"حياة المدمن". مشروع يوثق حياة المدمن - من تصوير: أحمد يحيى

الحشيش: مجرد عادة أم بداية لرحلة الإدمان؟

يُعد الحشيش أو نبات القنب الهندي cannabis sativa من أهم النباتات المخدرة التي حازت قبولًا اجتماعيًا وربما عقائديًا، كونها الأنسب لحل المشاكل اليومية بلا ضرر بالغ، وبسبب القبول الاجتماعي لها، وسهولة الحصول عليها عادة بأسعار مقبولة.

كمعالج إدمان لدى الكثير من الأصدقاء والحالات يدخنون الحشيش، ومعظمهم أدمنوه. فالحشيش مثل كافة المواد المخدرة يسبب الإدمان، كون الإدمان فيروس يصيب الإنسان ذي القابلية للإصابة به، وليس عيبًا موجودًا في المخدر نفسه.

نحن هنا بصدد الحديث عن آثار الحشيش الإدمانية، والمشاكل النفسية التي يتعرض لها متعاطوه يوميًا ريثما يتحولون إلى مدمنين، ربما نتحدث أيضًا عن كم المفاهيم المغلوطة المتعلقة بتعاطيه وهل هو إدمان أو عادة؟

أنا مش مدمن

في المرات الأولى سيشعر مدخن الحشيش بهدوء ممزوج بالخفة الشديدة، لا يكدر صفوه سوى شعور ملحوظ ببعض أعراض البارانويا "الرهاب"، مع تقليل الكبح؛ أي قول وفعل الأشياء التي لا يسهل قولها أو فعلها في الحالة الطبيعية من عدم تعاطيه.

سريعًا يقع المدخن في الفخ، ويصبح تدخينه الحشيش عادة يومية ثم يصير المهدئ اليومي والمسكن الأول لآلام الحياة، أو بمعنى أخر يصبح الحشيش مكافأة يومية يكافئ بها المدخن نفسه بعد قضاء يوم ناجح وسط حياة مليئة بالتفاصيل والضغوطات المزعجة التي ستتحول تباعًا إلى حياة لا تطاق أو تعاش من دون ذلك المخدر.

مع الوقت، وبفعل الاستعداد للإدمان الموجود لدى معظم متعاطيه، تصبح هذه العادة اليومية هي كل شيء؛ يعالج الحشيش الأفكار اليومية المزعجة، ويجعل الإنسان قادرًا على تحمل الضغوط وصعوبة التعامل مع زملائه في العمل، زوجته وأولاده، أو أمه.

وبعد مرور سنوات، يكتشف المدخن أنه ببساطة لا يمكنه الاستغناء عن الحشيش؛ يدخنه بشكل يومي، بل ومن الممكن لأكثر من مرة في اليوم، ولا يريد التوقف عن تدخينه، أو هكذا يقنع نفسه، لكنه لا يستطيع، عند تلك النقطة، يظهر شكل واضح من أشكال الصراع؛ هل أنا مدمن؟.

في الغالب، وبالنسبة لمدخّن الحشيش كونه المخدر المقبول اجتماعيًا، وبشكل واسع، ينظّر له كمخدر طبيعي وغير ضار، تكون الإجابة بالطبع لست مدمنًا، فالمدمن هو من يتعاطى المواد الأخطر مثل الهيروين أو الأقراص المسكنة، ويصرخ صوت بداخل المدخّن الذي يصارع بالفعل إدمانه قائلًا "الحشيش ليس إدمانًا"، و هنا يكمن جوهر المفاهيم المغلوطة.

لا أعرف إن كنت مدمنًا

هناك بضعة معايير نستطيع الحكم من خلالها على موقع المدمن أو المتعاطي في خريطة الإدمان، إذا صح تسميتها.

أولها ملاحظة أعراض الانسحاب الجسدية والنفسية التي تظهر عند التوقف عن تعاطي مخدر معين، وتتوقف درجاتها على نوعية المخدر ودرجة تأثيره الجسدي والنفسي، وثانيها الحاجة الدائمة إلى زيادة كمية الجرعة للحصول على النتيجة المرجوة منه.

ولأن مدمن المخدرات لا يتوقف عن التفكير فيها، حتى وإن كان لديه ما يكفي منها، ولا يسيطر على تعاطيه، ودائمًا يريد المزيد، لذا فإن الانشغال الدائم بالتفكير في المخدرات يصبح المعيار الثالث.

المشكلة الأساسية تكمن في تأخر ظهور الأعراض الكاملة بالنسبة لمدخن الحشيش، من الممكن للشخص أن يكون ناجحًا في دراسته أو عمله ومن الممكن جدًا أن يكون رب/ ربة أسرة ناجحين.

أما آخر المعايير فتظهر على الشخص في التخلي عن الأنشطة الاجتماعية والعملية والإبداعية أو التقليل منها بسبب المخدرات، ليستمر في التعاطي على الرغم من إدراكه المشاكل الصحية و النفسية المتكررة.

لذلك فليس كل مدخني الحشيش مدمنين، لكن بعضهم كذلك، إذا أردنا كسر المفهوم الخاطئ الذي يرى أن الإدمان يقتصر على الهيروين والأقراص المخدرة فقط.

هناك ثلاثة أنواع من المتعاطين؛ المدمن الذي تنطبق عليه الصفات السابقة في تعاطيه أو على الأقل ثلاث منها، والمتعاطي الذي لا ينشغل بالمخدر بهذا القدر، قد لا يشتريه أحيانًا، ولا تظهر عليه فقدان السيطرة، وهناك من استخدم المخدرات في حياته لعدة مرات وهذا بالتأكيد ليس مريضًا بالإدمان، فمن منا لم يجرب الحشيش يومًا؟

الإدمان فينا

الإدمان مرض لا علاقة له بنوع المخدر، ولكنه مرض عقلي وجسدي وروحي يصيب الأشخاص، لا علاقة له بمستواك التعليمي أو الثقافي ولا يرتبط بالتنشئة العائلية، أو حتى بالمخدر المفضل لديك.

الإدمان في الشخص وليس في النوع، وتلك حقيقة مفزعة بالنسبة للكثيرين.

أثناء رحلتي كمعالج إدمان قابلت المئات من مدخني الحشيش الذين تحولوا إلى مدمنين، كثيرون أدركوا مشكلاتهم ومنهم من تعافى وهناك الملايين الذين لم يكتشفوا بعد أو يرفضون الاعتراف بإدمانهم على الحشيش.

المشكلة الأساسية تكمن في تأخر ظهور الأعراض الكاملة بالنسبة لمدخن الحشيش، من الممكن للشخص أن يكون ناجحًا في دراسته أو عمله ومن الممكن جدًا أن يكون رب/ ربة أسرة ناجحين.

في البداية ولسنوات طويلة يساعد الحشيش مدخنيه على تلطيف آلام الحياة اليومية ولكن بعد أن تظهر المشاكل مع مرور الوقت، كالهوس والوسواس القهري الذي يسببه المخدر، المصنف دوائيًا باعتباره "Hallucinogen" أي مهلوس و"psychotropic agent" أي عامل مؤثر نفسيًا.

وعند محاولات التوقف عن التعاطي تظهر تلك المشاكل جليةً، يفقد المدمن سلامه النفسي وهدوءه، فتفلت أعصابه لأقل الأسباب، وقد ينهار الهدوء الخارجي، ويصيبه الاكتئاب المتوسط أو الحاد، وهي أشياء لا ينكرها أي مدخن للحشيش بوجه عام سواء كان مدمنًا أو مستخدمًا.

عندما تظهر تلك الأعراض فإن الأسئلة تصعد إلى الرأس، لماذا عليَّ التوقف عن التعاطي؟ ورغم عدم اقتناعه بجدوى التوقف عن تدخين الحشيش فإنه يصير متأكدًا في أعماقه أن لديه مشكلة واضحة مع التدخين اليومي، ثم يسأل نفسه في بعض اللحظات "هل أحتاج إلى مساعدة نفسية متخصصة أم لا؟"، لكن الإنكار دائمًا يكون الإجابة.

البارانويا يمكن التعافي منها

يستمد الإنكار في تلك الحالة من البارانويا التي تصيب مدخّن الحشيش، أي الشك في الآخرين وجنون العظمة بالنفس، في حالات كثيرة يتعرض المدخنون إلى سماع أصوات غير موجودة، ويصابون أيضًا بالبارانويا.

ومع ازدياد البارانويا وهي أكبر الأعراض المصاحبة لتدخينه يأخذ المدخن الذي أصبح مدمنًا موقفًا معاكسًا للنصائح ويقرر أنه "لا يستطيع الحياة من دون الحشيش" من زاوية منكسرة تشعره بالضعف أمام شكه في الآخرين بادعاء النضج إزاءه، ومن زاوية أخرى بجنون العظمة والإحساس بأنه مدرك لما يفعله.

في تلك الحالة يكون الذهاب إلى أقرب طريق للمساعدة واجبًا، الطبيب النفسي أو الأخصائي أو المعالج.